| 

لطالما حكي عن غزّة أنها مدينةٌ تدهش زوّارها كلما حطّ بهم /ن الرحال حسّياً في أزقتها، أو افتراضياً في أرشيف أخبارها وصورها حين يحول الحصار دون الوصول إليها. فعلى الرغم من أن الموت يتربّص بأهل غزّة من كل جانب،إلا أنه لم يمنعهم /ن من البحث عن سبل الحياة بشتى الوسائل. فتدهور قطاع السياحة تماماً جرّاء إغلاق معبر رفح بشكلٍ شبه دائم، لم يمنع الشباب وأصحاب الأموال من تنشيط السياحة الداخلية، من خلال افتتاح المزيد من المطاعم والمنتجعات، إذ لم يُبقِ لهم الحصار خياراً آخر خارج حدود متطلبات هذا السجن الكبير.

مطاعم بنكهات الدول:
هذا للأجانب، وهذا لنا
هاني النجار (34 عاماً) هو مدير مطعم"ايطالْيَن كرست" الذي افتتح قبل عام من الآن. يوضح لـ "السفير"أن فكرة إنشاء المطعم جاءت من مالكه الذي يقيم خارج القطاع، بعدما درس قبولاً في السوق الغزّي لمطعمٍ يقدّم الأكل الإيطالي على أصوله، كالبيتزا والباستا. ونوّه بأنه يملك مطعماً مشابهاً في الدولة التي يقيم فيها، ولكن بمستوى أرفع من هنا: "غزة بحاجة إلى مطاعم نوعية ومميزة من ناحية نوع الأكل وطريقة التقديم والخدمة، وهذا ما شجعنا على افتتاح المطعم"، يقول النجار.
وعن أسعار خدمات المطعم، خاصةً أن افتتاحه أتى في أوج الأزمة المالية لموظفي حكومة غزة، يؤكد النجار أنها في متناول الجميع، فأسعار "فواكه البحر" الأغلى ثمناً على قائمة البيتزا لا تتجاوز في أقصاها 5 دولارات للحجم الوسط و10 دولارات للحجم الكبير، إلا أن أغلب زبائنه، بحسب تأكيده، هم من الأجانب المقيمين في غزة،"إذ يفتقدون مثل هذا المذاق في المطاعم الأخرى".
على الرغم من أن العديد من المطاعم في غزّة تختص بالبيتزا والوجبات السريعة، إلا أن النجار يوضح أن للبيتزا أنواعاً مختلفة، وهو لا ينافس أيّاً من المحليّين كونه يقدم شيئاً مميزاً عنهم، وبنكهات وخلطات متعدّدة.

"حبيبة"، فكرة المُبْعَدين
محمد أبو زيد (31 عاماً) هو شيف "حلويات حبيبة".يشرح لـ "السفير" أن فكرة المطعم جاءت من محرّرٍ مُبعَدٍ من نابلس اقترح عليه أن يكون شريكاً له مع مُبعَدٍ آخر من الخليل، إذ فكّر بإنشاء مطعمٍ مختصّ بالكنافة النابلسية التي تشتهر بها مدينته ويجيد أبو زيد صنعها، فهو يعمل في صنع الحلويات منذ 14 عاماً.
ويتابع أبو زيد حديثه: "الإقبال على المطعم فاق توقعاتنا، فالكلّ أراد أن يجرّب طعم الكنافة النابلسية بخبرات ممزوجة ومتنوعة"، مؤكداً أن تعاطف أهل غزّة مع المحررين المبعدين ساهم بشكلٍ كبير في نجاح المطعم.
أبو زيد فضّ الشراكة بعد عامٍ واحد، ويبين أنه قد بات اليوم لكلّ واحدٍ منهم مطعمٌ خاصٌ به في أماكن متفرقة من القطاع: "لكي تبقى في السوق، عليك أن تكون متميزاً عن غيرك من ناحية السعر والجودة والصنف المقدم. فالمنافسة شديدة، ولا مكان للتقليد"، يقول أبو زيد.
اعتاد أبو زيد تخفيض الأسعار في المناسبات والأعياد، وفي يوم الخميس من كلّ أسبوع، إذ يحدّد سعر كيلو بقلاوة اللوز والأساور بـ 5 دولارات، وكليو الكنافة النابلسية بـ 5 دولاات ونصف، وكيلو الكلاج بدولارين ونصف.
أما مطعم "كاستلو" الذي لم يمضِ على افتتاحه سوى تسعة أشهر فيتميز بتقديم المأكولات الصينية، إذ إن صاحبه كان شيفاً في عدّة مطاعم في غزّة والصين، ودخل معترك المنافسة على الرغم من أن موقعه أتى بالقرب من عدّة مطاعم ذات صيتٍ واسع بين سكّان القطاع.
يشرح مديرالمطعم عبد جربوع (32 عاماً) أسباب الرواج الذي حققه: "السمعة الجيدة للشيف والأسعار الملائمة هي رأس نجاح المطعم في ظل المنافسة الشديدة والأوضاع الاقتصادية الصعبة".
وعن افتتاح المطعم في ظل الحصار والأزمة المالية الخانقة، يؤكد جربوع أن المجال الاستثماري الوحيد الناجح في السوق هو الأكل والشراب، فلا أحد يمكن أن يستغي عنهما، مضيفاً أن "الإغلاق شجع السياحة الداخلية فلا منفذ لأهل هذه المدينة سوى المطاعم والبحر".
يلفت إلى أنه "لا شك أن هناك هامش مخاطرة،إلا أنه يبقى أضيق من سواه في المشاريع الأخرى"، يقول جربوع.

لاجئون سوريّون هنا:
"الشام بميّاتها وحلب بأكلاتها"
اللاجئون السوريون الهاربون من آلة القتل في بلادهم إلى غزة لهم دورٌ ونصيبٌ أيضاً بافتتاح المزيد من المطاعم. وريف حميدو (35 عاماً) هو صاحب مطعم "سوريانا"، وهو سوريّ الأصل من مدينة حلب، يروي لـ "السفير" وصوله إلى غزة: "هربت من سوريا إلى مصر، ولكني لم أتأقلم مع الحياة هناك. فجئت إلى غزة عبر الأنفاق".
سرعان ما تأقلم حميدو مع الحياة هنا، لتشابه العادات والتقاليد وتقارب اللهجة إلى حدّ ما. يبين أنه عمل شيفاً في أحد المطاعم التي تقدّم الأكل التركيّ في غزّة، ولكن المطعم أقفل أبوابه بعد الحرب الإسرائيلية في العام 2014، وأصبح حميدو بلا عمل. اقترح عليه أحد زبائنه مشاركته بفتح مطعم للأكل السوريّ، على أن يقدّم الأول رأس المال والثاني جهده. ويقول حميدو الذي اختار مكاناً ضيقاً كمساحة لمطعمه خوفاً من الخسارة: "المشكلة التي نواجهها حالياً هي ضيق المكان في ظل ازدياد الإقبال على المطعم".
ويتابع حميدو بلهجة سورية حلبية: "النفس الحلبي على الأكل معروف طيبته، وأنا إلي 15 سنة بشتغل هالشغلانة، وعنا متل بيقول الشام بميّاتها وحلب بأكلاتها وحمص ببناتها"!
وبحسب قائمة الأسعار في "سوريانا"، لا يتجاوز سعر أغلى طبق الخمس دولارات، واقتصر هذا السعر على طبقين فقط هما "فتة شاورما سورية" و"فتة شاورما تركية".

الترفيه المفقود خارجها
تختلف أسباب ارتياد الغزّيين للمطاعم، فتقول هنادي أيوب (25عاماً) إنها تقصدها لعدم وجود أماكن ترفيهية مضمونة في غزة، وكذلك لتجربة أطعمة لا تُعدّ منزلياً، أو يكون إعداها في المطعم ذا مذاق أفضل: "الناس أصبحت ترفّه عن نفسها بالأكل، وهوالشيء الوحيد المتاح لهم".
تزور أيوب المطعم شهرياً من مرة إلى أربع، "وذلك حسب وضعي المادي". وعن تفضيلها لمطعمٍ عن آخر، توضح أيوب أنها تحب تجربة الجديد "ولكني أهتم بنظافة المكان وسمعة الشيف والأسعار، أساساً".
أما وليد محمد (24 عاماً) الذي يزور مطعمه المفضل من ست إلى سبع مرّات شهرياً فيوضح أن أسباب ذهابه تتنوع ما بين "لمّة الأصحاب" وكونه أعزباً، إضافةً إلى الرغبة بالتخلّص من ضغوط العمل، في ظل أسعارٍ ملائمة في مطعمه. لا يخاطر محمد بتناول الطعام في المطاعم الجديدة،عازياً سبب انتشارها إلى البطالة والفراغ: "الشعب فاضي.. بيشتغل في بطنه"، يقول.
وتشير هنادي أيوب إلى أن المناطق الجنوبية من القطاع بحاجة للمزيد من المطاعم، على عكس مدينة غزّة التي ضاقت بها، "فلا يكاد يخلو شارع من مطعمين أو ثلاثة".

لماذا انتشرت؟
يوضّح مدير عام الإدارة العامة للسياحة في وزارة السياحة، رزق الحلو، أن هناك شروطاً لنيل ترخيص افتتاح مطعم، تبدأ بتقديم الطلب مرفقاً بمخطّط البناء، وموافقة البلدية ووزارتي الاقتصاد والداخلية، بالإضافة إلى أمورٍ لوجستية أخرى: "المطاعم التي حصلت على ترخيص خلال العام 2015، بلغ عددها ستة مطاعم"، وفق ما يقول الحلو.
ويرجّح الحلو أن أسباب انتشار المطاعم في الآونة الاخيرة يعود أساساً إلى أن ثقافة المطاعم لم تكن سائدة من قبل في الشارع الغزي، فانتشرت في ظل عدم وجود متنفس للترفيه او السفر وسواها، وسجّل إقبالٌ لدى المؤسسات والوزارات على عقد ورشها في هذه الأماكن. كما أن الاستثمار في المجالات الأخرى مغلق وغير متاح.
بدوره، أكد رئيس الهيئة الفلسطينية للمطاعم والفنادق والخدمات السياحية صلاح أبوحصيرة أن الاستثمار في المجال السياحي خصب وله مستقبل، كون غزة مشلولة تجارياً واقتصادياً، بالإضافة إلى أنه أسهل المشاريع التي يمكن أن ينفذها الشخص فيستثمر أمواله ويخفّف من أزمة البطالة: "الكثير من الشباب عمدوا إلى مشاركة بعضهم من أجل افتتاح مطعم والاسترزاق، لعدم تمكّنهم من الحصول على فرصة عمل"، يقول أبو حصيرة.
ويرى الحلو أن الإقبال على المطاعم يشمل معظم شرائح المجتمع، "فكلّ فردٍ يذهب إلى المطعم بوتيرة تناسب دخله الشهري".
ويوضح أبو حصيرة أن الأزمة الاقتصادية الناتجة عن الحصار أثّرت بشكل مباشر على قطاع السياحة، مشيراً إلى أن معظم المطاعم التي تم افتتحها "هي مطاعم ذات درجة متوسطة توجه خدماتها لمعظم شرائح المجتمع بأسعار ملائمة".
بعد فترة من افتتاحها، أقفل عدد من المطاعم أبوابه. ويوضح سمير سكيك، مسؤول لجنة التدريب والتطوير في الهيئة، إلى أن "فقد الخبرات والإمكانيات الفنية والمالية يُعدّ واحداً من أهم أسباب فشل المشروع وإغلاقه، بالإضافة إلى أن بعض المطاعم الجديدة تكون تقليدية، ما يؤدي بدوره إلى عزوف الزبائن عنها". ويكمل: "حجم السوق ضعيف، فالعرض أكثر من الطلب، والربح محدود وبالكاد يغطي مصاريفه اليومية. لذا، تغلق المطاعم التي لا تقوى على الصرف على نفسها".
وقد بلغ عدد المطاعم في قطاع غزة وفق إحصائية 2014 حوالي 215 مطعماً، أُغلق عدد منها بسبب الخسارة وعدم المقدرة على مجابهة السوق. ويرى أبو حصيرة ان ظاهرة انتشار المطاعم ظاهرة إيجابية تخلق جواً من المنافسة يسهم في تقديم خدمات جيدة للزبائن، لافتاً إلى أن غزة ليست بحاجة للمزيد منها في ظل الحصار، ولكن في حال تم فتح المعابر فهي لن تكفي لسد احتياجات السكان.