| 

تخشى نورا أن يأتي ذلك اليوم الذي يضطرها فيه مستوطنون إسرائيليون على مغادرة المنزل الذي ولدت فيه في عقبة الخالدية في البلدة القديمة في القدس. ولذلك، تجبر نفسها على البقاء في منزلها على مدار الساعة، فيخفق قلبها خوفاً مع كلّ قرعة لبابه.
لم تشهد جنبات البيت الصغير، الذي يبعد أمتاراً قليلة عن سور المسجد الأقصى، أسعد أيام نورا صب لبن.. ففيه، وجدت ابنة الثلاثة عشر ربيعاً نفسها مسؤولة عن عائلة بعد رحيل والدتها في ركنٍ باتت تستقبل فيه الآن المتضامنين الفلسطينيين والأجانب ويساريين إسرائيليين، شارحةً أن المنزل هو روحها.
لم يعد البيت رقم "33" في عقبة الخالدية كما كان. فمدخله يؤدي إلى بيت يسكنه مستوطنون. وللوصول إلى نورا، ستصعد درجات عدة لتجد منزلاً آخر على بابه كلمات عبرية يسكنه أيضاً مستوطنون.. تطرق الباب المقابل، وفقط بعدما تعرّف نفسك، تسمح لك نورا بالدخول.
عند الدخول إلى المنزل، تقابلك غرفة نوم صغيرة بلا نوافذ. تصعد عدّة درجات حتى تصل إلى غرفة جلوس يفصلها عن غرفتي نوم صغيرتين ممرٌ ضيّق. ترفع فيه رأسك إلى الناحية اليمنى فتجد غرفة حديثة عليها علم إسرائيلي. ومن الناحية اليسرى على السطح، بوابة حديدية صغيرة تعطي الانطباع بأن الانقضاض على هذا البيت قد يحدث في أية لحظة.

بدءاً من "حارس أملاك العدو"
حتى العام 2010، كان الوصول إلى المنزل يتمّ من خلال درج يؤدي إلى الممر، ومنه إلى غرفة الجلوس وغرف النوم. ولكن، في محاولة للمستوطنين إخراج نورا من منزلها، أغلقوا هذا الدرج ليصبح من المستحيل الوصول إلى البيت، وهدموا قبة تاريخية في إحدى غرف النوم ليقيموا على سطحها غرفة لأحد المستوطنين.
الكثير من المنازل في البلدة القديمة في القدس تتوسطها ساحات، تزرع على جنبات بعضها أشجار الليمون والحمضيات وتفضي هذه الساحات إلى غرف النوم والاستقبال، بينما أسطح الكثير من المنازل مقببة وجدرانها سميكة.
قالت نورا لـ "السفير" في بيتها: "هذا البيت جزءٌ من حياتي، طفولتي كانت فيه، وكذلك صباي، مع إنها كانت أيام صعبة فلا أذكر طفولة ولا صبا، ولربما هيأني ذلك منذ صغر سني لتحمل المسؤولية عندما أكبر. معاناتي كبيرة، لم أتمكن من معرفة أبي، وأمي توفيت وأنا صغيرة، وتركت لي أخاً صغيراً.. لقد خلقتُ أماً، وأنا طفلة".
لنورا ثلاث أخوات، وشقيقان أكبرهما كان يعيش في الأردن حين احتلت إسرائيل مدينة القدس في العام 1967. وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى اثنتين من أخواتها. أما الأخت الثالثة فتزوجت من أحد سكان بلدة بيت ريما، في قضاء رام الله، واعتقل زوجها بعد فترة وجيزة من زواجه، وهدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بيته، واعتقلته إدارياً لمدة عامين، قبل أن تُبعده إلى الأردن، فتلحقه زوجته إلى هناك.
"بقيت أنا وحدي ومعي أخي الصغير"، قالت نورا، مضيفة: "أمي توفّيت في العام 1968، ولم يكن لنا، أنا وأخي الصغير، معيل. فأقمنا أشهراً عدة عند خالتي حتى عاد أخي الكبير من الخارج وعشنا في هذا البيت. وقد حاولت مراراً أن أحصل له على لمّ شمل ولكن من دون جدوى. كان يبقى بموجب تصريح يتم تجديده".
ولدت نورا في العام 1955، أي بعد عام واحد أو عامين من استئجار والدها المنزل من حارس أملاك العدو في فترة الحكم الأردني.
وحارس أملاك العدو كان مسؤولاً عن الأملاك التي اضطر يهود لتركها بسبب حرب 1948، وكان يجمع الإيجارات ويضعها في خزانة الدولة. وكان الفلسطينيون قبلها قد استقبلوا اليهود المضطهدين في أوروبا، وأجّروا لهم منازلاً وأراضي، وحتى أنهم ملكوهم بعض العقارات في محاولة منهم للتخفيف عنهم معاناتهم التي تحوّلت لاحقاً لتصبح معاناة فلسطينية.
نورا هي واحدة من ضحايا تلك الحقبة، وبدأت معاناتها في العام 1974: "كانت أول قضية ضدنا في العام 1974 حيث طالبونا بدفع مبالغ هائلة كإيجارات. ومن خلال محامٍ، توصلنا إلى تسوية ودفعنا المبلغ". فبعد الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، تحولت جميع عقارات حارس أملاك العدو إلى ما يُسمّى "حارس أملاك الغائبين"، الذي إما يتقاضى إيجارات عن هذه العقارات أو يضع اليد عليها.
وبالإضافة إلى ما يقوله اليهود عن كونها أملاكاً لهم منذ ما قبل العام 1948، فإن حارس أملاك الغائبين يضع اليد على ممتلكات لفلسطينيين لم يكونوا متواجدين في عقاراتهم عند وقوع الاحتلال أو كانوا يعيشون في دول عربية تعتبرها إسرائيل عدوّة. ولكن، خلافاً لحارس أملاك العدو الذي كان يؤجر العقارات، فإن حارس أملاك الغائبين يبيعها للمستوطنين.
بدأت نورا تشعر بأن بيتها مستهدَفٌ في سنوات السبعينيات، إذ أن أحد المستوطنين حاول مقايضة تصريح أخيها بهوية للإقامة في القدس، مقابل التنازل عن المنزل. وقالت: "في سنوات السبعينيات، جاء أحد المستوطنين وفاوض أخي على الحصول على لمّ شمل مقابل التنازل عن المنزل، ولكن أخي رفض".

المستوطنون، لما "يهجمون"
حصلت نورا على شهادة الثانوية العامة من مدرسة "دار الطفل العربي" في القدس، ولكنها لم تتمكن من الالتحاق بالجامعة بسبب ظروفها المادية الصعبة. تقول عن حياتها: "أنا امرأة مكافحة من أجل بيتي وأولادي. لم أتمكن من إنهاء تعليمي الجامعي صحيح، ولكن بسبب ظروفي الصعبة لم أتمكن من ذلك. كان حلمي أن أنهي تعليمي الجامعي. للأسف، لم أتمكن من ذلك. ولكنني بحمد الله حققت هذا الأمر لأولادي، والآن أنا أدعم أحفادي لتلقي أفضل تعليم".
وأضافت: "لديّ 5 أولاد، ابنان وثلاث بنات، جميعهم جامعيون، وأنا أفتخر بهم وبهنّ، وهم يقدّمون الكثير للمجتمع".
تزوّجت نورا في العام 1979. وبعد شهرين من زواجها، أبعدت السلطات الإسرائيلية أخاها إلى الأردن لرفضه المتكرر المساومة في الحصول على إقامة مقابل التخلي عن البيت.
أصبحت نورا تقيم في المنزل مع زوجها وأولادها. ولكن، في العام 1984، راحت حياتها تزداد صعوبة. ففي ذلك العام، بدأت بعض حجارة المنزل تتساقط. أرسلت بلدية القدس الغربية رسالةً إليها تطالبها فيها بوجوب ترميم المنزل لأنه أصبح يشكل خطراً على المارّة قربه.
كان زوج نورا موظفاً بسيطاً، وبالتالي، فإن الترميم أتى بسيطاً أيضاً. غير أنه لم يكن كذلك بالنسبة إلى المستوطنين الذين سارعوا بمطالبتها بوقف الترميم. إذ فرضوا سيطرتهم على منزلٍ مقابل لمنزلها، وتمكنوا من إغلاق المدخل الوحيد إلى منزلها. فأصبح الوصول إليه يتطلب القفز على الجدران.
تشرح نورا: "أصبحنا في الشارع. ولذلك، استأجرنا بيتاً في بيت حنينا (شمالي القدس). وخلال تلك الفترة، كنا نحاول الدخول إلى المنزل ولكن من دون جدوى. وفي الفترة ذاتها، هدموا قبة إحدى الغرف، وأقاموا عليها شقة، ومنحوها لمستوطن يقيم فيها".
إذ تحرص جماعات المستوطنين على الاستيلاء على أكبر عدد ممكن من المنازل الفلسطينية القريبة من المسجد الأقصى، ومنها منزل نورا. فإلى جانب منزل نورا، ثمة مدرسة دينية يهودية يطلق عليها اسم "شوفوا بانيم"، أي "عودوا أيّها الأبناء"، وهي مدرسة تجلب يهوداً من ذوي السوابق الجنائية لتدريسهم التوراة، وهي معروفة بعداء مناهجها الشديد للعرب.
وعلى مسافة قريبة من المنزل، يقع مقر جمعية "عطيرات كوهانيم" التي تنشط في الاستيلاء على المنازل العربية في البلدة القديمة، وبخاصة تلك القريبة من المسجد الأقصى. يمولها الثري اليهودي الأميركي ايرفينغ موسكوفتش، الذي ينفق في هذه العملية عشرات ملايين الدولارات من أرباح نوادي قمار يمتلكها في الولايات المتحدة الأميركية.
كانت المحكمة الإسرائيلية في ذلك الحين تنظر في دعوى تقدمت بها نورا لتمكينها من العودة إلى منزلها. وفي الوقت ذاته، كانت جماعات المستوطنين تدّعي أنها أخلت البيت بعقد الإيجار لعدم إقامتها في المنزل، وبالتالي يتوجب عليها إخلاؤه.
وقالت نورا: "بقينا على هذه الحال حتى العام 1999. وحينها، قرر القاضي أن يأتي بنفسه ليرى المنزل. وتفاجأ بإغلاق المداخل، واضطر للقفز عن الجدار للوصول اليه. وعليه، فقد منحني الإذن بترميم المنزل، وفتح مدخلاً آخر له. فاستغرقنا ترميم المنزل وفتح مدخل بديل مدة سنة".
عادت نورا إلى المنزل ولكن الحياة لم تعد إلى طبيعتها بعد. فالمستوطنون استخدموا معها الإغراء تارة والاعتداء تارة أخرى: "كانوا يلقون علينا الزجاج والحجارة، وفي أحيان أخرى كانوا يقولون لي: لماذا تريدين البقاء في المنزل؟ بإمكاننا منحك المال فتغادري للسكن في أي مكان تريدين. كم تريدين مليون؟ 2 مليون؟ وكان جوابي لهم: حتى لو ملأتوا المنزل أموالاً، فإنني باقية هنا، ولن أغادر".


حملات دعم، وقلقٌ داهم..
بقيت الحال على هذا النحو حتى العام 2010 الذي شهد نقطة تحوّل خطيرة في قضية نورا. إذ أقدم حارس أملاك الغائبين على بيع المنزل إلى جماعات المستوطنين، فحوّل القضية إلى حربٍ مفتوحة بين نورا والمستوطنين.
مباشرةً، توجه المستوطنون إلى القضاء وطلبوا إخلاء نورا من المنزل. وهذه المرة، أتى الطلب بادعاء انها هجرته ولا تقيم فيه. ولكنها دافعت عن بيتها أمام القضاء الإسرائيلي، مؤكدة أنها خلافاً لما يقوله المستوطنون، لم تغادر منزلها. ولكنها كانت تدرك أن المعركة أمام القضاء الإسرائيلي ليست مضمونة لمصلحتها لاعتبارات سياسية بحتة.
"في العام 2014، سلّمونا أول قرار إغلاق"، قالت نورا مستذكرةً تلك الحادثة: "كنت خارج المنزل في مراجعة عند الطبيب، وكان حفيدي في المنزل وحده. طرق المستوطن الباب، ولكن حفيدي رفض فتح الباب. عدت سريعاً إلى المنزل، وكلفنا محامٍ بالقضية، فاستأنف على القرار". وأكملت: "لاحقاً، جاءوا لإخلائنا وجلبوا معهم معدات لكسر الباب. ولكن، كان في المنزل العديد من المتضامنين الفلسطينيين والأجانب ويساريين إسرائيليين. وعليه، فقد خافوا من اندلاع مواجهات وغادروا بعدما كانوا ينوون الاستيلاء على المنزل بالقوة".
وتابعت: "قدمنا استئنافاً إلى المحكمة المركزية الإسرائيلية التي قبلت الاستئناف وقررت تجميد الإخلاء. ولكن، في شهر ايار 2015، تسلمنا قراراً بأن الاستئناف مرفوض وأن علينا إخلاء البيت. ما اضطرنا للتوجه إلى المحكمة العليا التي جمدت الإخلاء حتى الرابع من كانون الأول الجاري، بانتظار أن يقدم المستوطنين موقفهم".
وفي مسعى منهم لوقف الإخلاء، أطلق الأبناء حملة: "أوقفوا إخلاء نورا" على الشبكة الالكترونية، مرفقة بعريضة: "ساعدوني في الحفاظ على منزلي" التي وقعها أكثر من 18 ألف شخص من مختلف أنحاء العالم، وتم تسليمها لمسؤولين أميركيين وأوروبيين وأممين.
وجاء في نص العريضة: "إلى السفراء، وممثلي الأمم المتحدة، وجميع وكالات حقوق الإنسان في القدس: كمواطنين مهتمّين من مختلف أنحاء المنطقة، نحن نطالبكم بزيارة منزل الجدّة نورا في البلدة القديمة في القدس. ونطالبكم بإدانة السياسة الحكومية الإسرائيلية الداعمة لممارسات المستوطنين في طردهم العائلات المقدسية من منازلها في القدس. ستساعد زيارتكم لمنزل الجدة نورا ومطالبتكم بوقف تنفيذ قرار إخلائها المنزل على منع المستوطنين وقوات الأمن الإسرائيلية من رميها في الشارع. الرجاء زيارتها على العنوان التالي: ٣٣ عقبة الخالدية، البلدة القديمة، القدس الشرقية المحتلة".
في موقف لافت، زارت نائب القنصل الاميركي العام دوروثي شيه المنزل، وكتبت على الصفحة الالكترونية للقنصلية الاميركية العامة في القدس: "قمنا بزيارة منزل عائلة صب لبن للتعبير عن قلقنا بشأن الإخلاء المحتمل من الحي الإسلامي في البلدة القديمة. لقد عاشت أسرة صب لبن في بيتهم منذ العام 1954، ولكنها تواجه الآن الإخلاء الوشيك وتكافح من أجل حقهم في الاستئناف، بالرغم من تمتع الاسرة بحق حماية المستأجرين. نشعر بالقلق من وجود نمط في طرد عائلات فلسطينية في القدس الشرقية. كل الناس يستحقون معاملة عادلة حسب للقانون".
تشعر نورا بنوع من الارتياح للتفاعل الغربي مع قضيتها، ولكنها عاتبة على الصمت العربي والإسلامي. تقول: "العالم لا يلتفت لنا، اهل القدس مهمّشون، لو كانوا اهتموا بالقدس منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي لما كان الوضع على ما هو عليه الآن. للأسف هناك تفاوت حتى فلسطينياً في المعاملة، بما في ذلك لجهة الترميم. فمن له واسطة، يتم ترميم بيته. ومن ليست له واسطة، فعليه الانتظار. لقد تقدمت منذ 15 عاماً بطلب ترميم، وحتى الآن أنا انتظر رغم الوضع الذي نمر به".
اليوم، تخشى نورا أن تستمر معاناتها: "المعاناة التي عانيتها كبيرة وثقيلة، 38 سنة في المحاكم والله أعلم كم كنت أعاني، نفسيتي تعبانة جداً، يحدث لي خفقان قلب، وقد عملت تخطيط للقلب مرات كثيرة وقسطرة للقلب وكل طبيب يراني يقول لي: هناك خوف في حياتك. طبعاً أنا أخاف! فكلما يُطرق باب المنزل، أخاف أن يكون المستوطنون هم الطارق، حياتي كلها قلق".
وأضافت: "لا حياة اجتماعية عندي، وإن اضطررت للخروج من المنزل، أكون قلقة. فيجب أن يبقى أحد في البيت.. حتى عندما أصلي، اضطر إلى إغلاق كل أبواب المنزل لأنني أخشى قدومهم ومباغتتنا. عندما أصلي، يجب أن أخشع. لا يمكنني الصلاة وأنا خائفة من إمكانية مباغتتهم لي وأنا أصلي.. حياتي صعبة".
وتابعت: "أخشى إرسال احفادي إلى الخارج، وحتى اذا خرجت مع ابني، فإنني أمسك بيده لأننا نخاف. أخاف أن يعتدوا عليهم، فالوضع صعب جداً".
تأمل نورا أن تجد نهاية لمأساتها، ولكن في بيتها. وتقول: "حياتي منذ أن كنت طفلة، صعبة. ألم يأت الوقت الذي أعيش فيه حياة مستقرة مثل باقي الناس؟ يكفي.. أريد أن استقر.. لقد كبرت ويحق لي كإنسانة أن أعيش حياة هادئة بدون انتظار.. كل حياتي انتظار.. في كثير من الأحيان، أكون جالسة، ويتم نقلي إلى الطوارئ لأن حياتي كلها توتر".
وختمت حديثها إلى "السفير" بالقول: " أخشى أن أفقد البيت لأن قضاءهم ظالم، وخاصة الآن. استخدم هاتفي النقال لالتقاط الصور في كل زاوية في البيت.. للزراعة القليلة في البيت.. للجدران.. وأتساءل: هل يمكنني أن احتمل رؤية بيتي وقد علقوا عليه العلم الإسرائيلي؟ ومستوطن يقف على نافذة المنزل؟ أنا أخشى ذلك كثيراً.. في صلاتي، أقول: يا الله لم تتركني وأنا طفلة، ولن تتركني بعدما كبرت".