| 

في ممرّ الانتظار في قسم أمراض الدم والأورام في "مستشفى الرنتيسي"، يزدحم المكان بالمرضى، وسط ضجيجٍ لا يليق بحضرة الألم الذي يعتري أجساداً أنهكتها الكيماويات والإشعاعات، خلال مراحل العلاج المعروفة من أمراض السرطان. فالكلّ هنا يتزاحم حول غرفة الطبيب ليحجزوا دوراً، إما للمراجعة أو للفحص. وصل المرضى قبل أن تبزغ أشعة الشمس على بيوتهم، إذ يعتبرون أنفسهم أفضل حالاً من غيرهم، كونهم استطاعوا الجلوس إلى مقعدٍ، وحجز دورٍ سيكفيهم عناء التأخير ويمكّنهم من إنهاء الإجراءات مبكراً.
أما المرضى الذين يتلقون العلاج في القاعة المجاورة، سواءً على الأسرّة أو الكنبات لضيق المكان، فقد تكفّلت عيونهم بمرافقتنا منذ أن دخلنا عليهم، تراقبتنا بصمتٍ تدحرج حوله أنين الوجع، بين مقبلٍ على الحديث معنا ومدبرٍ عنه.
المرض حلّ على غزة كحاصد الأرواح الثاني بعد أمراض القلب والأوعية الدموية. ورغم انتشاره وتعدّد أسباب الإصابة به، إلا أن بعضاً من هذه الأسباب في خصوصيّة غزّة ما زال ترجحيّاً لم يتم الفصل في صحّته علمياً وبحثياً.

العلاج، التأمين، والمساحة
قاطع محمد صالح صمته على حين غرّة، وهو يتأمل الكميّة المتبقية من المحلول الموصول في يد والده النائم على السرير، ليشرح لـ "السفير" رحلة الموت الكامنة في العلاج. يقول صالح منفعلاً: "والدي لم يكن يشكو من أي مرضٍ قبل أن يجري عملية القلب المفتوح قبل عامٍ ونصف، إذ بدأ يشكو بعدها من أوجاع في المعدة ومنطقة الرئة. وفي كل مرة كان يراجع طبيبه ويشكو له حاله، كان العلاج الدائم هو المسكنات والمضادات الحيوية".
بعد فترة من عدم استجابة والده للمسكنات، شكّ أحد الأطباء في مسشتفى بيت حانون (موقع إقامتهما) بأنه قد يكون مريضاً بالسرطان. وأثبتت صورة "سي تي" إصابته بمرض سرطان الرئة. يتابع صالح، وقد أخفض صوته خوفاً من أن يسمع والده كلامه، ويرسم بيديه الرقم أربعة للدلالة على بلوغ والده المرحلة الرابعة من المرض، وهي المرحلة الأشد صعوبةً من تطوّر المرض: "تفشى في جسد والدي ولم يتمكن الأطباء من السيطرة عليه، لأن اكتشافه جاء متأخراً. حوّلونا إلى مستشفى المقاصد في القدس، وأكد الأطباء أنو فش أمل في علاجو"، يقول صالح.
وعن المشاكل التي يواجهونها في رحلة العلاج، يعدد صالح على أصابع يده: "نقص العلاج، وعدم توفره في أحيانٍ عديدة، وحاجته إلى أدوية لا يغطيها التأمين الصحي، إلى جانب ضيق مساحة الغرفة وازدحامها بالمرضى".
وعلى الرغم من أن صالح يثني على الخدمات العلاجية التي يتلقاها والده في "مستشفى الرنتيسي"، إلا أنه يرجّح أن يكون الإهمال الطبي سبباً في وصول والده إلى هذه المرحلة من المرض.
ما إن فرغنا من حديثنا مع صالح حتى استفاق والده، وقد نفدت قطرات المحلول، طالباً من الممرضة إزالته لكي يتمكن من المغادرة.

السفر إلى العلاج الإشعاعي
صفية حجو (50 عاماً) أنهت جرعة علاجها وجلست تنتظر الطبيب لتراجعه، وكان التعب بادياً على وجهها. توضح لـ "السفير" بأنها مصابة بسرطان المعدة: "لاحظت انتفاخاً في بطني وتشكّل كرة صغيرة سرعان ما كبر حجمها، وحين راجعت مستشفى الشفاء، تم تحويلي إلى طبيب الجهاز الهضمي، ولم يطلب مني إجراء صورة مقطعية "سي تي" للتحقق مما إذا كانت هذه الكرة ورماً خبيثاً أم لا". وتتابع صفية: "حبال الشفا يا خالتي طويلة، رحت على حسابي عملت الصورة وتأكدت أني مريضة بالسرطان".
تم تحويل صفيّة إلى مستشفيات القدس الشرقية، لإجراء عملية استئصال الرحم وجزء من المبيض، وتلقي العلاج الإشعاعي غير المتوفر في قطاع غزة. تصف حجو رحلة علاجها بالشاقة والمتعبة، إذ تعود منهكة من كلّ رحلةٍ خارج القطاع. وتوضح حجو أن المعاناة تتجسد في طول المسافة والانتظار والتفتيش على معبر إيرز، موضحة أن المعاملة والاهتمام بالمرضى في مستشفيات القدس لا تختلف حالها عما هي عليه في غزة.

علاجات مفقودة لأسباب سياسيّة
يشرح رئيس قسم الأورام في "مجمع الشفاء الطبي" - المنقول حالياً إلى "مستشفى الرنتيسي" - خالد ثابت أن الخطة العلاجيّة من السرطان تأتي تبعاً لمرحلة المرض، لافتاً إلى أن المرض يمرّ بأربع مراحل، فيكون علاج المرحلة الأولى بالجراحة، أما المراحل الأخرى فيكون علاجها كيمائيّاً وإشعاعيّاً.
وحول توفّر علاج السرطان في غزة، يبيّن ثابت أن العلاج الجراحيّ متوفر بنسبة 85 في المئة، والعلاج الكيمائيّ بنسبة 70 في المئة، ويفتقد القطاع العلاج الإشعاعيّ/ "هذه النواقص تؤدي إلى تحويل الحالات للعلاج في الضفة الغربية والقدس الشرقية، إذ أوقفت الوزارة مؤخراً التحويلات إلى غير المستشفيات الحكومية، بعد اكتشاف أن المسشفيات الاسرائيلية تجري تجارب على المرضى الفلسطينيين"، حسبما يقول ثابت.
أسباب عدم توفر العلاج بالقطاع أسوة بالمستشفيات الحكومية في الضفّة والقدس، بحسب ثابت، هي سياسية متعلّقة بالحصار المفروض على غزّة، مبيناً أن تكلفة علاج السرطان تبلغ سنويا 30 مليون شيكل.
وكانت جمعية "العون والأمل لمرضى السرطان" قد نظّمت احتجاجاً في 19 من كانون الأول /يناير الماضي أمام هيئة الشؤون المدنيّة في غزة، للمطالبة بإيجاد حلّ للمرضى الغزّيين الذين يرفض الجانب الإسرائيليّ إصدار تصاريح تسمح لهم بالمرور عبر حاجز بيت حانون /إيرز، إذ تبلغ نسبة المرضى الممنوعين من السفر 30 في المئة من إجمالي المرضى.
وتقول سارة سالم، الصيدلانية في جمعية "العون والأمل لمرضى السرطان"، إن معظم الحالات يتم منعها بعد فترة من السماح لها بالسفر، لدواع أمنية، مؤكدةً أن الهيئة قادرة على الضغط على الجانب الإسرائيلي وإصدار التصاريح من جديد للمرضى.
وعن الإهمال الطبي الذي يشتكي منه المرضى، يوضح ثابت أن ذلك يعتمد على الطبيب /ة، لافتاً الى أن معظم المواطنيين لا يؤمنون بقدرات المستشفيات الحكومية وتشخيصها: "انتقال قسم الأورام من "مجمع الشفاء" لتجاوز أزمة تصدعات مبنى قسم الولادة إلى مستشفى الرنتيسي أثّر سلباً على المرضى والخدمات التي نقدمها"، حسبما يقول ثابت.

نسب الانتشار
يجد ثابت أن واحداً من أبرز أسباب انتشار المرض في السنوات الأخيرة هو التلوّث البيئيّ، جرّاء الحروب الإسرائيلية المتتالية عليه. كذلك يشير في تقصّيه الأسباب إلى إفراط المزارعين في استخدام المبيدات الحشريّة، وتناول الأغذية المصنّعة، إلى جانب العوامل الوراثيّة، والتعرّض للإشعاع، وتعاطي الهرمونات. في المقابل، يلفت رئيس قسم الدم والأورام في "مستشفى عبد العزيز الرنتيسي التخصصي للأطفال" محمد أبو شعبان إلى عدم وجود دارسة علميّة تدلّ على وتظهّر أن الإصابة بمرض السرطان قد ارتفعت في المناطق التي تعرّضت للقصف الكثيف خلال الحروب الإسرائيلية على غزّة، أو في المناطق التي يكثر فيها استخدام المبيدات الزراعيّة.
وحول الإحصائيّات المتوفّرة لدى وزارة الصحة عن نسب مرض السرطان بين البالغين في قطاع غزّة، يوضح ثابت أن هناك 85 حالة في كلّ 100 ألف من مجموع السكّان، بنسبة 52 في المئة للنساء، و48 في المئة للرجال.
وعن أكثر أنواع السرطانات انتشاراً في القطاع، يبيّن ثابت لـ "السفير" أن أكثرها انتشاراً بين النساء هو سرطان الثدي، يليه القولون والسرطانات اللمفوية. وبين الذكور، فإن أكثرها انتشاراً هو سرطان القولون، يليه سرطان الرئة والسرطانات اللمفوية.
وفي ما يتعلق بعدد الأطفال المصابين بالسرطان، يؤكد أبو شعبان أن عددهم بلغ 700 مصاب /ة، إذ يتم استقبال 60 حالة سنوياً، وأكثر أنواع المرض انتشاراً هو سرطان الدم، يليه سرطان العصبيّ المركزيّ، والسرطانات اللمفوية.

المبيدات: نظام تسجيل إسرائيليّ
اتجهت "السفير" إلى وزارة الزراعة للكشف عن مدى صحة الأقوال التي تتردّد حول إفراط المزارعين في استخدام المبيدات الزراعية من دون رقيب. فأكد مدير دائرة المبيدات والمختبرات في وزارة الزراعة أحمد أبو مسامح أن إدخال المبيدات الزراعيّة عالمياً، يخضع لنظام تسجيل "لكل دولة على حدة، إذ يتم فحص فعالية المبيدات للتأكد من تأثيراتها الجانبية وخلوها من المواد المحرّمة دولياً. وبناءً على ذلك، يتم تحديد أنواع المبيدات التي يسمح باستيرادها واستخدامها".
ولكن، "كون قطاع غزة لا يملك أجهزة الفحص اللازمة، يتم الاعتماد على نظام التسجيل الخاص بالاحتلال الإسرائيليّ"، مبيناً أن القائمة تُحدّث سنوياً وفق ما تنشره الجهات المختصّة لدى الاحتلال.
وحول احتمالية ورود نوعٍ من المبيدات على اللائحة تكون خطورته قد ثبتت حديثاً بينما نظام التسجيل يحدّث سنوياً، يقول أبو مسامح إنهم يحاولون متابعة المستجدات التي تطرأ على آثار المواد الفعّالة في المبيدات، عبر متابعة الأبحاث والدراسات التي تنشرها الدول المجاورة. فيتم استثناء كلّ مادة ثبت أنها تسبب الأمراض، حتى ولو كانت لا تزال حاضرةً على نظام التسجيل الإسرائيليّ: "نعمل على فحص المواد الفعّالة في المبيدات التي تدخل إلينا خوفاً من التلاعب في مكوناتها. نفحصها وفق إمكانياتنا"، يقول أبو مسامح.
ولا ينفي أبو مسامح تأثير المبيدات الزراعية على صحة الإنسان والمحاصيل، ولكنه يؤكد وجود طواقم متابعة وإشراف لتقنين استخدامها بما يضمن خلو المحصول من الآفات الحشريّة، وعدم تعرّض صحة الإنسان لخطر. كما يتم عقد ورش توعوية للمزراعين حول خطورة الإفراط في استخدامها.
وحول إمكانية إيجاد مبيدات طبيعية بديلة من تلك الكيميائية، يبين أبو مسامح أن الوزارة تشجع المبيدات الحيوية البيولوجية، وتنصح باستخدامها عند التأكد من فعاليتها بالكامل: "لا نستطيع مطالبة المزارع باستخدام مبيد بيولوجي، إذ كان لا يقضي إلا على آفة واحدة في المحصول".
وحول فحص للمحاصيل الزراعية بغرض التأكد من سلامتها، يبين أبو مسامح أن الوزارة تمتلك جهازي "جي سي أم أس" و "أتش بي أل سي" يستخدمان لفحص متبقيات المبيدات الحشرية في المحاصيل. ولأن استحدام هذه الأجهزة يتطلب خبرة وكفاءة وتجهيز مسبق، فإن "الوازرة بحاجة إلى عددٍ من قيّمي المختبرات، قادرين على التعامل مع مثل هذه الأجهزة. إذ إن التعليم يتم راهناً بمجهودٍ شخصي، عبر متابعة مواقع الإنترنت"، يفيد أبو مسامح.

خطر التلوث "الحربيّ"
هل يمكن الحديث عن التلوث الإشعاعيّ كمسبّبٍ محتملٍ للسرطان؟ للإجابة عن السؤال، يضرب مدير عام الإدارة العامة للمشاريع والعلاقات الدوليّة في سلطة جودة البيئة أنور عطاالله مثلاً عن الرصاص الذي تصاحبه نسبةٌ من التلوّث الإشعاعيّ غير القابل للقياس: "كلّ من يستنشق الرصاص قد يصاب بالسرطان، خاصة سرطان الرئة، على المدى البعيد"، يقول عطاالله.
ويبيّن عطاالله أن التلوث ّالإشعاعي قد يحضر في بعض المواد الغذائية، إذ يتم إدخالها من دون فحصٍ إشعاعيّ لعدم وجود أجهزة مختصة لدى وزارات السلطة الفلسطينية. ولكن، يعود ويلفت إلى أن لدى الوزارة مؤشرات تؤكد أنه من الصعب استخدام مواد مشعة خلال الحرب بسبب تكلفتها العالية، إلى جانب إمكانية تأثّر الاحتلال إذا ما تم استخدامها: "هناك إمكانية لاستخدام مواد أخرى ذات تكلفة أقل، وقادرة على إلحاق الضرر بالشعب الفلسطيني، وبما لا يعود بالضرر على الاحتلال". ويبدي عطاالله تخوفه من احتمالية دفن الاحتلال الإسرائيلي لبعض النفايات المشعة في مستوطنات القطاع قبل انسحابه منها.
ومن الناحية العلمية، يفترض أن تكون نسبة الإصابة بمرض السرطان في غزة أقل من الدول الأخرى، لأن مصادر الإشعاع الطبيعية في القطاع قليلة نسبياً، إذ إن كمية غاز الرادوم لا تكاد تذكر في فلسطين، علماً أنه "من الغازات الطبيعيّة المشعّة التي تسبّب مرض السرطان عالمياً".
وقد بيّنت النتائج التي كشف عنها تقرير الآثار البيئية للحرب على غزة عام 2014، أن الحرب التي شنّها الاحتلال الإسرائيليّ كان لها أثرٌ خطيرٌ وشاملٌ على مجمل عناصر البيئة الفلسطينية، حيث استخدم أكثر من ثلاثة آلاف طن من المتفجرات.

لا مستشفى متخصّص بالسرطان في غزّة