| 

- أتعس أنواع السلطة هي التي تفرض عليك أن تذكرها صباح مساء
(همنغواي)

"ملاحقة الأشباح" هو فيلمٌ يستقي حكايته من تجربة شخصية لمخرجه رائد أنضوني في سجن المسكوبية الإسرائيلي. إذ يقوم بإشراك مجموعة أسرى فلسطينيين محرّرين في محاولة لإعادة تشكيل هذا السجن الذي أُنشئ خلال فترة الانتداب البريطاني في عشرينيات القرن الماضي، ونَشط في عهد الاحتلال الإسرائيليّ في ثمانينيات القرن نفسه، ولغاية الآن. ويُعدّ مركز توقيف وتحقيق عانى منه الكثير من الأسرى. من المقرر أن يُعرض الفيلم بعد منتصف العام 2016.

الدخول في حالة الأسر
تعتمد هذه التجربة على إعادة بناء المكان الذي لا يشغل أيّ حيّز من التفكير، بل هو مُلغى إلى حدّ ما من ذاكرة الأسير لما يحمله من ذكريات خانقة لهم. ولكن، لما يكون العمل جماعياً، فإن الألم المتوقع منه سيكون عنفه أقل حدّة، وستُفتح الذاكرة شيئاً فشيئاً على حفلة من العذاب الذي غالباً ما بقي طي الكتمان، وكان سبباً رئيسياً لأمراض سيكوسوماتية أعدمت بعض الأسرى المحررين، ووضعت بعضهم في حالة نفسية يصعب وصفها ببساطة.
إن درجة الصلابة الجسدية والنفسية التى بذلها الأسرى الفلسطينيون ترجع عليهم عكسية في كلّ الأوقات. فإن لم يعترف الأسير، تلاحقه حالة من البارانويا كشبحٍ يطارد فريسته. وفي حال اعتراف الأسير، تصبح ناحيته النفسية في حالة ركام. فحالة السعادة التي نشاهدها احتفالاً بحريّة بطل ليست إلا حالة صدمة غير متوقعة في مواجهة الفضاء، خارج مفهوم التحكّم الذي عاناه طويلاً داخل الأسر: التحكّم بالوقت، النوم، الحلم، الطعام.. بينما الشيء الوحيد الذي يكون من حق الأسير هو التحكم بالملل، الملل الذاتي وقدرته على إدارة هذه الرتابة بشكل يمنعه من الموت البطيء.
تجربتي في هذه الفيلم اعتمدت على ثلاثة محاور أساسية، تمثّلت كلها بالصدمة والعجز عن فهم حالة الأسير. ومهما بلغت من الجدية والتفكير في تقمص حالتهم داخل الزنازين، وداخل مساحات مغلقة لا يملكون فيها أدنى حق من الحقوق الفردية وليس البشرية، أعجز. وربما أكثر ما يمكن ملامسته من الأبعاد النفسية للسجون يظهر في رواية "القوقعة" لكاتبها المخرج السوريّ مصطفى خليفة، الذي استطاع أن يربط قراءتنا بالزمن، والشعور بهذا الضغط النفسي لتوقّف الوقت، ورضوخنا له من دون القدرة على تحريك ساكن، أمام كميات من الموت المجاني اليوميّ.
المراقبة، التأمل، التقمّص: ثلاثة محاور أساسية وجدتُ نفسي أقف أمامها في هذا الفيلم الذي استمر عملي فيه لمدة شهر ونصف الشهر. وفي حين كنتُ أحمل أفكاراً ربما تبدو رومانسية عن الأسير قبل التجريب بهذا الفيلم، ورسمت خمسة أعمالٍ لأسرى في زنازينهم يقفون كأبطالٍ يقفزون أو يعزفون على ظلّ ناي على الجدار، أو واحدهم ينام في الفراغ، أو يلهو على أرجوحة داخل الزنزانة، لم تكن تلك إلا حالة من الفراغ والدعابة التي اعتقدتُ لوهلةٍ أنها جدية. ولكن هذه المرة، وفي أثناء التأمل، بدأ العمل يتحوّل إلى مكانٍ آخر ويشعل مفهوم الزمن، الوقت، اللحظة، وبدأ العجز يسود فهم إدارة الوقت، ومن ثم حالة التقمص اتخذت شكل الرتابة، اللافعل، انتظار لا شيء، والانفصال عن الزمن الحقيقي والموازي، باتجاه زمنٍ خاص لا يمكن قياسه على شخصٍ آخر يعيش في الغرفة ذاتها. فكلّ شيءٍ يحيط بك يصبح ذا قيمة خاصة وفردية، مثل فراغات السقف، أو النتوءات التي تبرز من خشونة الجدار، وتلك الحفر الصغيرة التي ربما تصبح كبيرة في أحلامك وتدفع بك إلى تخيّل مخبئها يحوي آلاف الأشياء، بينما لا يكون خلفها إلا فراغٌ آخر.
يتحول الوقت ليُصبح رقماً، كأن تحتسب عدد الخطوات التي تسيرها في اليوم، عدد نبضات قلبك بالدقيقة، عدد مسامات ذراعك.. التركيز واللامبالاة هما عاملان هامان لبقائك حياً ولبقائك قادراً على اللاجنون. لكن من المهم أن تنسى تأريخ الأيام وعددها، لأن ذلك سيشعرك بالضعف الذي يعمل على تفجير دماغك حياً.

الزمن الموازي
حسب النظرية النسبيّة، فإن الزمن هو بُعدٌ فيزيائيّ رابعٌ للمكان. وهناك حالة اتفاق كونيّة مطلقة مع مفهوم الزمن، انطلاقاً من تقسيمه بين الليل والنهار، ومن ثم الساعات والفصول والأسابيع وغيرها. ويتم التعامل مع الوقت من وجهة نظر مطلقة يترتب عليها تفاصيل خاصة تبعاً للفعل لا الزمن نفسه، مثلاً: قبل الثلج، أو الانفجار الفلاني، السفر… وبهذا، فإن الفعل متغيّرٌ في حين الزمن يبقى ثابتاً (متكرراً ومتشابهاً). ويمكن عند الشعور بالملل تغيير المكان لتغيير حالة الفعل ليصبح معتدلاً، ومن أجل تحقيق منجزٍ ما. فإن الانتقال مع الزمن يساهم في تحقيق ذلك، ما يعني أنه محدّد من دون التفكير فيه واحتسابه، بينما الفعل هو الأصل. أما الزمن داخل السجون فهو يحتمل تعريفاً أخر، فإن الأصل هناك هو الزمن لا الفعل. الفعل ما هو إلا حاجة للإحساس بالزمن الذي لا يعني شيئاً ولا يحمل أي قيمة مادية أو معنوية. حالة التفكير بالزمن هي حالة انتحار وعجز وهزيمة نفسية مدوّية. لذلك، يتحول الزمن إلى وقتٍ يحاول الأسير إشغال نفسه عنه للتحايل والبقاء. ويتحول الزمن لشيءٍ مرئيّ، لا يمكن قياسه كإنجازٍ حقيقي ذي قيمة مادية، بقدر قيمته المعنوية عبر الأشياء المُنجَزَة. ويتحول الصراع للبحث عن مواد تبلغ فيها التفاصيل والدقة إلى شأن خاص، ويصبح الفعل الذي يحتاج إلى وقت أكثر لإنجازه ذا قيمةٍ لمّا يساهم في إشغال الذات عبرها واحتساب الزمن في المادة المنجزة. ما يدفع بالكثير من الأسرى إلى صناعة إنتاجات خاصة تعكس قيمة الوقت الذي بُذل لإنتاجها: أشغال الخرز، وعجم الزيتون، والخيطان، وغيرها.
إن التفاعل مع الزمن بالنسبة إلى الأسرى يتحول إلى قيمةٍ فرديّة، ويقاس بشكلٍ ذاتي، لا يتشارك فيه بالضرورة شخصان إلا في حالة الفعل المشترك لهما.

أدب السجون
ربما لم يسعفنا الأدب المقاوم في توثيق تجارب مهمة على صعيد الأسرى، وإن كانت هناك بعض المحاولات التي اقتصرت في غالبيتها على وصف حالة الاعتقال، وتحديد تصرفات لتفادي الاعتراف ليست بالضرورة ناجعة، وإنما هي احتمالات بُنيت على مواقف نظرية أكثر منها عملية. في المقابل، غاب الوعي عن تسليط الضوء على الأبعاد النفسية لتحقيق انتصارات لحظية على المحققين، ولما لذلك من أثر في هزّ المحقق، لدرجة أنه تم تغيير بعض المحققين لعدم قدرتهم على تحقيق أي إنجاز وتسجيل أي اعتراف على الأسير، ولضعفه وهشاشته أمام هذا الشخص المكبّل بالأصفاد والجنازير.
في هذا السياق، فإن السؤال الأكثر شروعاً ربما، هو: كيف يمكن الصمود / البقاء / الحياة في غرفٍ معزولة عن الضوء والصوت والحراك؟ كيف يمكنهم أن يتعاملوا مع الوقت والزمن في حين أن يومياتهم لا تتعدى الملل؟ ينامون ليستيقظوا في اليوم التالي لملل جديد، ولرتابة مضجرة. أيّ ذكريات (جميلة) يصعد بها الأسرى إلينا لاحقاً لتصبح جزءاً من حياتهم السابقة؟ فهل يرغبون فعلاً في قولها، أم تبقى طي الكتمان كما كثير من الأشياء الأخرى؟ وكيف لهم أن يعيدوا هذه الحكايات بحيث تصبح جزءاً من وعينا في ظل بقائنا المستمر تحت الاحتلال وفي مهب الاعتقال؟
يمكنني وصف هذه التجربة بقدرتها على ترتيب الانفعالات وردود الفعل. وعلى الرغم من الكمّ الهائل من الغضب والحسرة التي يفرزها الجسم والعقل، إلا أنها تبقى دفينة في النفس، وتمكن ملاحظتها في بعض السلوكيات، مثل الوحدة، عدم الثقة، الهدوء التام، الانفصام.. وربما ستمتد هذه المسلكيات لفتراتٍ زمنية طويلة بعد السجن، فيجد الأسير نفسه خارج الزمن الحقيقي الذي ينتمي إليه. وعلى الرغم من التفاعل الذي أبداه الأسرى خلال العمل على الفيلم، لجهة إعادة بناء غرفهم ووضع أدقّ التفاصيل فيها، والشعور بالمتعة في البداية، إلا أن الأمور أخذت تتحول شيئاً فشيئاً إلى شكلٍ من الضجر، مثل الانفعال والصمت، عدم تقبل وجهات نظر مختلفة، استهلاك أسلوب الغضب في بعض الحالات. فلم يغفر بكاء الجميع في لحظات معينة، والغرق في ذكرياتهم في لحظات أخرى، لهذا الغضب بأن يخرج ولو بالكلام. وهنا أتذكر المصور السويدي الهادئ المتزن الذي لا يتقن العربية، فقد قام بعد انتهاء الفيلم بتكسير جدران السجن. لقد استطاع أن يعبّر عن رفضه لهذا الموقف عبر حركات عنفٍ عملية، وهي ليست بالضرورة عنفية بقدر ما هي شحنات من الغضب لعدم تقبله هذه الحالة. استطاع أن يشاهد وأن يحس، ليقول "لا" بطريقته. فما الذي يفعله الفلسطينيون الأسرى بهذه الـ "لا" بعد خروجهم من السجون، أو أثناء تواجدهم فيها؟