| 

استقبل أهالي الخليل عامهم الجديد بعرس جنائزي. ففي مساء يوم الجمعة الأول من كانون الثاني الجاري، عند حاجز ترقوميا في غرب الخليل، عاد 17 شهيداً إلى بيوتهم، بعدما كانت قوات الاحتلال قد احتجزت جثامينهم. سيارات الإسعاف تتقدّم في موكبٍ أمطرت له السماء وبكاه أهالي الخليل، ليصلوا بعد ذلك إلى "المستشفى الأهلي" حيث استقبلهم ذووهم وألقوا عليهم نظرة الوداع الأخيرة.
وفي ذلك اليوم، وبعد 29 يوماً من الانتظار، وصل جثمان الشهيد طاهر فنون مع رفاقه، الذين احتجزتهم سلطات الاحتلال الاسرائيلي في ثلاجات بدرجات حرارةٍ باردةٍ جداً، لم تؤثر في وهج حرارة لقاء ذويهم بهم، كأنهم سقطوا للتو. معهم، وقفت عائلة الشهيد طاهر فنون، التي انتظرت عودته بفارغ الصبر، لتسير به إلى مثواه الأخير.
رفاق فنون الشهداء 16 هم: باسل سدر، فضل القواسمة، حمزة العملة، سعد الأطرش، شادي القدسي، عز الدين أبو شخيدم، همام اسعيد، إسلام عبيدو، مهدي المحتسب، فاروق سدر، فادي الفروخ، مالك الشريف، مصطفى فنون، إيهاب مسوده، عمر الزعاقيق، عبد الرحمن مسوده. وتحتجز قوات الاحتلال حتى السابع من الشهر الجاري جثامين 11 شهيداً آخر في ثلاجات الموت.

"فرحتُ للقياه، ولو جامداً كلوح"
"كان مطيعاً لي ولوالدته، ولم يرفض يوماً طلباً لنا". بهذه الكلمات، بدأ الفلسطيني فيصل فنون الحديث عن ابنه الشهيد طاهر (21 عاماً) الذي ارتقى برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في منطقة تل الرميدة وسط الخليل. في الدقائق الأولى من يوم الجمعة الموافق الرابع من كانون الأول /ديسمبر الماضي، قوّصوه زاعمين أنه حاول طعن أحد الجنود، وكان برفقة ابن عمه، الشهيد أيضاً، مصطفى فنون (15 عاماً).
والد طاهر يقول إنه يفتقد حُسن معاملة ولده له. فهو ابنه البكر وفرحته الأولى وسنده في كلّ يوم: "لم يكن طاهر أبداً سبباً في خلافٍ أو مشكلةٍ مع أحد، كان حسن الخلق والأخلاق في تعامله مع أفراد العائلة والأصدقاء والمعارف. حين استشهد، وقع الخبر علينا كالصاعقة، لكننا عدنا وحمدنا الله الذي منحنا الصبر على فراقه".
احتجاز جثمان الشهيد طاهر شكّل المرحلة الأصعب في ظروف استشهاده، بحسب العائلة. الاحتلال الإسرائيلي أراد من ذلك إضافة المزيد إلى عذاب عائلات الشهداء، والإمعان في قصاصهم. مرّةً يماطل، ومرة يعيق الوصول إلى أيّة معلومات، واضعاً شروطاً معقّدة للتسليم. يقول والد طاهر عن تلك الفترة: "أصابنا اليأس بسبب إجراءات الاحتلال المقيتة، وعشنا حرب أعصابٍ طوال فترة احتجازه، حتى سلّموا جثمانه في النهاية، بعدما عذبوه وهو جسد ساكن من دون روح، ووضعوه في ثلاجات جمّدت جسده وجعلته كقطعةٍ خشبية".
عن شعوره لحظة استلام الجثمان، يشرح الوالد: "للغرابة، شعرت بالفرح الكبير لأنني تمكنت من تشييعه. لقد كان ذلك أكبر فرح وبهجة أدخلت إلى قلبي الطمأنينة والسكنية. فأرواح الشهداء أحق بباريها".

كانت ليلةً طبيعيّة
كان الشهيد طاهر يكمل دراسته الجامعية متخصّصاً بالشريعة الإسلامية. أتم عامين منها، وتميّز بتفوقه في دراسته، بشهادة مدرسيه وزملائه. كان يطمح لأن يصبح مدرّساً، قال والده.
حساب طاهر على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك"، احتوى تعليقاتٍ وصوراً تكفي لأن تحكي عن حياته اليومية، ولحظات فرحه مع ابن عمه الشهيد مصطفى فنون. وتمكن قراءة آخر ما كتبه الشهيد على صفحته الشخصية كرسالة وداعٍ، إذ قال: "السلام عليكم، إلى اللقاء". وبعد ذلك، لم يتبقَ سوى حسابٍ إلكترونيّ للغائب عن الدنيا، الحاضر في قلوب ناسه، يتذكرونه شاباً فتيّاً في مقتبل العمر.
لم يكن فراق طاهر سهلاً على والدته التي ربّته لحظةً بلحظة، واحتضنته طفلاً صغيراً على صدرها، حتى جاءت الساعة التي احتضنته فيها شاباً شهيداً: "حزنّا كثيراً على فراقه، وافتقدناه جسداً وروحاً في المنزل. كان أقرب إخوته إليّ، وكنت أسهر معه دائماً. فهو ابني البكر. ولكن، نطمئن إلى أنه شهيد في الجنة".
أما عن لحظاته الأخيرة قبل الشهادة فتشير والدته إلى أنها كانت طبيعية. سهر مع العائلة حتى الساعة العاشرة والنصف ليلاً، وكان يوماً اعتيادياً يلعب فيه مع هذا ويمازح ذاك. لم يغب لأكثر من ساعةٍ ونصف، ليحوّل رصاص الاحتلال اللعب والمزاح إلى حزن وألم.
يشار إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يستخدم أساليب عقابية كثيرة بحق ذوي الشهداء الذين يتهمون بتنفيذ عمليات ضد أهداف تابعه للاحتلال، أبرزها احتجاز الجثامين لفترة طويلة وفي درجات حرارةٍ باردة جداً، بالإضافة إلى هدم المنازل والاستدعاءات والاعتقال.
وقد ضمّت مدينة الخليل الحصّة الأكبر من شهداء الهبّة الشعبيّة بين مدن الضفّة وقطاع غزّة. إذ ارتقى فيها أكثر من 30 شهيداً منذ بداية أكتوبر الماضي، وحتى مطلع كانون الثاني /يناير الحالي.