| 

في الجهة الشرقية من البلدة القديمة في مدينة نابلس، وبين الأزقة العتيقة في السوق الشرقيّ، تتربع المنجرة اليتيمة التي تصنع القبقاب القديم: وليد خضير (أبو خالد) ذو الستة والستين عاماً هو آخر صانعٍ للقباقيب في الضفة الغربية. وهو ما زال يذكر التفاصيل الدقيقة لمهنة صناعة القبقاب، التي تعود إلى أكثر من نصف قرن. أما المدينة فتفتقد لرنّة القبقاب القديم التي تكاد أن تنقرض. لا يُسمع لها صوتٌ سوى في الحمامات التركية أو بين بعض المتوضئات داخل المساجد. الطلب عليها صار يحمل صفة نادرة.

تجليّات "عزّه" الماضي
يبدأ أبو خالد خضير سرده لمحطات حياته مع المهنة: "عائلتي تعود في أصولها إلى مدينة اللد داخل الأراضي المحتلة عام 48. ومع حلول النكبة، رحل أفراد عائلتي إلى قطاع غزة، ثم هاجروا من جديد، لينتهي بهم المطاف هنا في مدينة نابلس بالضفة الغربية. مارست عائلتي النجارة بما فيها صناعة القباقيب، حيث كانوا يعملون بالطريقة التقليدية بالأيدي". ويضيف خضير: "تعلّمت صناعة القبقاب من والدي، فكنتُ أرافقه في منجرته منذ كان عمري 12 عاماً. واليوم، أعلّم النجارة لابني الأصغر، فهو يأتي عندي، وأطمح لتسليمه المهنة. هو الوحيد الذي سيتبقى خلفي".
تعود الذاكرة بأبو خالد خضير لسنوات بعيدة خلت، عندما كان ينجز يومياً مئات القباقيب الخشبية. فقد كانت وحدها الحذاء المعتمد من قبل الغالبية العظمى من المواطنين آنذاك. لكنه اليوم يجلس أمام منجرته في السوق الشرقي لنابلس من دون عمل تقريباً، بعدما حلت الأحذية الجلدية والبلاستيكية والمشغولات اليدوية الأخرى مكان القباقيب الخشبية القديمة.
يتابع خضير سرد ذكرياته لـ "السفير": "كنّا لا نتوقف عن صناعة القباقيب بأشكالها وأحجامها المختلفة. وكان الطلب عليها يزداد في مواسم الأعياد وشهر رمضان المبارك، وأيضاً عند حلول موعد فتح المدارس. فقد كان الناس بسطاءً ويرضيهم أي شيء، لكنهم كانوا يختارون القبقاب بعناية لأنه سيرافقهم لفترة طويلة من الاستعمال".
أما على صعيد مواصفات القبقاب الخشبي وسعره فيوضح خضير أن القبقاب القديم أكثر متانة، ولا يبتل بالمياه لأنه مرتفع عن الأرض، "وهذا ما جعله أنسب لحمامات المساجد والمتوضئات لأنه أعلى من الحذاء العادي". والقبقاب لا يسبب الانزلاق لمستعمله في الحمام أو الأرضية المبتلة بالماء، بعكس أنواع الأحذية العادية.. علاوة على كونه صحياً لأنه مفتوح الجوانب عند القدم، ويتعرّض للشمس والهواء، "فهو أقرب إلى الحذاء الطبيّ".
قبل عشرات السنين، كان الناس يرتدون القبقاب للوقاية من وحل الشتاء خلال أشهر المطر الغزير. وكذلك النساء، وربات البيوت بينهن تحديداً، انتعلن القبقاب لأنه مريح ولا يسبب التشققات الجلدية ولا يخلّف رائحة كونه مفتوح من الجوانب. وكانت العروس تحمله في صندوق زفافها في الماضي، بحسب خضير.
يقارن الحاج وليد خضير حال اليوم بالأمس: "اليوم، يستطيع المواطن أن يشتري عدة أحذية لمناسبات مختلفة، هذا للحفلات الرسمية وذاك للرياضة، وآخر للبيت. قديماً، كان الناس فقراء ويشترون قبقاباً واحداً بخمسة أو عشرة قروش، ويستخدمونه طوال الوقت تقريباً، أينما ذهبوا".
الخامات البسيطة والأدوات المحلية هي أبرز ما يميّز صناعة القبقاب، إذ لا تتطلب استيراد مواد أو خامات بمبالغ مكلفة. ويشرح أبو خالد خضير أن الخشب المستعمل في صناعة القباقيب يمكن شراؤه من المواطنين الذين يقصون حطب الشجر، وخشب "الصنوبر" هو النوع المفضل لصناعة القباقيب. أما الكاوتشوك البلاستيكيّ فكان سابقاً يصل من تجار مدينة الخليل. حالياً، يتم جمع الكاوتشوك من الأثاث المنزلي البالي (الكنبات).

ملبوساً صار معروضاً
طلبنا من أبو خالد أن يصنع لنا قبقاباً قديماً. فجاء بقطعةٍ من خشب شجر الصنوبر المتين الذي يتحمّل الماء والرطوبة، وبدأ بقصّها على المنشار الكهربائي إلى قطعٍ مستطيلة. في الماضي، كان القصّ يتمّ بمنشارٍ يدويّ أو باستخدام المطرقة، وكانت العملية تستغرق وقتًا أطول. بعدها، باشر أبو خالد برسم طبعة القدم، بحسب المقاس المطلوب، بكلّ مهارةٍ وصبر. يقول خضير: "الحجم الرجالي مقاسه شبه موحّد، إلا إذا جاءنا زبون مقاس قدمه كبيرة، فهناك طبعة خاصة. ولدي نماذج لمقاسات الصغار، وللنساء أيضاً".
أخذ أبو خالد القطع المستطيلة من الصنوبر، وأزال عن جوانبها الزوائد بكل دقة، فراحت قطعة الخشب تأخذ تماما شكل القبقاب. عندها، انتقل الى مرحلة "الحف"، وبدأ بتنعيم الخشب عبر الماكينة، تمهيداً لتزويد القبقاب بقطعة "الكاوتشوك" في أعلاه. ثم دقّ جوانب القبقاب بالمسامير المتصلة بقطعة "الكاتوشوك"، ليصبح جاهزاً للاستعمال: "لإعطاء القبقاب منظراً لائقاً، يتم طلاؤه بالدهان. وهو يفيد أيضاً في مساعدة الخشب على مقاومة الشمس والهواء".
صناعة القبقاب بالنسبة إلى أبي خالد خضير لا تشكّل مصدر دخلٍ أساسيّ اليوم، ولا تدر له عائداً مادياً. الربح لم يعد الغاية، فسوق القبقاب شبه معدوم. المهنة له باتت قدراً عايشه منذ نعومة أظفاره، ورافقه طيلة حياته: "القبقاب اليوم لا يعدو كونه رمزاً تراثياً فقط، ولا يحتاجه أحد إلا اذا أراده في معرض. أكثر من تطلبه هذه الأيام هي الحمامات التركية في نابلس، مثل "الحمام الشامي". ولكن الطلب عليه قليل، لأن فترة صلاحيته تصل لسنين طويلة. وأيضاً، يطلبه البعض من الزوار الآتين من الأراضي المحتلة عام 48. يطلبون القبقاب للاحتفاظ به كرمزٍ تراثيّ من الماضي".

أمثال، تاريخ، ومسلسلات
أصل القبقاب القديم، وفق الروايات التاريخية، يعود إلى عهد الفاطميين والعثمانيين. أما شهرته على مستوى بلاد الشام فكانت الأكثر شيوعاً في العاصمة السورية دمشق، حيث كان لصناعة القبقاب سوقٌ خاصٌ بها، خلف الجدار القبلي للجامع الأموي، يعرف قديماً باسم "سوق القباقبية". ومن الحوادث التاريخية التي ترتبط بالقبقاب، موت الملكة شجرة الدرّ ضرباً بالقباقيب في عهد المماليك، داخل البرج الأحمر في مصر.
ولا تخلو الأمثال الشعبية الفلسطينية من ذكر القبقاب، فقديماً قالوا: "صار للشرشوحة مرجوحة، وصار لأبو بريص قبقاب". وفي المثل السوري، يقال: "الشوحة بدلاً من الشرشوحة"، للتدليل على وجود مكانة عالية في القديم للقبقاب، كما يقال: "إلي ما إلو قبقاب، ما إلو عيد". ومثلٌ سوريّ ثالث يقول: "لف السير على القبقاب، صاروا الأعداء أحباب"، يُضرب في التئام شمل المتخاصمين. وتذكر بعض الروايات التاريخية أن أحد المؤذنين في الجامع الأموي خلال القرن السابع للهجرة، انتعل قبقاباً عالياً جداً صُنع له خصيصا لأنه كان قصير القامة ليرفعه عن الأرض، وكان يجري به كلّ درج المئذنة. وربما يكون آخر ما قد يتذكره المرء في التاريخ المعاصر عند سماع كلمة "قبقاب"، هو الفنان السوري دريد لحام في مسلسليه الشهيرين "غوار الطوشة" و "حمام الهنا".
من دمشق الكبرى في سوريا إلى دمشق الصغرى ـ اللقب الذي تشتهر به نابلس -، توارث أبو خالد خضير المهنة منذ طفولته حتى الآن، ليكتسب بذلك وصف: "صانع القباقيب اليتيم في فلسطين". وبرغم قلة الإقبال على القبقاب، إلا أن خضير يصرّ على تعليم ابنه أحمد المهنة، كونها إرثاً عائلياً خاصاً من جهة، وموروثاً حضارياً لفلسطين والشام من جهة اخرى. ويختار الحاج أبو خالد أن ينهي حديثه لـ "السفير" بالقول: "أنام وأصحو منذ كان عمري إثني عشر عاماً على المنجرة وقباقيبها. الأمر أصبح جزءاً من يومي لا يمكنني تركه بهذه السهولة. وفي الوقت نفسه، فإن الرزق محفوظٌ في أعمالٍ أخرى تتعلق بالنجارة، كصناعة الكراسي والأبواب والتنجيد".