| 

تمكّنت المخرجة ميّ مصري في فيلمها الروائي "3000 ليلة" من أن تستفز، أن تثير، أن تنعش وتوقظ ، أن، وأن وأن، ذاكرة نسبةٍ لا يُستخف بها من الشعب الفلسطيني (نحو 10 في المئة)، هي نسبة مَن تعرّضوا لتجربة الإعتقال على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بشكل مباشر، من الرجال والنساء، خلال العقود الخمسة المنصرمة، أيّ منذ حرب 1967. وتتضاعف هذه النسبة لما تشمل من تعرّضوا لهذه التجربة بشكلٍ غير مباشر، من أفراد العائلة كالأم والأب والابن والابنة والزوج والزوجة والحبيب والحبيبة. فهم، بدورهم، تلقّوا صدمة الاعتقال من لحظته الأولى مروراً بفترة التحقيق الصعبة ومن ثم المحاكم العسكرية التي كُلّفت بالنطق بالأحكام الجائرة تجاه المعتقلين، وليس انتهاءً بالزيارات من سجن إلى آخر، إلى تحمّل عناء الإضرابات التي خاضها الأسرى والأسيرات في السجون الإسرائيلية، وهي كثيرة. ففي الإضراب، تعيش عائلة الأسير وأصدقاؤه لحظات القلق والخوف على أبنائهم وأصدقائهم، وخصوصاً عندما تمعن إدارات سلطات السجون في رفض مطالب الأسرى. ما يزيد من الخطر على حياتهم. وفي الوقت نفسه، هم من ينشط في التضامن عبر استنفار المؤسسات والجمعيات الدولية والإعلام بكل أشكاله.
تشير معطيات المؤسسات الرسمية كهيئة شؤون الأسرى ومؤسسات حقوقية أخرى، كمؤسسات "الحق" و "الضمير" و "نادي الأسير"، إلى تعرّض نحو ثمانمئة ألف فلسطيني للأسر منذ العام 1967، منهم من تجاوز عدد أعوام اعتقاله الثلاثين عاماً، ومنهم المرضى بأمراض مزمنة وخطرة، ومنهم الأطفال، ومنهم كبار السن، ومنهم بطبيعة الحال النساء، ومنهم النواب والبرلمانيون. إن هذا التنوّع في الفئات والأعمار والانتماءات والجنس والفئات العمرية إنما يعكس حالة التنوع في المجتمع الفلسطيني من جهة، وحالة الإجماع الوطني الكبير على مقاومة الاحتلال والخلاص منه من جهة أخرى.
يسلط الفيلم الروائي "3000 ليلة" في 103 دقائق الضوءَ على تجربة الحركة الفلسطينية الأسيرة بشكل عام، وعلى تجربة الحركة النسوية الأسيرة بشكل خاص، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. إذ تُعدّ هذه المرحلة واحدةً من أصعب مراحل الحركة الفلسطينية الأسيرة، بالإضافة إلى أنها مرحلة هامة من مراحل تطور الحركة ونضوجها في مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تنفذها ما تسمى بـ "مصلحة السجون" التي تهدف بدورها إلى تحطيم المبنى النفسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والوطنيّ للأسرى الفلسطينيين ضمن سياسة ممنهجة تسعى لتحويل قضيتهم من قضيةٍ واحدة موحّدة سببها الاحتلال إلى قضايا ومطالب فردية. وقد ظهر ذلك جلياً في الفيلم، لمّا جرت مقايضة استمرار الحمل للأم الأسيرة أو إجهاضها تبعاً لما تؤمنه من معلومات وتعاون، من ثم مقايضة بقاء الطفل مع أمه بكسر الإضراب عن الطعام. ما يقوّض إضراب الأخريات، بهدف كسر وحدة موقف الأسيرات اللواتي قررن عدم الرضوخ ومواجهة إدارة السجن. وتلك الاخيرة دائماً ما تحاول النيل منهنّ بشكلٍ فرديّ، فكان الردّ بشكلٍ جماعيّ عبر الإضراب عن الطعام.
لا يعالج هذا المقال ولا بأيّ شكل من الأشكال المضمون الفنيّ للفيلم، ولا يشتمل على نقدٍ سينمائيّ، فهذا ليس عملي. فأنا أريد فقط أن أضع الفيلم في سياق مساهمته في توثيق تجارب الحركة الأسيرة التي لم تأخذ حقها بصورةٍ كافية، على الرغم من غنى التجربة. كما أود الإشارة لمساهمته في إعادة وضع ملف الأسرى والأسيرات على جدول الأعمال الوطني، بالإضافة إلى مساهمته في حثّ الأسرى على البوح بتجاربهم وقصصهم وربما أسرارهم. فلكل واحد منهم تفاصيل قصّته الخاصّة التي من الممكن إنجاز عملٍ حولها: قصة، رواية، لوحة، مسرحية، فيلم توثيقي، فيلم روائي، سيرة ذاتية.
شاهدتُ العرض الافتتاحي لـ "3000 ليلة" في سينما برج فلسطين في رام الله، في ليلةٍ من لياليها الباردة جداً، 8/1/2016، وكنت سأتفهم خلوّ القاعة من الحضور بسبب الطقس العاصف والبارد. لكن برودة الطقس لم تمنع الجمهور من حضور الافتتاح، وجلّهم من أصحاب تجربة الاعتقال من الرجال والنساء، وكان لافتاً مدى الإصغاء والانشداد نحو شاشة العرض. وكانت هناك بعض الأصوات التي تخرج أحياناً من الحضور لتوافق أو تؤكد مشهداً ما، وأصوات أخرى تضحك تذكراً، ألماً، حنيناً.
يدور الحديث هنا عن تجربة الاعتقال التي طالت نحو 800,000 من إجمالي السكان البالغ عددهم 13 مليونا في الداخل والخارج، علماً أن من تعرّض للتجربة جلهم من الداخل، أيّ من الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، بالإضافة إلى مناطق الجليل والمثلث. أما الأسرى من فلسطينيي الخارج أو من العرب فقد أُطلق عليهم اسم "أسرى الدوريات". وهم الذين كانوا يُعتقلون بعد أو في أثناء تنفيذهم عمليات فدائية على حدود فلسطين في أعوام السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. عددهم قليلٌ نسبةً إلى عدد فلسطينيي الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. إذاً، فإن الحديث يدور عن صناعةٍ كبيرة تنتجها دولة الاحتلال، اسمها السجون والمعتقلات وأقبية التحقيق والمحاكم العسكرية، وكلّ ما يتبع هذه الصناعة من تفاصيل وعناصر كثيرة. فتخيلوا أيها الناس توزيع السجون والمعتقلات على خريطة فلسطين التاريخية ضمن معادلة الأعداد المطروحة. لم تعد هذه الخريطة طبيعية لمدنٍ وقرى وسواحلٍ وجبالٍ وصحارٍ وبحار، فقد باتت هذه الخريطة تملؤها السجون بأسماء ومسمّيات غريبة وغير منسجمة مع أسمائها الأصلية. فمن "إيشل" و "رامون" و "نفحة" جنوباً، إلى "نتسيان" و "نفي ترستا" و "سطاً" و "عوفر" في رام الله، و "هداريم" على الساحل، و "جلبوع" في منطقة الغور. ومن هذه السجون ما هو مخصص للنساء وآخر للأطفال وثالت للرجال، ومنها ما هو مخصص لمعتقلين من قطاع غزة ولمعتقلين من حملة هوية الضفة الغربية ولمعتقلين من حملة الهويات المقدسية والجولان ولمعتقلين حملة الهويات الإسرائيلية من فلسطينيي الجليل والمثلث.
وبينما يقرر الكثير من الدول الديمقراطية إغلاق السجون وتقليص عددها بسبب تراجع الأعداد فيها، كحال الحكومة الهولندية مؤخراً، تفتح الحكومة الإسرائيلية المزيد من السجون والمعتقلات ومراكز التحقيق، وتوظّف مئات الخبراء في مجال قهر البشر وسلبهم حريتهم.
هذا النص هو تحيّة لميّ مصري التي طرقت الباب بقوة فأيقظت الذاكرة، تحية لمي مصري التي سمعت قصة أم وضعت مولودها في السجن فقررت أن تسمع أكثر وأكثر، فأنصتت لعشرات القصص المدفونة من نساء قضَيْن أجمل سني أعمارهن في هذه الغرف المظلمة والقاسية التي تفتقر للحد الأدنى من مقومات الحياة الطبيعية. مع ذلك، صمّمن على المواجهة، وحوّلن أدوات قهرهن إلى أماكن للاستفادة والتطور.
لا بد من النظر لتجربة مي مصري في "3000 ليلة" على أنها مقدمة واستمرار لمشروع وطني كبير لتوثيق تجارب الأسيرات والأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ومراحل تطور هذه التجربة بشكل جماعي، عن طريق رصدها وتوثيقها كتجربة مسّت الكلّ الفلسطينيّ، وتوثيق التجارب الفردية، وكتابتها لكلّ هؤلاء ممن تجرعوا التجربة، وخصوصاً في بداياتها، أيّ عندما كانت السجون بمثابة مقابر جماعية وأماكن للقتل. لا أنفي هنا وجود جهودٍ كبيرة وتجارب مثيرة لتوثيق التجربة، سواء باللوحة أو المسرحية أو الفيلم التوثيقي أو الروائي أو الرواية أو حتى عبر إقامة معارض لمقتنيات الأسرى ولأعمالهم الفنية التي أنجزوها بأبسط الأدوات داخل السجون. بهذا، نكون أوفياء لهم، ونعبّر عن تقديرنا للثمن الكبير الذي قدّموه على حسابهم وحساب عوائلهم.