| 

آمال، عائشة، سميرة، ونوال.. هن أربعة نماذج عن نساء مُكافحات من غزّة، أبينّ التلحين على وتر الحاجة وتردّي الأوضاع الاقتصاديّة، وقررن خوض مُعترك حيواتهن. لم يمنعهن كونهن نساء من اقتحام مهنٍ لطالما اعتُبرت حكراً على الرجال فقط، حتّى توجّن في نهاية المطاف باحترام المجتمع لهن، وتقديره لكفاحهنّ من أجل قوت أسرهنّ، خاصة أن غالبيّة النساء العاملات في قطاع غزّة اضطررن للعمل بعد مرض ربّ الأسرة أو وفاته. كالعادة، الحاجة شقّت الطريق أمام النساء ليعملن بنسب مقننة من الحرية لا تكون عادةً متاحة حتى في الوقت المستتب اقتصادياً.
آمال تحب النجارة وتمتهنها. عائشة لا تحب صناعة الآلات الحادّة وتمتهنها. سميرة تحب قيادة الشاحنات، فباتت تعلمها. ونوال رأت العرائض الشرعية تكتب من شرفتها، فامتهنت الكتابة حتى أتقنتها. أربعة هن نماذج عن آلاف المكافحات في فلسطين المحتلة، تُروى قصصهن أحياناً لا للدلالة على استثناء، وإنما لتثبيت قاعدة.

النجّارة الفلسطينيّة
في ورشتها المتواضعة في وسط قطاع غزة، تبدو آمال مُنهمكة في صقل قطعةٍ خشبيّة، محاولة جعلها أنعم ما يمكن لها أن تكون، مستخدمةً أدوات تملأ المكان بالضجيج. وبينما كانت نشارة الخشب تتطاير هنا وهناك، ارتسمت على وجنتيها ابتسامةٌ خجولة حين علمت أنّني صحافيّة جئت لمعرفة قصة امرأة كابدت الفقر والحاجة، وهي على غير استعداد لمدّ يدها للناس.
السيدة الغزيّة آمال أبو رقيق (41 عاماً) هي الفلسطينيّة الأولى التي تحترف النجارة، وتضع نفسها في موضعٍ لا تألفه النساء، متحدّية بذلك الاحتكار التقليدي لهذه المهنة من قبل الرجال، مُفتخرة بصلابتها.
تروي آمال قصّتها مع النجارة لـ "السفير": "أحببت فنّ النحت على الخشب وأنا في سنّ صغيرة، وكنت أستخدم أدوات بسيطة لأنتج أشكالاً تراثية جميلة من خشب الزيتون لأزيّن بها منزل عائلتنا. ثم التحقت بدورة لتعليم فنون النجارة في غزة، ووجدت نفسي في هذه الدورة التدريبية بخلاف باقي النساء اللاتي انسحبن جميعاً، ولم يستطعن تحمل مشقّة العمل".
آمال مُثابرة. أبدعت في مجال النجارة وتفوقت في العمل، فلفتت انتباه القائمين على المشروع الذي استهدف وقتذاك 19 امرأة من النساء المُهمشات الفقيرات. تُوّجت في نهاية التدريب بمنحة مالية مخصصة لافتتاح ورشتها الخاصة، فقررت أن تكون النجارة مهنتها، تعتاش منها هي وصغيرتها التي تُعاني من إعاقة ذهنيّة.
لا تنكر آمال، التي نالت لقب "النجّارة الفلسطينيّة"، أنها في بداية افتتاح المنجرة الخاصة بها، عانت من نظرة المجتمع الساخرة إليها، وعدم إقبال الزبائن، لا سيما أنها مُطلقة من رجل يعيش داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948. بيد أنها استطاعت التغلب على هذه الأزمة بتفانيها في العمل، فتحوّلت كلمات السخرية والانتقاد إلى ثناء لطيف على كفاحها ونتاجها وقصة نجاحها.

لقمة العيش بين الحديد والنار
كحال آمال، لم تتوان السيّدة عائشة حسين عن العمل في مهنةٍ شاقّة لطالما اعتُبرت حكراً على الرجال بامتياز، بحجة أن النساء لا يقوين عليها. فما بين الحديد والنار، بحثت عائشة برفقة زوجها الأربعيني عن لقمة عيش عائلتهما المكونة من تسعة أفراد، على الرغم من تعرّضها للكثير من الانتقادات.
الفلسطينيّة عائشة حسين تبلغ من العمر 35 عاماً، تعيش في شقّة سكنيّة بالإيجار شمال مدينة غزّة، تعمل مع زوجها إبراهيم (41 عاماً) على تطويع قضبان وصفائح الحديد لصناعة السكاكين والسواطير ومعظم الآلات الحادة التي يستخدمها الجزّارون في تقطيع اللحوم والعظام، رافضين التسوّل وانتظار مُساعدات من هنا وهناك، وهما يعلمان جيّداً أنها لن تأتي أصلاً!
يبدو مشهد عائشة - الحامل في بداية أشهرها - في وسط كلّ هذا الحديد والنار غير مألوف. وهي تُعاني من آلام الظهر، لكنها تعتقد بأنها لا تملك خياراً آخر، في ظل ندرة فرص العمل، وارتفاع معدّلات الفقر والبطالة في قطاع غزّة. وبينما تمسك عائشة بمطرقة حديديّة ضخمة، وتضرب بكلّ قوّة وبشكل مُتكرّر على سطح لوحٍ معدنيّ ساخن، يتوّلى زوجها مُهمّة تشكيل اللوح وتطويعه لواحدة من الآلات الحادة التي يصنعانها. تقول عائشة إنها تعمل في هذه المهنة الشاقة منذ ما يُقارب العشرين عاماً، على مدار خمس ساعات يوميّاً تقضيها بين الحديد والنار.
توضح أن مهمّتها الأساسيّة تتمثّل في الطرق على المعادن الساخنة المتوهجة، ومُساعدة زوجها في ثني وتطويع قضبان الحديد، ليقوم بتشكيلها كآلات حادة. كما تعمل عائشة على النفخ في "الكور"، وهو أداة تُستخدم لإحماء النار، وزيادة اشتعالها للوصول إلى درجة حرارة مُناسبة تسمح بتطويع قضبان الحديد.
لا تتمنّى عائشة الاستمرار في هذا العمل، خاصةً مع كثرة الانتقاد الذي تتعرض له ممّن يرون أنها تعمل في مهنة لا تليق بإمرأة. وهي فعلاً تأمل، كامرأة حامل في شهرها الرابع، بأن ترتاح من عناء هذه المهنة المرهقة جسدياً ونفسياً، ومن مرافقتها الدائمة لزوجها بالقرب من الحديد والنار، إلا أن ذلك يبدو لها مستحيلاً. فصناعة السكاكين والسيوف والقواطع هي العمل الوحيد الذي يقيهم حاجة التسوّل ومدّ اليد للغير. فيزعجها تعرّضها للكثير من الانتقادات اللاذعة بسبب العمل في هذه المهنة، لكنها مُدركة تماماً لدورها العظيم في التعاون مع زوجها على تدبير نفقات أسرتهم.
ما ساعد عائشة على اكتساب هذه القوة والجرأة في حمل السيوف والقواطع وفي الإمساك بمطارق ثقيلة بكل ثبات، هو كونها نشأت في أسرة عوّدتها على حمل الآلات الثقيلة. فوالدها وجدّها كانا يعملان في صناعة الأسلحة البيضاء، ولم تحظ في طفولتها بالدمى والألعاب، وإنما عاشت الحال التي تعيشها مع بناتها اليوم، وقد بدأن في مساعدة والديهما والجلوس أمام النيران.
ولا يبدو زوجها إبراهيم - مصري الجنسية - متحمّساً لعملها، بل إنّ عينيه تدمعان كلما لمح تعبها: "هذه مهنتي.. أن أعمل مع زوجتي في مهنة شاقة أفضل من التسول وانتظار مساعدات لن تأتي"، متابعاً: "مهنتي ليست مربحة، أبيع الآلات الحادة في الأسواق الشعبية في غزة كي أوفر لقمة العيش لأولادي". وفي أيام السوق الكثيرة، يحدث ألا يتمكن إبراهيم من بيع أية آلة قام بتصنيعها، مؤكداً أن الأسواق الشعبية هي المكان الوحيد لتسويق صناعته.

مُدرّبة القيادة على الشاحنات
للرواية فصول متقاطعة، فلم يمنع تقدّم سن الفلسطينية سميرة صيام (55 عاماً) من أن تكون أوّل سيّدة مُدرّبة لقيادة الشاحنات الكبيرة في قطاع غزّة، لا سيّما أنها كانت تقود الشاحنات في مطلع الثمانينيّات، وتحمل رخصة قيادة الحافلات ومن ثم الإسعاف.
وهي تُدرّب شاباً على قيادة الشاحنة، تروي سميرة أنّها في العام 1984 بدأت تتعلّم قيادة شاحنة كبيرة. وبعدما حازت على رخصة القيادة، واجهت صعوبات كثيرة، خاصة في ما يتعلّق بنظرة المجتمع إليها في تلك الحقبة من الزمن. إذ لم تكن أيّ من النساء الفلسطينيّات في قطاع غزّة تقود مركبة، بالإضافة إلى رفض المجتمع لهذه الظاهرة التي كان يعتبرها "غريبة ودخيلة".
تُضيف لـ "السفير": "أن تقود امرأة فلسطينيّة المركبة في فترة الثمانينيّات كان أمراً مستهجناً وغريباً، ولم يقبله المجتمع، لكني آثرت الاستمرار في هذا المجال، حتّى حصلت على رخصة التدريب عام 1987، داخل إسرائيل". بعد حصولها على رخصة التدريب، بدأت سميرة بتدريب الشباب الفلسطينيين على قيادة الشاحنات، مُشيرة إلى تعرضّها لكثير من الانتقادات والنظرات اللاذعة كونها أوّل امرأة تعمل في مجال تدريب الرجال على قيادة الشاحنات الثقيلة.
"كلام الناس مثل ضغط الهواء، تسمعه، لكن لا تراه". هكذا تصف سميرة نظرة المجتمع إليها. هي فخورة بنفسها وبخبرتها، لأنها كسرت أكثر من تابو، مُصممة على الاستمرار في مجال تعليم المُنتسبين الجُدد لمدارس القيادة.
تواصل سميرة تدريبها في مدارس قيادة الشاحنات في غزّة منذ العام 1991، وهي المُدرّبة الأولى على مستوى فلسطين (الضفة والقطاع)، وحاصلة على رخصة رقم "7" تجاري، وهي الرخصة الوحيدة التي تملكها امرأة على مستوى الأراضي الفلسطينية. ولا تجد المُدرّبة سميرة صيام، وهي أم لثلاثة أبناء، حرجاً في عملها هذا كمُدرّبة قيادة المركبات، لا سيّما أن أغلب المرتادين لهذه المدارس هم من فئة الشباب.
ساعدت سميرة نشأتها في بيت يمتلك الكثير من الشاحنات والجرارات الزراعيّة، على الخوض في مجال قيادة المركبات الثقيلة، وتعليم قيادتها أيضاً. فهي مهنة تُعتبر إلى حد ما حكراً على الرجال. وتوضح أن والدها وجميع أشقائها يُتقنون قيادة الشاحنات، ما دفعها لفرض فضولها، وتعلّم القيادة، وها هي تُعلّمها لأجيال وأجيال.
لا يُوفّر زوج سميرة، التي تقطن في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، أيّ تشجيع لها في هذا المجال، لا سيّما وهو الآخر يعمل مدرباً لقيادة السيارات. وهي تحلم بامتلاك مدرسة تدريب قيادة المركبات، تستطيع من خلالها تخريج مدربات ومدربين من الفئتين (الرجال والنساء) لقيادة السيارات والحافلات.

كاتبة العرائض الشرعية
قصتنا الرابعة من بين عشرات قصص النجاح والمٌثابرة التي تسطرها يومياً نساء غزّة تتناول حياة سيّدة تعمل في مجال "كتابة العرائض"، أمام إحدى المحاكم الشرعية. وقد جرت العادة أن يختص الرجال بأداء المهنة التي تتطلب ثقة القضاة والمحامين، بالإضافة إلى التركيز والحرص الشديدين.
السيدة الفلسطينية نوال شراب (55 عاماً) اقتحمت هذه المهنة غير آبهة بالنظرة الناقدة التي تتعرض لها في كثير من الأحيان من قبل زملاء العمل وبعض المراجعين للمحكمة. تتجاهل كلّ تعابير الاستغراب التي تلاحقها، لتصبح أول فلسطينية وربما الوحيدة التي تؤدي هذا العمل.
تروي السيدة شراب، التي تعمل أمام المحكمة الشرعية في مدينة خان يونس في جنوب قطاع غزة، قصتها لـ "السفير": "كان زوجي يعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنعه المرض وتدهور حالته الصحية من العمل. فأُجبر على ملازمة المنزل، ولم يقوَ على القيام بأي عمل آخر. حينها، قررتُ أن أبحث عن عمل لمساعدة أسرتي، من دون أن أنتظر مساعدة من أي أحد".
توضح أنها كانت تشاهد الرجال الذين يعملون على كتابة العرائض القانونية والمذكرات لمراجعي المحكمة الشرعية التي تسكن بجوارها. وبحكم الجوار، كانت تتابع عمل هؤلاء الكتّاب من شرفة منزلها، فتولدت لديها الفكرة أن تتعلم هذه المهنة وتبحث في خباياها. فقد رأتها مهنة مناسبة لها، لا سيما أن مكان العمل ـ المحكمة - قريب جداً من منزلها.
تُكمل شراب حديثها: "عرضت الفكرة على زوجي، لكنه رفض في البداية لغرابة المهنة على مجتمعنا الفلسطيني. لكن، بعد فترة، اقتنع ووافق شرط أن يرافقني للعمل في بداية الأمر حتى لا أتعرض لانتقادات أو كلمات جارحة من البعض".
بدأت نوال العمل بطاولة بسيطة تحمل بعضاً من النماذج القانونية الخاصة بالعمل، كعرائض الزواج والطلاق والميراث وما إلى ذلك من العرائض الشرعية. وبدأت تُناقش تفاصيل العمل وآليته مع بعض العاملين في المحكمة، الذين قدموا لها المساعدة والعون وشرحوا الخطوات الواجب اتباعها قبل وخلال وبعد كتابة العريضة.
تنشغل السيدة نوال في متابعة معاملاتها مع المراجعين للمحكمة بجد واجتهاد وتركيز عالٍ منذ 15 عاماً، وتشهد إقبالاً من المراجعين أكثر من غيرها. عن ذلك، تقول: "أصعب ما واجهته خلال عملي هو نظرة بعض زملاء العمل لي باستغراب واستهجان، حيث اعتبروني دخيلة على مهنتهم. وزادت هذه النظرة توتراً بعدما شاهدوا أن أغلب المراجعين يأتون إليَّ مباشرة.. لا أعرف السبب الحقيقي صراحة، قد يكون لحساسية بعض الأمور التي تخص النساء في المعاملات الشرعية.. رُبما كذلك".
بيد أنها تؤكد أن هذه النظرة التي تزعجها بدأت تقل مع مرور الزمن، وأصبح الجميع يعملون في جو من الألفة والقناعة بتوزيع الأرزاق. وتقول كاتبة العرائض شراب إن البعض يعتقد أن هذه المهنة سهلة ويمكن أن يُمارسها أي شخص، لكنها تُشدد على أن "العمل في الأوراق القانونية والقضائية، خاصة الشرعية، يحتاج إلى تركيز شديد ودقة في العمل، ولم أحصل على ثقة القضاة والمحامين بسهولة".
على الرغم من أن السيدة نوال شراب لم تُكمل تعليمها الجامعي بعد الثانوية العامة، إلا أنها باتت تُقدم نموذجاً فريداً للمرأة الفلسطينية العاملة، التي ترفض كلّ أشكال المساعدة المادية بسبب ظروفها الاقتصادية المتردية.. وقد استطاعت التغلب على الصعاب التي واجهتها خلال رحلة عملها في كتابة العرائض القانونية.