| 

بحلول العام الميلادي الجديد 2016، سجّل عدد المسيحيين في مدينة القدس حوالي 10 آلاف، وسط تقديرات بانخفاض مستمر في أعداد الفلسطينيين المسيحيين في أرجاء فلسطين التاريخيّة بشكلٍ عام، وفي القدس بشكلٍ خاص.
وتراقب الكنيسة المحلية بقلقٍ بالغ استمرار الهجرة المسيحية من المدينة، وتحاول مساعدة المسيحيين على البقاء من خلال توفير فرص عمل وأماكن سكن لهم /ن. ولكنها ترى أنه في ظل انعدام الأفق السياسيّ واستمرار التدهور الاقتصاديّ فإن استمرار هذه الهجرة مرجحٌ.
وفي مدينةٍ تضمّ الكثير من المقدّسات المسيحية، خاصةً كنيسة القيامة في البلدة القديمة، فضلاً عن كونها مركزاً لمختلف الطوائف المسيحية الرئيسية، فإن شحّ عدد المسيحيين يبدو مقلقاً للكنيسة المحليّة.

"الماضي انتهى"
بدأ الانخفاض المستمر في عدد المسيحيين في المدينة يتجلى حتى في مراكز التواجد المسيحي في المدينة، وتحديداً حارة النصارى. إذ تقسم البلدة القديمة إلى 4 أحياء رئيسية، وهي: الحيّ الإسلاميّ ويعتبر الأكبر، الحيّ المسيحيّ، والحيّ الأرمنيّ، وحارة اليهود التي أقيمت على أنقاض "حارة الشرف" التي ظلّت قائمة حتى الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967.
وإن كان مسيحيون ما زالوا يقيمون في منازل لهم في حارة النصارى حيث تتواجد مقار البطريركيات والكنائس المحلية والمدارس والمعاهد المسيحية، فإن السوق التجاري في الحارة بات يشمل عدداً من المحال المغلقة، وأخرى يملكها فلسطينيون غير مسيحيين.
استناداً إلى إحصائيات متعدّدة، بلغ عدد المسيحيين في القدس في العام 1944 حوالي 29350 مسيحياً، ثم وصل العدد إلى 60 ألفاً بحلول العام 1979. ولكن العدد راح ينخفض بعدها، وبشكلٍ لافت خلال العقدين الماضيين.
وعزا بطريرك اللاتين في القدس فؤاد طوال أسباب الهجرة إلى العوامل السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة، إذ شرح لـ "السفير": "خذ مثلاً جامعة بيت لحم، وهي جامعة كاثوليكية، فإذا كان هذا الشاب المتخرج وهذه الشابة المتخرجة غير قادرين على تجاوز الجدار الإسرائيلي الذي يفصل القدس عن بيت لحم للوصول إلى القدس من أجل العمل، فحتماً ستكون أول فكرة تغريهما هي الهجرة. وكونهما متعلمين، معهما شهادة، ويتقنان لغات، يجعل الهجرة أسهل لهما بالمقارنة مع الغير. وبالتالي، يهاجران أملاً بحياةٍ كريمة".
وأضاف: "كما أن الفلسطينيين المسيحيين الذين هاجروا منذ سنوات طويلة نجحوا في حياتهم الاقتصادية والسياسيّة في أميركا اللاتينية، ونجاحهم قد يكون مشجعاً على الهجرة، رغم أن الظروف في أميركا اللاتينية وأميركا الوسطى لم تعد كما كانت في السابق، والذين يهاجرون الآن يجدون صعوبات هناك كما يجدون صعوبات هنا. فالماضي انتهى".
وما ينطبق على المسيحيين في القدس ينطبق أيضاً على المسيحيين في الضفّة الغربية وقطاع غزّة وفي إسرائيل. ففي كلّ هذه المناطق، يستمر عدد المسيحيين بالانخفاض بالتوازي مع استمرار هجرتهم.

من 10% إلى 2%.. فهل تصبح 1%؟
يقول مركز الإحصاء الإسرائيلي إن عدد الفلسطينيين المسيحيين في القدس يبلغ 12 ألفاً، وذلك من أصل أكثر من 320 ألف فلسطيني يعيشون في المدينة. ولكن الموقع الإلكتروني لبطريركية اللاتين في القدس قدّر عددهم بنحو 10 آلاف، ما يشير إلى أن 2500 مسيحي في القدس ربما يكونون من غير العرب.
وبحسب النائب البطريركي في القدس الأب وليام شوملي، فإن "عدد المسيحيين الفلسطينيين في العالم يقارب المليون مسيحي، بالتالي، هم تقريباً عُشر الشعب الفلسطيني نظراً لكون عدد الفلسطينيين في العالم يفوق 13 مليون نسمة. أما في الداخل، أيّ في الأراضي الفلسطينية والداخل الفلسطيني، فنحن نشكل نسبة 2 في المئة من عدد السكان".
وشرح لـ "السفير" أن "معظمنا في الخارج يتواجدون في أميركا الجنوبية، ولهم تأثيرٌ قويّ في المجتمع، سواء في تشيلي أو هندوراس وسلفادور". وأضاف: "بالنسبة إلى فلسطين ككل، فإن عددنا الآن هو 50 ألفاً في فلسطين (الضفّة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزّة)، و140 ألفاً في إسرائيل. نحن نشكل نسبة 2 في المئة، ولكنها نسبة تشهد تناقصاً، ومن الممكن أن تصبح بعد 10 سنين حوالي 1 في المئة. وبالتالي، فإن النسبة المئوية تقلّ من دون شك، ولكن العدد يتماسك ويستمر نفسه، لأن هناك ولادات جديدة. ومع ذلك، كون النسبة لا تزيد يعني أنها تتناقص".
وبحسب الموقع الرسمي لزيارة البابا فرنسيس إلى الأرض المقدسة، شكّل المسيحيون في فلسطين ما نسبته 10 في المئة من التعداد الكليّ للسكان في العام 1948.
ويعلّق البطريرك طوال على ذلك: "ما من شك ان هجرة المسيحيين هي جرح لنا وللكنيسة وتقلق الفاتيكان، ولكن، طالما الأسباب التي تؤدي إلى الهجرة لم تهدأ، أرى أن الهجرة ستستمر. وإذا لم يكن هناك أمل بالمستقبل وأمل بالسلام وأمل بحريّة الحركة من مكان إلى مكان، فمن السهل جداً أن ترد فكرة الهجرة في ذهن كلّ أب وأم يفكّران بمصلحة أولادهما". وحدّد: "فقط تصحيح الأوضاع يمكن أن يعطي الأمل بالبقاء".
ويرى البطريرك طوال ان نسبة المسيحيين في فلسطين التاريخية قد لا تنخفض عن الرقم 2 في المئة، وذلك بسبب وفود مسيحيين غير عرب إلى إسرائيل: "لا أعتقد أن هذه النسبة ستنخفض أكثر، فهناك يد عاملة من الكاثوليك تأتي من الخارج، وهم الكوريّون، وهم يتزاوجون عندنا. لدينا 40 ألفا فقط من الفيليبين، وهم أيادٍ عاملة أيضاً، ولديهم أطفال.. وإن شاء الله يبقى العدد بلا انخفاضٍ أكثر".

لماذا المسيحيون؟
يتأثر المسيحيون بالأوضاع في مدينة القدس كما يتأثر بها المسلمون، من حيث سحب الهويات وشحّ رخص البناء وهدم المنازل وسياسات الاعتقال وقطع أوصال المدينة مع الضفة الغربية وهجمات المستوطنين المترافقة مع سياسات التمييز الإسرائيلية ضد المواطنين العرب. ويقول الأب شوملي: "الاسباب السياسية الاقتصادية والاجتماعية وانعدام الامن وانعدام الرؤية المستقبلية للعائلات تؤثر في كل أطياف الشعب الفلسطيني. فالكثيرون يهاجرون، ولكن تبدو نتائج الهجرة أكثر على الوجود المسيحي بسبب قلّة العدد. فإذا ما كان العدد 10 وهاجر 5 يصبح العدد 5، ولكن إذا كان العدد مليون وهاجر نصف مليون فيبقى نصف مليون. وبالتالي، فإن تأثير الهجرة على الوجود المسيحيّ يبدو للعيان أقوى بسبب قلّة عددنا". وأضاف: "عدم وجود رؤية مستقبلية واضحة يشجّع على الهجرة".
في المقابل، يدّعي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ان إسرائيل هي المنطقة الوحيدة الآمنة للمسيحيين في المنطقة، إذ قال في تهنئة لمناسبة حلول العام 2016: "أتفاخر بالقول إن إسرائيل هي إحدى الدول الوحيدة في الشرق الأوسط ولربما هي الدولة الوحيدة فيه، حيث ينعم المسيحيون بحريّة حقيقية، وحيث يتسنى لهم أن يؤدوا طقوسهم الدينية بحريّة وعلى الملأ، ليحتفلوا بعيد الميلاد المجيد وبأعيادهم الأخرى".
ولكن مدير "المركز الدوليّ للاستشارات" وديع أبو نصار قال لـ "السفير" إن "هذا كلام حق يراد به باطل. ما من شك أن الفلسطينيين في إسرائيل لا يعانون من خطرٍ وجوديّ كما هي الحال في العالم العربي حيث يعاني ليس فقط المسيحي وانما الجميع بمن فيهم السنة والشيعة أيضاً، ونحن نعلم أن غالبية الذين قتلوا في القلاقل الأخيرة مسلمون وليسوا مسيحيين. والغالبية العظمى من الذين هاجروا مسلمون وليسوا مسيحيين. وبالتالي، فإن الإسرائيليين يرشون الملح على الجرح".

"نقوم مقام حكومة"
بدأ المقدسيّون بلمس الهجرة المسيحية في المدينة بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1987، ومن ثم تصاعدت الهجرة مع استمرار التدهور في الوضع السياسي. وثمة إشاعات في المدينة تفيد بأن القنصليات الغربية العاملة في القدس تمنح تسهيلات للمسيحيين للهجرة إلى دولها.
ولكن الأب شوملي يرى أنه "لا نستطيع التعميم حول القنصليات التي تصدر تعليمات بالتشجيع، إذ سمعت مثلاً أنهم يقبلون المهاجرين في كندا وألمانيا من دون معرفة الدين".
وأضاف: "هي اشاعة لم تثبت. ولكن، في الواقع، نحن ضحية، وهم سبب. لا نريد أن نوسم أميركا وأوروبا بالتحيّز الدينيّ ضد المسيحيين، لأن ذلك ضد الحقيقة. فلو كانوا يريدوننا، لتركونا بسلام. ولو لم تحدث حروب دعموها، لكان المسيحيون في سوريا والعراق قد بقوا في أماكنهم".
أيضاً، لا يتفق المحامي رفول روفا، مدير المركز الكاثوليكي لحقوق الإنسان "سانت إيف"، مع الإشاعة بأن القنصليات الأجنبية تشجع المسيحيين على الهجرة: "تقلّص أعداد المسيحيين هو مشكلة لا تقتصر على القدس، وإنما هي قائمة في المناطق الأخرى مثل رام الله وبيت جالا وبيت لحم وغيرها.. هي مشكلة عامة والكنائس بشكل عام واعية لها، وخصوصاً الكنيسة الكاثوليكية. وعلى هذا الأساس، تسعى الكنيسة الكاثوليكية لتشجيع الشباب على البقاء من خلال بناء مشاريع إسكان وخلق فرص عمل ودعم العائلات الصغيرة التي لديها أولاد خاصة في المدارس وإعطاء منح للطلاب للالتحاق بالجامعات وخاصة في الجامعات الفلسطينية".
وفي هذا الصدد، يشرح البطريرك طوال: "عندنا مشاريع إسكان، اليد العاملة في بيت لحم مثلاً هي 25 في المئة من اليد العاملة في الكنيسة. وبالتالي، نقوم بمقام حكومة".
ويحدّد الأب شوملي الفائدة من مشاريع الإسكان بالقول: "هي قطرة في بحر، ولكنها قطرة ضرورية. نحاول تأمين إسكان حتى نشجع غيرنا على فعل المثل. نريد لنجاحنا أن يكون حافزاً لنجاح مشاريع إسكان أخرى في مناطق أخرى. فمشروع الإسكان في شرافات (جنوب القدس) يدلّ على أنه بإمكان غيرنا أن يعمل أيضاً، إذ أقمنا 80 شقة تسكنها الآن 80 عائلة بأسعار مقبولة".
وأضاف: "وفي أبو ديس، لدينا عدد مشابه من الوحدات السكنية. ولكن التصاريح لم تصدر بعد، وقد تصدر في العام 2016. نحن نعمل على المشروع منذ 5 سنوات، وقد عملنا مع مهندسين ومحامين، ونأمل من غيرنا أن يعمل أيضا وألا تكون مشاريع إسكان فئوية. إسكاننا سيكون مفتوحاً للجميع، لأن المشاريع الفئوية لا تساعد على العيش المشترك. هي أرض كنيسة في أبو ديس".
ويعاني الفلسطينيون في مدينة القدس من ارتفاع إيجارات المنازل، فضلاً عن الارتفاع الفاحش في أسعار الشقق. ويتسبب بذلك نقص المساكن الناشئ عن المصادرات الإسرائيلية الواسعة للأراضي في المدينة لمصلحة المستوطنات، وتصنيف مناطق واسعة على أنها أراضٍ خضراء يمنع البناء عليها، بالإضافة إلى شحّ رخص البناء، والارتفاع في عدد هدم المنازل بداعي البناء غير المرخص، وما يرافقه من سياسة حجب التصاريح.