| 

حرصت آلة الدعاية الإسرائيلية، وباعتراف مسؤولين وضباط سابقين وكتّاب بارزين، على المبالغة بتصوير قدرات أجهزة مخابراتها، وبنت أسطورة حول "الموساد"، جعلت منه "جهاز المخابرات القادر على كلّ شيء".
قدّموا الهدف من المبالغة على أنه تعزيزٌ لقدرة إسرائيل على الردع. ولتحقيق هذه الغاية، أبقت إسرائيل إخفاقات أجهزتها الاستخبارية بعيدة عن العيون.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج إخفاقات منظومة الاستخبارات الإسرائيلية في مجال الحرب السرية.
في هذا العدد، سنعرض قصة سقوط ضابطٍ رفيع في فخّ أعدّته له المخابرات السورية. ونختم السلسلة بالتطرق إلى إخفاق مشروع أداره "الشاباك" لاختراق فلسطينيي الداخل. في الأعداد السابقة، عرضنا إخفاقات أخرى لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في ما يتعلق بمنع اختراق المخابرات السوفياتية اسرائيل، وفي مواجهة المقاومة الفلسطينية.


واحدة من الضربات التكتيكية التي تعرض لها الجيش الإسرائيلي، في حرب تشرين الأول /أكتوبر 1973، كانت ضربة استخبارية، بحسب كتاب "وحدة النخبة التابعة لهئية الأركان" الذي ألفه موشى زوندر. ففي اليوم الأول من الحرب، سقط في أسر الجيش السوري، بعد قتالٍ شرس، أربعة عشر جندياً من "وحدة 8200" التابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية "أمان". كانوا يتمركزون في موقع جبل الشيخ العسكري الذي كان يُطلق عليه الجيش الإسرائيلي لقب "عيون وآذان الدولة"، وكانت الوحدة تعمل بناءً على مبدأ "Signal intelligence"، أيّ "استخبارات سلاح الإشارة".

ما قيمة عاموس ليفنبرغ؟
ثمة ثلاثة أساليب أساسية لجمع المعلومات الاستخبارية. أولها يعتمد على الجواسيس والعملاء. الأسلوب الثاني يقوم على استخدام أجهزة الاستطلاع وتحليل الصور الجويّة. أما الأسلوب الثالث المعني هنا فتطلق عليه تسمية "سيغينت" اختصاراً (Signal intelligence). وهذا الأسلوب الأخير يوضّب العمل في قسمين: الأول يستخلص المعلومات من التنّصت على الهواتف وشبكات الاتصال اللاسلكي والفاكس، والقسم الثاني يقوم بمصادرة الذبذبات الالكترونية المستخدمة في توجيه الطائرات وتلك التي تستخدمها الرادارات.
كانت "وحدة 8200" التابعة لـ "أمان" مكلفة بجمع المعلومات الاستخبارية بواسطة أسلوب "سيغينت". وتعتبر هذه الوحدة الأكثر أهمية داخل الاستخبارات العسكرية، فهي تؤمن ما نسبته 80 في المئة من المعلومات الاستخبارية الخام التي تقدّم لضباط تحليل المعلومات ويعدّون منها التقديرات الاستخبارية التي تصل إلى قادة الجيش ورئيس الحكومة.
واحد من الأسرى الإسرائيليين الأربعة عشر الذين سقطوا بين أيدي السوريين كان الملازم عاموس ليفنبرغ، الذي أتقن اللغة العربية باللهجة السورية خلال تعلمه مساق الاستشراق في المدرسة الثانوية.
عندما تخرخ ليفنبرغ من المدرسة التحق بالجيش وأصبح بعد التأهيل ضابطاً في سلاح الاستخبارات. وبفضل ذكائه والذاكرة الهائلة التي يتمتع بها، صار مسؤولاً عن تحليل المعلومات التي يتم جمعها عن الجيش السوري.
اطلع ليفنبرغ على معلومات استخبارية كثيرة بموجب وظيفته. ولكونه فضولياً، ولديه حب اطلاع منفلت من أيّ عقال، وبسبب إهمال قادته وزملائه، قرأ الكثير من الوثائق السرية التي كان من المفترض أن لا يطلع عليها. وهذه المعلومات الضخمة وتلك الوثائق نقشها في ذاكرته التي وصفها قادته بأنها "بحر لا يحده شطآن".
سريعاً أدرك السوريون أن كنزاً ثميناً وقع بأيديهم، بعدما تعرّفوا إلى طبيعة عمل ليفنبرغ. وما زاد الطين بلة، سيطرة الجيش السوري على العتاد المتطور والحساس الذي تستخدمه "وحدة 8200" في جمع المعلومات.

سقطت إسرائيل، وانتحرت غولدا
يقول اللواء رؤبين يريدور، أحد قادة "وحدة 8200" آنذاك، حول وصول خبر أسر عاموس: "في أثناء مراجعتي لأسماء الجنود الذين سقطوا بالأسر، لاحظت اسم عاموس الذي كنت أعرفه جيداً. فالجميع يعرفون الضابط الفضولي صاحب الذاكرة الحديدية الهائلة، الذي يقوده حبّ الاطلاع إلى معرفة كلّ شيء، والذي دفع بقادته وزملائه لتجاهل قاعدة "المعرفة على قدر الحاجة" التي تعتبر الدرس الأول في علم الاستخبارات".
يكمل: "تجمدت الدماء في عروق قادة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بعد بلورة فرضية ينبغي العمل بالاستناد إليها، تشير إلى أن "كل ما يعلمه الأسير ليفنبرع من معلومات بات بحوزة السوريين"". بهذه الكلمات، استذكر اللواء رؤبين يريدور الأيام التي تلت سقوط ليفنبرع بالأسر.
عزلت المخابرات السورية الملازم عاموس ليفنبرغ عن بقية الأسرى الإسرائيليين، واحتجزته في زنزانة انفرادية مظلمة. فتعمّق لديه الخوف من الأماكن المغلقة، ولم يتحدث معه سوى ضابط ذو ملامح غربية، وكانت لغة الحوار العبرية.
صاغ ضابطٌ سوريّ برتبة عميد للضابط الإسرائيلي الأسير قصة مفادها أن إسرائيل قد سقطت، والقيادة الإسرائيلية لم تعد موجودة. رئيسة الوزراء غولدا مائير ووزير جيشها موشى ديان انتحرا. ولذلك، فإن الحديث باللغة العبريّة لم يعد منطقياً. كان ذلك يعني، بحسب ليفنبرغ، أنه لم يعد يملك مبرراً للصمود وإخفاء الأسرار.
يقول ليفنبرغ لاحقاً: "لقد نجح المحققون بإقناعي بأن الخراب قد حلّ بإسرائيل، وإنهم يعملون على إقامة متحف لتوثيق تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية". لم يتحدث المحققون مع الأسير باللغة العبرية، وإنما دفعوه للحديث بالعربية. وعندما كان يواجه صعوبة في التعبير، كانوا يرشدونه إلى كلمات عربية.
قرر ليفنبرغ الحديث مع محققيه حينها، وجاءت المعلومات متدفقة على لسانه كطوفان. ما دفع السوريين إلى مطالبته بكتابة تلك المعلومات بخط يده. ملأ ليفنبرغ عدداً كبيراً من الكرّاسات بمعلوماتٍ سريّة حول المهام التي تنفذها وحدته، وكشف طرق عملها.

الحقيقة.. والمبادلة
خلال الشهور الأربعة التي قضاها ليفنبرغ في العزل الانفراديّ، خطّ بيده كتاباً مفصّلاً عن جهاز الاستخبارات العسكريّة الإسرائيليّة "أمان"، لدرجة أنه زوّد السوريين بأرقام سيارات ضبّاط الاستخبارات.
ميخا كوبي، وهو من كبار المحققين بجهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك"، قال عن ليفنبرغ: "بالإمكان توزيع الأشخاص الذين يخضعون للتحقيق على ثلاثة مستويات: شخص يعترف، وشخص يعترف ويتبرّع بمعلومات، وهناك شخص يدعى "الخاضع للتحقيق من وحدة 8200"، الذي باع السوريين كل ما يعرفه عن كلّ وحدة من وحدات الجيش الإسرائيلي".
ويؤكد اللواء رؤبين يريدور أن ليفنبرغ زوّد المخابرات السوريّة بمعلومات عن خطوط التنصّت على الجيش السوريّ، فتوقف السوريون عن استخدامها كلها، باستثناء خطّ واحد تدفقت من خلاله معلومات مكذوبة. وفي مرحلة معيّنة، تحدّث ضابط سوريّ على الخط، وقال: "إلى هنا، توقّف البث". وأطلق ضحكةً ساخرة. كان ذلك في الأيام الأخيرة من الحرب.
بعدما أفرغت المخابرات السورية كلّ ما لدى ليفنبرغ من معلومات، أعادته إلى السجن برفقة الأسرى الإسرائيليين، ليتم مبادلتهم بأسرى سوريين لدى إسرائيل بعد ثلاثة شهور. عند وصوله إلى تل أبيب، لم يسمح له بالالتقاء بعائلته إلا بعدما خضع لتحقيقٍ قاس. وكانت تتابع مجريات التحقيق معه رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير شخصياً، بشكل يوميّ.
ويصف عدد من المؤرخين العسكريين الإسرائيليين المعلومات التي قدمها عاموس ليفنبرغ بعدما خدعته المخابرات السورية، بـ "أكبر ضربة لحقت بوحدة 8200 منذ إنشائها".
وبخلاف الاعتقاد السائد الذي غرسته المؤسسة الأمنية في أذهان غالبية الإسرائيليين، فإن غالبية الجنود الإسرائيليين الذين وقعوا بالأسر، لم يصمدوا في أثناء الاستجواب. وحرب العام 1973 أكّدت حقيقةً هامة باتت تتصرف بموجبها الاستخبارات الإسرائيلية تنصّ على أن "كل ما يعرفه الأسير من معلومات سرية يتحول إلى معلومات يعرفها العدو".
على الرغم من الدعوات لتقديم ليفنبرغ إلى المحاكمة بتهمة الخيانة، قرّر الجيش الإسرائيلي إنهاء خدمته العسكريّة من دون إخضاعه لأي مساءلة انضباطية أو جنائية، وكذك حال بقية الضبّاط الذي قدّموا اعترافات بعد سقوطهم بالأسر لدى السوريين أو المصريين في تلك الحرب. وكانت ذريعة ذلك أنه لم يتم تأهيلهم لمواجهة الضغوط النفسية التي مارسها المحققون السوريون والمصريون في أثناء استجوابهم.