| 

نساءٌ وشيبٌ وشبابٌ يتجولون بالعشرات في كنف الطبيعة الفلسطينية، يتسلقون الجبال والأحراج، على الرغم من أن موسم الشتاء قد بدأ، والبرد القارس دقّت ساعته منذ أسابيع. هنا، في مناطق وسط الضفّة الغربية، لم يعد مفهوم موسم الشتاء مرتبطاً بالبرد وأمطار الخير فحسب، بل إن مئات العائلات الفلسطينية تنتظره بفارغ الصبر، لتلتقط هدية الأرض لأهلها: "الفطر" أو "المشروم" أو "الفُقع".. كلها تسميات للفطرالشتويّ الطبيعيّ الذي ينبت داخل الأشجار الحرجيّة، فيشكّل أكلةً شهيّة على موائد البيت الفلسطينيّ، مع حلول فصل الشتاء.

طقوسٌ موسمية
ما إن تهدأ وتيرة الأجواء العاصِفة ويتوقف المطر عن الانهمار، حتى يتسلّق عشرات المواطنين جبال منطقة وادي قانا الواقعة على الطريق الواصل بين محافظتي سلفيت وقلقيلية، لجلب الفطر المشروم المنتشر داخل الأشجار الحرجية. ويروي اسماعيل عواد، وهو من سكان بلدة ديراستيا شمال غرب سلفيت، لـ "السفير" عن رحلته بحثاً عن الفطر، فيشير إلى أنه يتوجّه منذ ساعات الصباح الباكر إلى الجبال الحرجية في وادي قانا، قاطعاً مسافة 4 كيلومترات من منزله في ديراستيا إلى الجبال مشياً على الأقدام: "لذة تذوّق طبق الفطر ـ المشروم لا تكمن في مذاقه المميز فحسب، بل في رحلة قطافه الاستجمامية إلى الطبيعة الفلسطينية خلال موسم الشتاء من كلّ عام".
ويصف عواد مشهد "الصيد" الحميد هذا: "عشرات المواطنين من القرى والبلدات المجاورة لوادي قانا مثل دير إستيا وكفل حارس وجينصافوط، يتوجهون في الشتاء إلى الجبال والأحراج يومياً لقطف الفطر وطهيه في بيوتهم. هناك مناطق داخل الضفّة الغربيّة لا تعرف بوجود الفطر في الجبال، ومنطقة سلفيت تشتهر به. البحث عن الفطر أصبح عادة سنوية، كأنها رحلة ثابتة ذات طقوس لا تتغير عندنا نحن في وسط الضفة الغربية، حتى أن البعض يصطحب أطفاله معه خلال الرحلة ليعرّفهم على كيفية العثور على الفطر من جهة، وليستجموا معه من جهة أخرى"، وفق عوّاد.
يتفقد الشاب عمر عزام باطن شجرةٍ حرجية في منطقة وادي قانا، وينبش الأرض بيديه بحثاً عن الفطر. يشير إلى صعوبة البحث عن الفطر ومشقّته، إذ يكون مدفوناً في الطبقة السطحية للتربة بين الأوراق المتساقطة والأشواك داخل الأشجار الحرجية. وتحفّز الأمطار المبكّرة والأجواء الباردة ليلاً وتزاوجها مع أشعة الشمس نهاراً نمو الفطر.
يشرح عزام أن الفطر يكون موجوداً داخل الشجرة على شكل أقراصٍ دائرية، فيتم قطفه برفق منعاً لتبعثر القرص: "هناك فروقاتٍ واسعة بين أنواع الفطر الطبيعي في الجبال، فبعضها سام ومضّر، وبعضها فطرٌ مُفيد، وهو الذي نقطفه. في الكثير من دول العالم، لا يعرفون الفطر الطبيعيّ، بل يلجأون لزراعته بأنفسهم، ثم يسمّونه طبيعياً"، يقول عزام.

بالبندورة والبصل، وأرخص!
يوضح الشاب معتز الخطيب (من سكان بلدة ديراستيا) طريقة تحضير الفطر للأكل، لافتاً إلى أن تنظيف الفطر من التراب والشوائب العالقة به ثم تقشيره تعدّ أولى خطوات التحضير. بعدها، يتم غلي الفطر بالماء الساخن لإزالة الشوائب وضمان نظافته، ويتم عصره قبل تقطيعه لإزالة الطعم المُرّ منه. ويضيف الخطيب: "يتم تقطيع البصل والبندورة على انفراد، وإضافة البهارات والملح إليهما، ليتم في ما بعد طهي مزيج الفطر المقطّع والبصل والبندورة المبهّر على نار هادئة". قلة من المواطنين تفضّل قلي الفطر بعد تنظيفه وغليه وتقطيعه وإضافة البصل إليه فقط دون الحاجة لطهيه، يقول الخطيب.
من جهته، عبّر عبد المجيد ذياب عن إعجابه الشديد بالفطر الطبيعي الشتوي، منوّهاً باختلافه عن الفطر الصناعي أو المعّلب، ليس في مذاقه فقط، بل أيضا في سعر تكلفته. فالفطر الطبيعي أقل تكلفة من الصناعي، حتى لمن يشتريه من الباعة الذين يقطفونه من الجبال الحرجية: "الكثير من العائلات الفلسطينية تخزّن الفطر الشتوي في كلّ عام داخل الثلاجة في أكياس التفريز، لطهيها واستهلاكها في وقتٍ لاحق خلال موسم الشتاء أو عقب انقضائه"، بحسب ذياب.
يشتهر الفطر بمسميّات عدّة أبرزها "بروتين الشتاء" و "الكنز الأبيض"، حيث لا تقتصر منفعته على مذاقه المميز فحسب، بل إن الدراسات الطبية أثبتت وجود فوائد صحية له. وتؤكد الخبيرة مها العناني في مقالة لها نشرتها في مجلة "حياتك" الشرق أوسطية، أن الفطر يعدّ البديل الصحيّ لكلّ أنواع اللحوم، بالإضافة لاحتوائه على البروتينات اللازمة لنمو أنسجة الجسم وتعويض التالف منها. وتشير العناني إلى احتواء الفطر على حمض الفوليك الذي يساعد في حماية الجسم من فقر الدم "الأنيميا"، بالإضافة إلى وجود مادة الكولين التي تقي الجسم من تراكم المواد الدهنية.

مصدر رزقٍ.. ومخاطر
مخاطر كثيرة ترافق رحلة قطف الفطر في المناطق الحرجية. فيشرح نائب رئيس بلدية ديراستيا خلف يوسف: "المستوطنات الاسرائيلية الجاثمة على قمم الجبال وفي المناطق الحرجية تعد العائق الأكبر أمام المواطنين، كما أن الاحتلال وحراس مستوطناته لا يتورعون عن اعتقال أي مواطن فلسطيني يقترب من محيط المستوطنات".
كذلك، "الخطر الآخر يتمثل بقطعان الخنازير البرية التي من المحتمل وجودها داخل الأشجار الحرجية كالبلوط والسرّيس وغيرها. وفي أعوام سابقة هاجمت الخنازير البرية التي يطلقها المستوطنون عمدا عدداً من المواطنين خلال رحلة قطف الفطر وأصابتهم بجراح"، بحسب يوسف.
ولكن، مع ذلك، يقول مدير الزراعة في محافظة سلفيت إبراهيم الحمد، إنه "رغم وجود خطر المستوطنات الجاثمة على قمم جبال وادي قانا، إلا أن عدداً كبيراً من المواطنين في بلدة ديراستيا والبلدات المجاورة يصرّون على البدء في رحلة قطف الفطر منذ ساعات الصباح الباكر حتى المساء"، موضحاً أن "قطف الفطر يشكل مصدر دخل ورزق للعديد من العائلات الفلسطينية كل عام". إذ إن "منطقة وادي قانا وحدها تُنتج نحو خمسة عشر طناً من الفطر سنوياً خلال الموسم الذي يستمر عدة أسابيع. في بداية الموسم، يكون سعر الكيلو الواحد من الفطر 22 شيكلا، أي ما يعادل 6 دولارات. لكن، بعد أسبوعٍ على بدايته، ينخفض ليبلغ متوسط سعر الكيلو الواحد 10-15 شيكلا، أي ما يعادل 3-4 دولارات.. إقبال المواطنين على شراء الفطر مميز ومنقطع النظير"، وفق الحمد.
يُذكر أن الجبال الفلسطينية خلال موسم الشتاء تزخر بالأكلات المستخلصة من النباتات الطبيعية، مثل "اللسان"، "الزعمطوط". وهي أكلاتٌ تُشبه ورق العنب، لكنها تنمو طبيعياً ولا يتدخل الانسان في زراعتها أو الاعتناء بها.