| 

تلقائيّا، تنعكس الأوضاع الأمنيّة في شبه جزيرة سيناء المصريّة على قطاع غزّة، خاصة لجهة إغلاق معبر رفح البرّي أو فتح، وهو الذي يربط القطاع بمصر، وعبره يتنقّل المسافرون من غزّة واليها، بعد المرور بالأراضي المصريّة. فلمّا تتراجع وتيرة الهجمات الإرهابيّة التي تستهدف الأجهزة الأمنيّة المصريّة في سيناء ومدينتي العريش والشيخ زويّد، تسمح السلطات المصريّة بفتح المعبر استثنائيا أمام المُسافرين ضمن الحالات الإنسانيّة، لأيّامٍ قليلة. وفي غير ذلك، يُغلق المعبر.
ترهن السلطات المصريّة فتح معبر رفح البرّي بتحسّن الأوضاع الأمنيّة في سيناء. تقول أوساط سياسيّة مصريّة إنّ عودة السلطة الفلسطينيّة المُمثلة بحكومة التوافق الوطني إلى قطاع غزّة، وتولّيها الإشراف على المعابر الحدوديّة، ستكون له نتائج إيجابيّة على انتظام فتح المعابر مع القطاع، في إشارة إلى معبر رفح. إلّا أنّ خلافاً فلسطينيّاً داخليّاً حيال الأمر ما زال يحول دون تسليم المعابر لحكومة التوافق. إذ تشترط حركة "حماس" التي تُدير المعابر حاليّاً أن يكون موظّفوها ضمن تشكيلة الموظّفين الجُدد الذين سيديرون المعابر.
حركة "حماس" التي تُدير فعليّاً الحُكم في القطاع، تقول إنّ موظّفيها أمضوا عدّة سنوات في العمل على معابر غزّة، وانهم موظّفون في السلطة الفلسطينيّة، بيد أنهم لا يتلقّون أيّ رواتب من رام الله. وعلى الرغم من أنها دعت حكومة التوافق الوطني مراراً للمجيء إلى قطاع غزّة، واستلام ملف المعابر، إلّا أن السلطة الفلسطينيّة، ومعها حكومة التوافق في رام الله، تتهم حركة "حماس" بالاكتفاء بالتصريحات الإعلاميّة حول قضيّة تسليم المعابر من دون تطبيقٍ فعليّ على أرض الواقع. ما تنفيه "حماس"، وتصرّ على دعوة السلطة لاستلام المعابر.

معابر غزّة الثلاثة
راهناً، تعمل في قطاع غزّة ثلاثة معابر رئيسيّة، هي التي يدور الحديث بشأن تسليمها للسلطة. معبَران منها يربطان قطاع غزّة بإسرائيل، بإدارة مُشتركة، وهما: معبر "بيت حانون/إيرز"، ويقع في شمال القطاع، مُخصّص لتنقل الأفراد من غزّة إلى الضفة المحتلّة، بعد الحصول على تصريح سفر من إسرائيل. والمعبر الثاني هو "كرم أبو سالم"، يقع في جنوب القطاع، ومُخصّص لنقل البضائع من القطاع واليه، وهو المعبر التجاري الوحيد الذي أبقت عليه إسرائيل بعد إغلاقها أربعة معابر تجارية في العام 2007، عقب سيطرة "حماس" على القطاع.
أمّا المعبر الوحيد الخارج عن سيطرة إسرائيل فهو معبر رفح البرّي في جنوب القطاع، مخصص للأفراد فقط، وهو المعبر الذي يعتمده المُسافرون من قطاع غزّة إلى العالم الخارجي بعد المرور بالأراضي المصريّة، والمنفذ الأساسي لسكان القطاع ـ حوالي 1.9 مليون نسمة - إلى الخارج. تغلقه السلطات المصرية إغلاقا شبه كاملٍ منذ تموز /يوليو 2013، وتفتحه لسفر الحالات الإنسانية فقط بين الحين والآخر. وكانت السلطات المصريّة أكثر صراحةً بشأن هذا المعبر، حين قالت إن مسألة إعادة فتحه وانتظام عمله مرهونةٌ بعودة عناصر حرس الرئيس الفلسطينيّ إلى إدارة المعبر، كما كان الوضع قبل أحداث العام 2007 بين حركتي "فتح" و "حماس".
في ظل هذه الأوضاع الأمنيّة والسياسيّة المُعقّدة التي تحول دون فتح معبر رفح البرّي أمام المُسافرين فتحا سلسا، تتزايد أعداد الراغبين بالسفر في قطاع غزّة باطّراد مع ارتفاع عدد أيام إغلاق المعبر. وقد وصل عددهم في آخر إحصائيّة لوزارة الداخليّة قُرابة 25 ألفاً، علماً أنهم من الحالات الإنسانيّة المُلحّة فقط، وليسوا جميع الراغبين بالسفر من قطاع غزّة. وتشمل الحالات الإنسانيّة التي تسمح حكومة "حماس" بتسجيلها للسفر: "الطلاب في الخارج، أصحاب الإقامات الخارجيّة، المرضى، الطلاب، حملة الجوازات الأجنبيّة"، وما عدا هؤلاء، لا يمكن التسجيل للسفر.
أمام هذه الأعداد المُكدّسة التي تنتظر فتح بوابات معبر رفح البرّي في أيّ لحظة، تتبدّد آمال آلاف المُسافرين في قطاع غزّة بالسفر خلال اليومين أو الثلاثة التي يُفتح فيها المعبر كل مئة يوم تقريباً مرّة، خاصة أنّ عدد المسافرين يوميّاً من خلال معبر رفح لا يتجاوز 400-500 مُسافر فقط، في حال فتحه. ما يعني أن السلطات المصريّة لو أعلنت عن فتح المعبر ليومين فقط، فلن يُسافر أكثر من ألف مواطن، إذا جرى العمل في المعبر على ما يُرام.. مع العلم أن المعبر فُتح في العام 2015 بأكمله 20 يوماً فقط.

أسباب المسافرين ملحّة
مُنذ ما يزيد عن أربعة شهور، يحمل الشاب أحمد بركات (23 عاماً) تحويلة طبيّة للعلاج خارج قطاع غزّة، بعد إصابته بشظايا صاروخ إسرائيلي إبان عدوان صيف 2014 على غزّة. تعذّر توفّر العلاج المناسب له في مُستشفيات القطاع، كونه يُعاني من فقد الإحساس في أطرافه. مثله مثل آلاف الحالات الإنسانيّة التي بحاجةٍ ماسّة للسفر من خلال معبر رفح البرّي، سجّل بركات اسمه في كشوف وزارة الداخليّة بغزّة، في انتظار استئناف السلطات المصريّة فتح المعبر.
لكن بركات الذي بدأت حالته الصحيّة في التدهور يقول لـ "السفير": "انتظرت فتح معبر رفح البري على أحر من الجمر، وحينما فُتحت بواباته آخر مرّة ـ مطلع ديسمبر 2015 - لمدة يومين بعد إغلاق دام أكثر من مئة يوم، لم أتمكّن من العبور. دوري لم يأتِ بعد، حسب الكشوف المُسجّلة، وهناك آلاف المرضى المُسجّلين ضمن فئة المرضى قبلي، ولم يتمكّنوا من السفر".
يروي الشاب بركات أنّه أُصيب في أنحاء مُتفرقة من جسده بشظايا صاروخٍ استهدف منزله عائلته خلال العدوان الأخير على غزة. ووصف الأطباء حالته بالحرجة، لكنهم لم يتمكنوا من نقله للعلاج في الخارج بسبب إغلاق معبر رفح من جهة، ورفض السلطات الإسرائيليّة سفره من خلال معبر "بيت حانون/ إيرز" للعلاج في الداخل الفلسطيني المحتل بحجّة صغر سنّه، من الجهة الأخرى.
خلال اليومين اللذين فُتح فيهما معبر رفح قبل نحو شهرين، حاول بركات السفر إلى جمهوريّة مصر العربيّة لتلقّي العلاج اللازم هناك. لكنّه يقول إنّ سفره اقترن بتعقيداتٍ كثيرة من قبل الجانب الفلسطيني حالت دون السفر، خاصة أن آلاف الحالات المرضيّة الطارئة تسبق اسمه في السفر، ولها الأولويّة.

واقع الأزمة وتفاقمه اليوميّ
للمعاناة فصول مُتقارعة. هنا، تعثّر حظّ المواطنة أحلام الدواهيدي (46 عاماً) المُصابة بمرض السرطان، في اجتياز بوابة معبر رفح البرّي من الجهة الفلسطينيّة، والسفر إلى مصر لتلقّي العلاج اللازم، بعدما ساءت حالتها الصحيّة في قطاع غزّة. تقول لـ "السفير" إنّ مُعاناتها تتفاقم يوميّاً مع إغلاق معبر رفح البرّي، بسبب الظروف الأمنيّة في سيناء، مُشيرةً إلى أنها بحاجةٍ ماسّة للسفر وتلقّي العلاج اللازم في المستشفيات المصريّة، خاصة أن مستشفيات القطاع تُعاني من نقص الكوادر الطبيّة، والإمكانات اللازمة.
تُقول: "هناك آلاف المُسجّلين للسفر في كشوف وزارة الداخليّة في غزّة، من بينهم المئات من مرضى السرطان والمهددة حياتهم بالخطر جراء تأخر حصولهم على العلاج غير المتوفر في قطاع غزة المحاصر منذ عشرة أعوام". بالإضافة إلى ذلك، ينتظر آلاف الطلبة وأصحاب الإقامات في الخارج المهدّد مستقبلهم، بفعل مواصلة إغلاق منفذهم الوحيد إلى العالم الخارجي.

الوظيفة على المحك!
المهندس الفلسطيني فادي درابية (32 عاماً) مُقيم في دولة الإمارات العربية منذ سبع سنوات، ويعمل في إحدى شركات الهندسة المدنية. قدم إلى غزة قبل قرابة خمسة شهور لإتمام مراسيم الزفاف على إحدى فتيات القطاع، عاقداً النية أن يغادر وإياها فور قضاء أسبوع بعد حفل الزفاف. يقول لـ "السفير": "تمكنت من الحصول على إجازة لشهرين فقط من الشركة التي أعمل فيها في الإمارات لإتمام الزواج والمغادرة مع زوجتي في أول فرصة لفتح المعبر بعد وصولي لغزّة، وكان من المُقرر سفرنا في نوفمبر 2015، ولكن للأسف ها نحن عالقون خلف بوابة تهدد مستقبل الآلاف".
يوضح المهندس درابية أن إجازته انتهت، وأصبح لا يعرف ماذا يفعل أمام موانع السفر التي تحول بينه وبين العودة إلى عمله وحياته الجديدة مع زوجته: "إن لم ألتحق بعملي خلال أسابيع قليلة فبالتأكيد سأفقده، وإن تأخّر إغلاق المعبر أكثر قد أفقد الإقامة كلها".

#سلّموا_المعبر
في ظل المُعاناة التي يتجرّعها سكّان قطاع غزّة نتيجة إغلاق معبر رفح البرّي، وربط الجهات السياسيّة ضرورة وجود الحرس الرئاسي التابع لسلطة رام الله على المعبر لإعادة فتحه، أطلق ناشطون فلسطينيّون على مواقع التواصل الاجتماعي وسم "#سلموا_المعبر"، يدعون فيه حركة "حماس" لتسليم معبر رفح لحكومة الوفاق الوطني، وإنهاء معاناة الغزيين.
الوسم الذي أطلقه فلسطينيّون غاضبون من الممارسات التي تمّت على معبر رفح البرّي خلال اليومين الأخيرين الذي فُتح فيهما المعبر قبل نحو شهرين، راح يتداوله مئات الألوف حول العالم، مُطالبين حركة "حماس" التي تُدير معبر رفح في الوقت الحالي بتسليمه لحكومة رام الله، والابتعاد عن المُناكفات السياسيّة في ما يتعلّق بالمعبر، خاصة أنّه موضوع إنساني، واستمرار إغلاقه في وجه المُسافرين يُهدد مستقبل الكثير منهم.
جاء الوسم الذي عبّر عن حالة الغضب والسخط في غزة، بعد نشر وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية والاجتماعية صوراً مؤلمة لآلاف المسافرين العالقين على بوابة معبر رفح. وتحدّث الناشطون عن عمليات فساد ورشى وحصص لأصحاب المناصب العالية وقادة الأمن وأبناء المسؤولين، لافتين إلى أن بعض الرشى بلغت قيمتها سبعة آلاف دولار من أجل الحصول على تنسيقٍ لدى الجانب المصري أو العبور من بوابة الجانب الفلسطيني.
لم يتطرّق اتفاق التهدئة الأخير بعد عدوان صيف العام 2014، إلى معبر رفح بوضوح، على اعتبار أنه "شأن فلسطيني - مصري". لكن مسؤولين في الوفد الفلسطيني المفاوض أكّدوا أن مصر تنوي فتح المعبر بالكامل، وإدخال تسهيلات على حركته، بعد تولّي قوّات "حرس الرئيس الفلسطيني" إدارة المعبر، والشريط الحدودي بين القطاع ومصر، وفق طلب الأخيرة.

حسابات حزبيّة وماليّة
المحلل السياسي والأكاديمي الفلسطيني إبراهيم أبراش يجد أن السبب الحقيقي وراء عدم تسليم المعابر يكمن في كونه "يمنع عن حماس موارد مالية أساسية، ثم إن تأمين المعابر من قبل السلطة الفلسطينية يعني إنهاء سيطرة حماس على غزة". ويلفت إلى أنّ "المعابر ليست أمناً قومياً لحزبٍ سياسيّ بعينه، لا يوجد أمنٌ قوميّ لحزبٍ سياسيّ في دولة. لا أمن قومي حمساوي ولا أمن قومي فتحاوي، بل هو أمن قومي فلسطيني، وهو ما يجب أن يُعمم على كل الأحزاب". يرى أن أمر السيطرة على المعابر تحكمه حسابات حزبية أكثر من الحرص على المواطن في غزة.
أيّد هذا الرأي القيادي في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" رباح مهنا، إذ قال لـ "السفير" إن "موضوع المعابر سياسيّ بحت، ويجب إنهاؤه فوراً من قبل "حماس"، من خلال تسليم المعابر بصراحة وفورا من دون تلكؤ إلى السلطة الفلسطينية، التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها تجاه الشعب في غزة، بعيداً عن موقفها السياسي من حركة حماس".


إيرز بديلاً؟ لا
بعض الراغبين بالسفر من قطاع غزّة يلجأون للسفر من خلال معبر "بيت حانون/ إيرز" الإسرائيلي في شمال قطاع غزّة، عن طريق السفر إلى الضفّة الغربيّة، ومن ثم المرور بالأردن، ومن ثم السفر جوّاً للدولة المُرادة. لكن، تقترن بهذا المنفذ تعقيدات كثيرة، أولها أنه يجب على المُسافر /ة الحصول أولاً على ورقة "عدم ممانعة" من السلطات الأردنيّة تسمح له /ا بدخول الأردن: أكثر من 95 في المئة من مسافري غزّة يأتيهم رفضٌ، وبالتالي ممانعة الدخول. ثانياً، وليس آخراً، يجب على الغزّي /ة الحصول على موافقة إسرائيليّة لدخول الشخص إلى الضفّة الغربيّة، قبل حتى الوصول إلى مرحلة المرور عبر الأردن.