| 

أملكُ في البيت، في تلك الغرفة الصغيرة التي لم تُعدّ لتكون لي، مكتبةً. فيها، أجمعُ كُتُباً لم أقرأ معظمها.
لم أختر يوماً أن تكون تلك غرفتي، لم أختر ترتيبها الحالي، ولم أختر حتّى لونها. كانت لي فقط بعدما اختار كلّ أخوتي غرفهم الخاصّة بهم. لكنّني أنا من اخترت الكتب التي ستوضع على رفوف المكتبة، برفق، كما اخترت ملامح أخرى تجعلني أرى الغرفة أخيراً بهيئةٍ تروقُ لي.
كنتُ أزور مكتبات عدّة، و "بسطاتٍ" تكسو قارعات الطّرق في أماكن مختلفة، كعمّان ورام الله والقدس وتونس، لأبحَثَ عن شيءٍ محدّد: بيروت.
كنتُ أبحث دائمًا عن عناوين كتبٍ لها علاقة ببيروت، أتاريخيّة كانت، أم روائيّة، أو حتى مصوّرة.
كنت أمعنُ النّظر في الكثير من الكتب، أشتري بعضها، أقرأ أجزاء معيّنة منها، أمسح الغبار عنها بين الحين والآخر، وأشمّ رائحتها دائماً.
****
"ألو ألو، ألو بيروت من فضلك يا عينيّي
أعطيني بيروت وعجّل بالخط شويّي
أعطيني بيروت وصّلني ع الصّنايع
قلبي هونيك ضيّعته وبعده ضايع".
كان صديقي يردّد كلمات هذه الاغنية لي دائماً، بصوتٍ حنون، وكان يقول مباشرةً بعد ترديدها: "شوفوا شوفوا كيف بيلمعوا عينيها بس تسمع كلمة بيروت، بتعدش تعرف وين تروح في حالها".
صديقي ذاته، يكره بيروت، وينعتها دائمًا بالنفاق والتصنّع، فنتشارع، وأصرّ على ذكر الأشخاص، الأشخاص المختلفين الذين ما زالوا يؤمنون بمفاهيم التعدّدية والحريّة، وأبدأ بتسميتهم / ن، وأنهي حديثي دائمًا بالقول: "هذول مش بيروت؟ هذول هنّ بيروت! هذول ما تخلّوش عن بيروت الحلوة اللي فينا كلنا".
فيقول صديقي: "خلص مش رح أزعلك، رح اسكت، خلّيكي حبّيها".
****
في وزارة الداخلية الأردنية، يقولون لنا أنّ المعاملة تحتاج إلى أسبوع، على الرغم من أنّ موعد الطّائرة التي ستقلّنا يحلّ في اليوم التالي. فأنظر إلى سامر قائلةً: "قلتلك. مش زابطة. مش رح نطلع".
أقف وسط شبابيك عديدة، يتصنّف الناس عندها وفقًا لجنسيّاتهم، فلسطينيين وسوريين وعراقيين. لم تقدر ذاكرتي الصوريّة على احتواء المزيد مما كُتب، بلمحة بصرٍ واحدة.
تحدث معجزة بعد ساعات، بين هرجٍ ومرج، وتنتهي المعاملة. فننتقل إلى المعاملة الثانية والأخيرة، نصل إلى المكاتب بعد جهدٍ جهيد، فيقولون لنا أنّ الدّوام قد انتهى.
أرمي سامر بالنّظرة الأولى ذاتها، لكن هذه المرّة مصحوبةً بالدّموع، وأعيد الكرّة: "قلتلك، مش رح تزبط".
وحتّى اللحظة، لا أدري كيف أنجزت المعاملة مختومةً بين أيدينا، بعدما تيقّنت من أنّ ما من قوّة في هذا العالم الساخط ستقدر على تغيير الأحداث المتراكمة سلباً.
إلا أن سائق التاكسي لم يتركنا دقيقة واحدة، وكان يربّت على أرواحنا قائلًا: "نيّتكم صافية يا جماعة، شو مالكم؟ أنا مكنش عندي شك ولا لحظة وحدة انكم رح تبقوا هون".
****
"قلبي ومفتاحه، دول ملك إيديه
ومساه وصباحه، بيسألني عليه".
الموسيقى الأولى التي سمعتها بعدما هبطت الطائرة في مطار بيروت، وبعدما كنت بحاجة إلى كمّاشة لتفصل أسناني الملتصقة ببعضها، ويدي اليمنى عن يد سامر اليسرى.
لم أقدر على الاستيعاب، حتى بعد خروجنا من المطار وتوجّهنا إلى الحمراء حيث كان ينتظرنا بعض الأصدقاء، ولم أقو على التصديق. شممتهم جميعًا. في الطريق، كنت أنظر حولي، كانوا يتحدثون إليّ واصفين لي الأماكن، وكأن شيئاً لم يحدث لي، لكنني كنت في مكانٍ آخر. لا أدري ما هو هذا المكان، وكانت دموعي تقف فوق رموشي السفلى، ولم تتحرّك أكثر، فقد تنشّفت في مكانها.
فقط كنتُ أكرّر السؤال إلى كلّ من يصحبني: "يعني احنا إسّا في بيروت؟".
أجهشت بالبكاء للمرة الأولى في اليوم الثالث، حين اعتلت أميمة الخليل مسرح الحفل الذي أحياه شربل روحانا وغنّت "طرقات وضجيج". بكيت بعدما اكتشفت كيف استطاعوا حرماننا من هذا الامتداد الثقافيّ الحياتيّ الطبيعيّ. بكيت حين تذكّرت الكثير من أصدقائي، وتمنّيت لو كان بإمكاننا، جميعاً، تحقيق ذلك. فذلك "أبسط" من أن يجعلنا غرباء في مكانٍ لنا. مكان يشبهنا، بكلّ تفاصيله.
فالطّعام مثلاً في بلدي، أقرب إلى الطعام في بيروت من الطعام الذي يتم تناوله في جنوب فلسطين.
****
كنت أحمل الكاميرا في حالة تأهّب دائمة، صوّرت الكثير من اللافتات، أسماء الأماكن التي لم أسمع بها من قبل إلا في أغاني الصّبوحة وفيروز وزياد الرحباني وخالد الهبر وغيرهم، وها هي قد أضحت حقيقة.
لا أعتمد بعد اليوم على ذاكرة متخيّلة حين أستمع إلى كلمات "بعلبك" أو "شارع الحمرا" أو "العين" أو "الأشرفية"، وغيرها الكثير، بل باتت لدي ذاكرة صوريّة دعّمتها بفائض التوثيق.
أتذكّر الأماكن التي عطستُ فيها حتّى، فعطساتي الأربع ترتّبن على جبيل، جزّين، حمّانا، وبيروت. وكم ضحكوا عندما كنت أقول لهم / ن إنني سأتذكر هذه الأماكن بالتحديد.
لوهلةٍ نسيت أنني أحقّق حلماً. لكنّ أصدقاء قدماء أنعشوا ذاكرتي برسائلهم السعيدة وقالوا: "حققتي حلمك يا ميسان، كسرتي الحدود".
كنتُ أدخلُ أحيانًا إلى أحد المقاهي في الحمرا، فأجد أشخاصاً أعرفهم، ويعرفونني، من دون ميعادٍ مُسبق. كانت السّعادة تغمرني لأنني التقيتُ مع أصدقائي في أماكنهم، في بيوتهم، ولم نخرج جميعنا لنلتقي في مكان خارج المكان. بعضهم لاجئون، والوضع الذي يفترض أن يكون طبيعياً يقضي بأن أزورهم في بيتهم في بلدتهم الحقيقية، والأهم، أن يستطيعوا ردّ الزيارة، هكذا، كبساطة الحديث عن الموضوع، أو كتابته.
كما تعرّفت على الكثير من جمال الرّوح، هناك. الكثير. لا أدري كيف يحدث هذا التواصل بهذه السّرعة. كأنّنا نعرف بعضنا البعض منذ أزمنةٍ عبرت. كأنه ليس اللقاء الأول. لكنني كنت أتساءل دائمًا، كيف سأتركهم وأذهب؟ هكذا؟ ببساطة؟ أعود إلى نمط الحياة ذاك من دون تواجدهم فيه وفي أدق تفاصيله؟ لماذا؟ هل سأدعوهم افتراضياً فقط ليردّوا لي الزيارة من دون أن تتحقق يوماً؟ لماذا علينا أن نحلم فوق ما يمكن للحلم أن يستوعب؟ لماذا نحمّله كل هذا العبء؟
لم أشعر للحظة واحدة أنها الزيارة الأولى لي في بيروت، أو في لبنان بشكلٍ عام، لم أشعر بالغربة، لم أشعر ولو للحظة واحدة بأنني في مكان مختلف.
وأذكر أنني تحدّثت للمرة الأولى مع والديّ على الهاتف، بعد مرور أسبوع على وصولي، فقالت أمّي: "أنا مبسوطة لأنك انت مبسوطة، كأني معك يا ميسان". وقال أبي: "قديش سافرتي يا ميسان، هاي أول مرة منحسّش إنك في الغربة".
رأيتُ مرّةً سيارة في الشّارع تحملُ لوحة أرقام كُتب عليها "دمشق". التقطت صورة لها، شعرت بوجع لا قرار له فجأة، غمرتني القشعريرة، وأكملت طريقي.
وصلتني الكثير من الرسائل من أصدقاء لبنانيين لا أعرفهم جيدًا يقولون فيها: "انبسطنا كثير لما عرفنا انك هون، اذا بدك اي شي نحنا موجودين".
كما قابلت أصدقاء أصدقائي، الكثير منهم، وشعرت بأنني مرسال روائح من أشخاصٍ لأشخاص، تفصلهم الحدود وتمنعهم من اللقاء الحقيقي. هذا اللقاء الذي تجسّد على مدار زيارتي. لقد حمّلوني الكثير من الهدايا، وهناك أشخاص لا أعرفهم، التقينا بسبب وجود أصدقاء مشتركين بيننا، حمّلوني هداياهم لأشخاص لا أعرفهم هنا أيضًا. لكنني لم أتردد للحظة واحدة في حمل ما يمكنني حمله، ولم أخذل أحداً، فأنا أعي تماماً ما هو شعور المرسل / ة والمتلقي / ة على حدّ سواء.
****
وصلنا إلى مخيّم شاتيلا. زرنا في البداية مقبرة الشهداء، حيث دفن غسان كنفاني، ابنة اخته لميس، والدة الشهيدة دلال المغربي، ووالد صديقي، ورأيت نصباً تذكارياً لشهداء مجزرة تلّ الزعتر.
ما لاحظته منذ دخولي إلى المخيم هو جمال الأشخاص، وجوههم تشعّ جمالاً. تعرّفت هناك إلى أطفال سوريين من أصل فلسطينيّ، وأخرين فلسطينيين ولدوا في المخيم.
توقّفت فجأة أمام لافتة عُلّقت فوق باب أحد البيوت، كُتب عليها: "راجعينلك يا عكّا". وقفتُ طويلًا، التقطت صورة لها، وبحثت عن المجموعة.
استمعنا إلى تجربة رجل ناجٍ من مجزرة صبرا وشاتيلا، كان يتحدّث عن كميّة الأشلاء التي رآها بأمّ عينه، عن عائلته، عن جيرانه، وأقربائه.
أنا أكتب الآن، ولكن لا أدري بأيّ حق أكتب عن تلك التجربة. رأيت كيف يعاني الفلسطينيون في مخيمات اللجوء في لبنان، ما شاهدته كان من أسوأ ما شاهدت من واقع معيشة، إذا لم يكن الأسوأ. تألمت من اصطكاك أسناني حينها، وشعرت بالغثيان حين كان الرجل يتكلم عن وقت حدوث المجزرة. شممت رائحة الموت، رأيت والديّ بصورة مشوّهة، رأيت أصدقائي على قارعات الطرق في قريتي، ينزفون ويُعدمون ويسقطون الواحد تلو الآخر. لعنت الظلم والظلام، وشعرت كم أن الموت ليس بعادل. حتى الموت.
****
بعدما أنهيت محاضرتي عن "ارفض، شعبك بيحميك" في الجامعة الأميركية في بيروت، الحراك الفاعل ضد التجنيد الاجباري المفروض على الفلسطينيين الدروز في الداخل المحتلّ، لاقيت اهتماماً كبيراً، وما زاد توتّري توتّراً، وما زاد غبطتي غبطةً، هو توجّه الكثيرين إليّ طالبين منّي طلباً بسيطاً: "ممكن نبوسك على جبينك؟".أخرون قالوا لنا: "انتو الحلم".
في اليوم التالي، خرجنا لنسهر في الحمراء، فتوجّهت إلينا مجموعة من الشابات والشباب سائلين: "انتو"ارفض"؟ سمعنا عنكن كثير، بس بدنا نقلكن يعطيكن العافية".
وكم هذا مبهج، كم أن جملة واحدة كهذه في مكانٍ كهذا وفي واقعٍ كهذا، ترطم برؤوسنا بأكثر من حائط وتضعنا أمام أفقٍ واسع من العمق والتفكير.
صغير جداً هو عالمنا بواقعه البائس الجميل.
****
لم أجرؤ على البكاء بعدما عدت إلى الروتين اليومي الذي أبى أن يستقر كروتين، إلا بعد ثلاثة أيام. لم أذوّت، لم أفهم ما جرى ويجري، لم أقدر على التعامل مع كلّ الحدث على أنّه حقيقة. حين أحاول استرجاع مشاهد، أتعامل معهم وكأنني أسترجع حلماً زارني في ليلتي الماضية.
لم أستطع الحديث عن الزيارة أيضاً، وكنت أكتفي بردّ واحد: "بنفعش تسألوني كيف كان".
بدأت بالكتابة عن زيارتي مع انتهاء الأسبوع الثاني. ومع انتهاء الثالث، عدت إلى نمط الحياة "الطبيعي".
أضحكني اتصال وردني من صديقي سيف، أحد الناشطين في الحراك وقد انتقل للدراسة في رومانيا، حين قال لي إن أحد اقربائه في لبنان، المتابع لنشاطات الحراك، اتصل به معاتباً إياه: لماذا لم يأت لتمثيل الحراك هناك في بيروت. استغرب حينها، وسأله عمّا يتحدّث، فقال قريبه: "شفت ميسان حمدان في الشارع".
****
لا أدري ما هو الطبيعي: أن نشعر بالاستغراب من القدرة على تحقيق زيارةٍ كهذه، نحصرها في الاستثنائي، فنسمح تالياً لمحاولات فصلنا عن امتدادنا بأن تتجذّر فينا؟ أم نتعامل مع الزيارة، بحدّ ذاتها، كأمرٍ طبيعيّ، فننظر إلى واقع الفصل كوهمٍ عابرٍ لا أكثر؟
لكن، كيف يكون التسليم بالعلاقات الافتراضيّة كواقع "طبيعيّ"؟ أم الأجدى بكلّ فرد منا أن يصيغ الفرضيات التي تناسبه / ا، تتماشى ومنظوره / ا الخاص لـ "الطبيعيّ"، فنأبى بأساليبنا المختلفة الاستسلام للحال، ونسعى إلى جعل الافتراضيّ ملموساً؟
هل ستغدو الحياة "طبيعيةً" يومًا؟ أو على الأقل، أبسط؟ أم يمكننا استيعابها كما هي، من دون جهدٍ فكريّ ونفسيّ؟ مَن يدري.. فقد قالت لي صديقتي: "زيارتك لهون قرّبتنا كلنا خطوة يا ميسان". وأظنّ، هذا هو الإحساس الأمتن.
جلستُ مع صديقتي لنتناول وجبة فطورنا، يومين قبل مغادرتي. فصدح صوت فيروز من الشاشة المعلّقة هناك: "ردّني إلى بلادي..". فقلتُ ضاحكةً: "هلقد مستعجلة عليي يا فيروز؟ ما أنا مبسوطة!".
أمّا الأغنية التي تلتها فكانت: "أنا صار لازم ودّعكن وخبّركن عنّي.."، فضحكتُ وصديقتي، وقالت: "لأ، هي مُصرّة".
وإذ بفيروز تراضيني بعدها قائلة: "سهار بعد سهار.. ت يحرز المشوار..".