| 

بلغ مؤشر غلاء المعيشة في فلسطين، أو ما يعرف بالتضخّم، نسبة 43.1 في المئة خلال العام 2015، بحسب معطيات "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني". ويعرّف التضخّم بأنه الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، مقابل انخفاض قيمة العملة الشرائية.
ومع ارتفاع نسبة البطالة إلى نحو 24 في المئة بسبب العدوان الاسرائيلي على غزة وتردّي الأوضاع الاقتصادية وازدياد حالات الفقر بنسبة 25 في المئة والفقر المدقع بنسبة 12 في المئة، بالإضافة إلى انخفاض معدلات الأجور، فإنه من المهم الحفاظ على مستوى من التضخم المعتدل في فلسطين. فارتفاعه سيؤدي إلى خللٍ واضح ليس فقط على المستويات الإقتصادية وإنما الإجتماعية والصحية والثقافية وغيرها وأيضاً.
يُذكر أن التضخّم، إلى مشاكله الإقتصادية المباشرة، يؤدي اجتماعياً إلى إفقار المواطنين وخفض الإنفاق على الصحّة والتعليم والثقافة والمسارح والترفيه. كما يساهم في انتشار الجريمة وزيادة الضغط على أصحاب الدخل في الأسر. وأيضاً، قد ينتج عنه الفساد الحكومي. فالموظف الذي يتقاضى راتباً متدنياً، قد يطرق باب الرشاوي ليلبي احتياجاته المالية. صحياً، يؤدي التضخم إلى عدم قدرة المواطنين على شراء الغذاء الصحي والمتكامل ما يسفر عن انتشار الأمراض، بسبب الإبتعاد عن شراء اللحوم والبروتينات. وفي هذه الأيام، صار الناس يبتعدون عن بعض أنواع الخضروات بسبب غلاء سعرها أيضاً.

نظرة المواطنين:
الواقع أسوأ من التقارير

يرى المواطنون غير الضالعين باللغة الإقتصادية أن ما تعرضه التقارير الرسمية لا يمثّل الحقيقة الموجودة على أرض الواقع، ويعتبرونه "إستخفافاً" بالعقول، وهي نظرة قد لا يلامون عليها.
ويمكن فهم وجهة نظرهم، في جولةٍ في الأسواق الشعبية. ففي مدينة رام الله مثلاً، نلاحظ أن سعر كيلوغرام البندورة قد وصل إلى 10 شواكل بينما كان سعره قبل ثلاث سنوات 3 شواكل! وأيضاً، يلاحظ ارتفاع سعر الطحين منذ العام 2010 من 100 شيكل إلى 125 شيكلاً اليوم، رغم الإنخفاض العالميّ لسعره. ويضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار الزيوت والملابس وايجارات المنازل.
وقد أفادت دراسة بريطانية حديثة أن الأسرة الفلسطينية المكونة من 4 أفراد تنفق 86 في المئة من دخلها على الغذاء، مؤكدةً أن فلسطين بذلك تتصدر قائمة الدول العربية في غلاء أسعار الطعام.

حقيقةُ التضخّم:
تراكميّة تكشفها سنة الأساس

قد يعود عدم فهم المواطنين لنسب التضخم إلى طريقة تعاطي الجهات الرسمية مع الرقم بشكله الجامد من دون توضيحه، لأن حقيقة التضخم في فلسطين يجب أن تُحسب بطريقةٍ تراكميّة منذ سنة الأساس.
وسنة الأساس يضعها "جهاز الإحصاء" لقياس مؤشراته، ويتم تغييرها كلّ خمس سنوات، بحسب التوصيات الدولية التي تقول إن نمط الإنفاق والإستهلاك الأسري يختلف كلّ خمس سنوات تقريباً.
وآخر سنة أساس اعتمدها "الإحصاء" كانت في العام 2010، وكانت قبلها 2004، وقبلها 1996. وتشمل قائمة قياس التضخّم 12 مجموعة ينضوي تحتها حوالي 650 سلعة.
لمعرفة خطورة الرقم، "نحسب معدّلات التضخم منذ سنة الأساس 2010 لنجد أنها وصلت إلى 10 في المئة، بينما لو أردنا كشف المزيد من الحقيقة، يجب أن نعود لسنة الأساس 2004 ليبلغ المعدل حتى الآن 43 في المئة"، بحسب أسيل زيدان، رئيس دائرة المستهلك ومؤشر أسعار المنتجين في "الجهاز المركزي للإحصاء".
وبرأي زيدان، "هناك طريقتان لحلّ مشكلة التضخّم: إما عن طريق تعديل رواتب الموظفين والالتزام بغلاء المعيشة كما يصدر عن جهاز الاحصاء أو بدعم السلع الأساسية".
وفي ما يتعلق بالنقطة الأولى، تبرز مشكلة حقيقية على مستوى التزام الحكومة بدفع مستحقات الموظفين الحكوميين تبعاً لغلاء المعيشة. وتدلّل زيدان على ذلك بالقول: "بلغت نسبة التضخم منذ 2008 حتى الآن 18% لكن ما أوفت به الحكومة 6% فقط وهناك 12% مهدرات يجب تعويض الموظفين عنها". وتؤكد الحكومة تتزود بالبيانات الرسمية، لكن التطبيق لا يتم بشكله الصحيح، "إذ غالباً ما يتم التفاوض بين نقابة الموظفين ووزارة المالية على نسبة معينة".
بدوره، أكّد نقيب الموظفين المجمّدة عضويته بسام زكارنة أن الحكومة غير ملتزمة بدفع غلاء المعيشة: "الحكومة التزمت أربع مرات فقط بدفع غلاء المعيشة، رغم وجود اتفاق يستند إلى المادة 51 من قانون الخدمة المدنية يفيد بأن غلاء المعيشة هو جزء أصيل من راتب". ويتابع: "عندما طالبنا بغلاء المعيشة، أقرت الحكومة حظر نشاط النقابة"، وفقاً لأقواله. وعن رأيه في بيانات الإحصاء، اعتبر أنها غير دقيقة بسبب الفجوة الكبيرة بين الراتب وما يصدر في التقرير، وفقاً لأقواله.
أما بشأن دعم السلع الأساسية فقد أكدت زيدان أن الدولة لا تنتهج هذا الأسلوب، وإنما تدعم المحروقات فحسب.
لكنّ، الحقيقة التي لا تعرفها الغالبية تفيد بأن "هيئة البترول" لا تدعم المحروقات من خلال دفع بعض المبالغ عن المواطنين، كما يشاع. هي تقوم بتقليص هامش ربحها، بالإضافة إلى الفرق الموجود في ضريبة القيمة المضافة عن إسرائيل البالغ نقطتين. لذا، نلاحظ بعض الفروقات في أسعار المحروقات. كما أن اتفاقية باريس تسمح بفارق سعر نسبته 15 في المئة عن إسرائيل، ولكن هذا الفارق انخفض إلى 3 في المئة مع هبوط أسعار النفط. وبذلك، نرى أن انخفاض النفط زاد من إيرادات هيئة البترول.

المشكلة بلا حلّ
نظراً لعدم قدرة الحكومة على دعم السلع أو دفع غلاء المعيشة، رأت زيدان أنه يمكن تخفيف حدّة غلاء الأسعار من خلال زيادة الرقابة على التجّار، حيث لاحظت أن ردّ فعل الأسواق يكون سريعاً في حال ارتفعت أسعار بعض السلع بينما الإنخفاض لا يظهر بسرعة: "منذ ارتفع سعر كلغم اللحوم في تموز إلى 85 شيكلاً، تراجع فقط الى 80-82 بدلاً من 70-75، وأيضاً لحم العجل وصل إلى 68 فيما معدله الحقيقي 55-58 شيكلاً. لكن، حتى الآن، هناك تجار يبيعونه بـ 62 شيكلاً، والأمر ذاته يطبّق على الدجاج والبيض والخضار".
رأى الباحث الاقتصادي فراس جابر أن سنة الأساس التي يتم تغييرها كلّ خمس سنوات هي التي تؤدي إلى اختلاف نسب التضخم، مشيراً إلى أنها تعمل في صالح الحكومة في مكانٍ ما: "كلّما اقتربنا من سنة الأساس، تقلّ نسبة التضخّم. وبالتالي، فإن اعتماد سنة أساس 2010 بدلاً من 2004 يساهم في تخفيف من نسبة تعويض الموظفين". ويضيف شارحاً أن لها أيضاً تأثيرا آخر على السياسات النقدية للسلطة: "الموظف الذي يتقاضى راتباً قيمته 2000 شيكل منذ العام 2004، يتقاضى الآن الراتب ذاته لكن قيمته الشرائية قلّت بسبب التضخم".
وضرب مثلاً عن أقواله: "سعر علبة السجائر كان في العام 2000 10 شواكل، أما الآن فقد وصل سعرها إلى 21 شيكلاً، أيّ بنسبة تغيّر بلغت 110 في المئة. كما أن لتر البنزين كان في العام 2000 يباع بسعر 4 شواكل، والآن، مع تدهور أسعار النفط، وصل سعره إلى 5,66، أيّ بنسبة تغير 42 في المئة، علما أن سعر البنزين بلغ ذروته مع تسعيرة 8 شواكل عندما كان سعر برميل النفط 120 دولاراً".
وعن الحلول للحدّ من غلاء المعيشة، رأى جابر أن "المشكلة الحقيقيّة في التضخّم هي أنه مستورد من إسرائيل". ورغم فرق الدخل ومستوى المعيشة بين البلدين، فإن الفلسطينيين مجبرون على دفع الضرائب والجمارك التي تفرضها إسرائيل، ومن أهمها القيمة المضافة وتبلغ نسبتها 16 في المئة، بحسب اتفاقية باريس. أضف إلى ذلك عدم وجود عملة فلسطينية، ما يزيد من تأثرنا بإسرائيل، بعكس الأردن مثلاً التي ثبّتت سعر الدينار مع الدولار لإحداث توازن في أسعار السلع من خلال الاستيراد.
ومع انخفاض قيمة الشيكل مقابل الدولار، فإن قيمة السلع التي تستوردها إسرائيل من الخارج ثم تصل إلى الفلسطينيين ترتفع، وبالتالي يدفع المواطن الفرق. يشار هنا إلى أن إسرائيل تنتهج سياسات نقدية لإضعاف الشيكل وزيادة صادراتها وتعزيز نموها. ورأى أنه "يمكن تخفيف التضخم بزيادة الانتاج المحلي وتقليل الاعتماد على البضائع الإسرائيلية أو تأمين الدعم الحكومي لبعض السلع كما يحدث في مصر والأردن أو تخفيف الضرائب عن السلع بالإضافة إلى الإستيراد من الدول العربية".
على الرغم من عدم وجود إثباتات حتى الآن، يبدو أن الحكومة لا تكتفي بـأنها لا تدعم السلع الأساسية بل تفرض على التجار المحتكرين ضريبة "خاصة" لقاء مواصلة بيعهم للسلعة: "تفرض على الزيت والسكر والطحين ضريبة غير مفهومة مقابل منح السلطة إحتكارات لتاجر أو وكيل أو شركة"، يقول جابر.
وفي سياق الحديث عن الإحتكارات، يضيف إن بروتوكول باريس يسمح للسلطة باستيراد كميات من البنزين من الخارج لكنها لا تفعل، متوقعاً أن يعود سبب ذلك إلى طبيعة الاحتكارات وعلاقات رجال أعمال مع السلطة.
يشرح الباحث في الشؤون الاقتصادية محمد قرش أن نسبة التضخم بين إسرائيل وفلسطين متقاربة جداً بسبب الإستيراد الكبير منها. ويبلغ حجم الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل بمتوسط 80 في المئة (800 مليون دولار) فيما تبلغ نسبة الاستيراد 70 في المئة (4 مليار دولار)، بحسب بيانات "جهاز الاحصاء المركزي" للعام 2014.
بنظر قرش، فإن التضخّم مشكلة يصعب التخلّص منها في ظلّ الاحتلال، ناهيك عن أن التحكّم به يحتاج إلى سياسات مالية (تتحكم بها وزارة المالية) ونقدية (يتحكم بها البنك المركزي)، وهو ما تفتقده فلسطين رغم وجود سلطة النقد الفلسطينية بسبب عدم إمتلاكها للعملة.
وتابع: "حتى إمكانية ضخّ أموال في السوق من خلال القطاع الخاص بهدف تعديل مستويات التضخّم وإنعاش المواطنين تعني تحميل القطاع الخاص مسؤولية تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية وربما خسارته". ويشير إلى أن "فلسطين ليست مناخاً استثمارياً جاذباً لرجال الاعمال، ولا يمكن إجبار بنك على إعطاء تسهيلات في ظل هذه الظروف".