| 

عند الحاجز العسكري، جنديان أوقفا عشرات السيارات. على الرجال النزول من السيارات، بينما النساء عليهنّ البقاء. المطر لم يكن غزيراً ولكن الرياح كانت باردة جداً. السيارة الآن صامتةٌ، باستثناء صوت عجوز تُلِّح على الله بالدعاء. عجوزٌ لحوحةٌ جداً، لو استمرت بالدعاء هكذا، لكان الله حتماً سيستجيب حتى تهدأ قليلاً. عندها، يتصنّم الجنود في مكانهم غير قادرين على الحراك وستسحبهم السماء فجأة، بلا رحمة، استجابةً لدعائها الواضح: "الله ياخدهم".
"يا رب الرجل نفسه حرّة وعزيزة عليه، لا شيء أصعب من أن يذله ويتحكم فيه أحد"، قالتها العجوز لله وفخّمت كلمة "الرجل" بوجعٍ غريب، وكأن الله - حتى الله - يدرك عظمة هذا الكائن: الرجل! استغربت من فكرة أن الرجال أنفسهم عزيزة وحرّة. والنساء، ماذا عن النساء؟
"الرجل والمرأة ليسا بشراً بالدرجة ذاتها". هذا ما أشعر به الآن. أنظر إلى العجوز وأستاء منها، وأستاء أيضاً من استيائي منها. كيف يستطيع قلبي أن يستاء من هذا الوجه الحنون الذي يراقب بخوف مصير الرجال؟
هل أخبرها بما أفكر؟ "يا خالة، إن دعاءك الحنون هذا، يحمل فكرًا عنصرياً يُقصي النساء ويعزز الاختلافات بينهن وبين الرجال". لا، هذا الحوار يبدو متفذلكاً لئيماً الآن.
قلبي يسقط في حفرة من الأسئلة الغاضبة، مشغولٌ برغبته المجنونة بمناقشة العجوز حول الاختلافات بين الرجال والنساء، بينما هي قلقة على حياة أحدٍ ما. يبدو ذلك تافهاً، أليس كذلك؟ ولكن أليس من التافه أيضاً ألا تستطيع الفروقات بين الرجل والمرأة أن تكون مجرد اختلافاتٍ في تفاصيل الجهاز التناسلي، ونسبة العضلات في الجسم، واتساع الحوض، وأماكن نمو الشعر، وخشونة الصوت، وبروز الصدر؟ لماذا عليها - وهي إمرأة - أن تؤمن بشدة بكرامة الرجال وخصوصية حريتهم، بما يهين جميع النساء؟ هل أنا مجنونة لأَنِّي أفكر بكل هذا الآن؟ الآن، والجنود يتفننون بإذلال الرجال في هذا البرد!
سأنكز كتفها بلطفٍ، وأقول لها من دون مقدمات: أترين هؤلاء الرجال الواقفين أمام الجنود بغضب وقهر لأنهم مسلوبو الحرية؟ ذاك الشاب الطويل الغاضب ذو السترة الزرقاء، إنه يشعر تماماً كما تشعر أختٌ منعها أخوها من الذهاب لزيارة صديقتها ومنعها أيضاً من السؤال: لماذا؟ وذاك العجوز التالف الأعصاب ذو المعطف الأسود، قلبه مجنون الآن تماماً كما يُجْنّ قلب فتاةٍ أنهت دراستها الثانوية بنجاح، ووالدها لم يسمح لها بالالتحاق بالجامعة.
وأنظري إلى ذلك الرجل القصير الذي يأمره الجندي برفع يديه بينما يفتشه. ألا يبدو لك مقهوراً مثل زوجةٍ اختارت فستاناً في محل ملابس وجربته وهي متحمسة ووقفت أمام زوجها ليحدد مدى صلاحيته للارتداء، ثم قال من دون اكتراثٍ لحماستها: لا، إنه ضيّق من ناحية الصدر!
سَتُجن العجوز إن أخبرتها بأنني أرى في الرجال جنود احتلال على النساء.
سأصمت. ولكن، ما الفرق؟ أليس الاحتلال هو حجب الحق، حجب الطريق، وحجب الحب عن القلب؟ وفي حالة القلب، ستفهمني العجوز، فهي امرأة مثلي وتفهم جيداً حرمة الحب والواجب الذكوري بحجبه عن قلوب نساء العائلة، حتى يكون الرجل "رجلاً".
سأخبرها بأن هؤلاء الرجال لن يمرّوا إلى المكان الذي يريدون الوصول إليه بسبب جنديّ ما، والكثير من النساء لن يمررن إلى الحياة التي يردنها بسبب رجلٍ ما. هذا سهلٌ جداً، هذا منطقيٌ جداً.
سأخبرها أيضاً بأن الاحتلال يبتهج بخوف الناس منه، ويستشعر عظمته كلما خافوه أكثر وكلما سيطر على حياتهم أكثر. وهناك رجالٌ يشبهون الاحتلال. فالرجل منهم يستشعر عظمته و "رجولته" بطاعة المرأة له وخوفها من غضبه واستعدادها لتسليمه حريتها كاملة على طبق من ذهب ليثبت هو للعالم رجولته. الاحتلال يساومنا على حقنا، ويريدنا أن نكون مطيعين أكثر، لطفاء أكثر، حتى نستحق البقاء. والمرأة عليها أن تمنع نفسها عما تحب إذا كان ذلك يثبت لزوجها /أخيها /أبيها أنه رجلٌ جيد.. رجلٌ حرّ.

ألا يبدو هذا حزيناً؟
الاحتلال يحتلنا، ونحن نحتلّ بعضنا. أنا الآن مثلاً محتلةٌ تماماً. أقصى ما أفعله هو الاحتجاج بصوتٍ عالٍ داخل رأسي! كلّ ما أريده هو أن أتوقف عن إجادة الصمت، على الأقل مع امرأةٍ تجيده مثلي. هل هذا بكثير؟