| 

يرى المحامي يزيد أبو أحمد أن قضية موكلته أسماء سعيد حمدان، المعتقلة إدارياً منذ الخامس من تشرين أول الماضي، تعسفيّ وسياسيّ، "ما يدعو للقلق، كون الاعتقال يفتح باباً على أحكامٍ خطيرة وشبيهة، لا تتطلب قرار محكمة، على الشبان والشابات الفلسطينيين / ات في الداخل المحتلّ في العام 1948"، علماً أن أحكام "الإداري" حتى الساعة لم تكن تطال أهالي الأراضي المحتلة من حملة الجواز الإسرائيلي.
أسماء حمدان ابنة الـ19 عاماً، لم يسبق لها أن خاضت تجربة سياسية، ولم تتعرّض للتحقيق، وكان همّها منصبّ على استكمال تعليمها وإنهاء دراستها في مجال السكرتاريا الطبيّة. لكنّ التظاهرات والاحتجاجات والتصريحات الشبابية التي انتشرت عبر "فايسبوك" خلال هبّة القدس، حمّست أسماء ودفعت بها إلى توجيه رسالة لشقيقتها وصديقتها تقول فيها إنها تريد الاستشهاد. قلقت شقيقتها التي تعاني من حالة خوف نفسية، فأبلغت طبيبها في أحد المستشفيات في مدينة الناصرة عن رسالة أختها. فنصحها الطبيب بتقديم شكوى ضد شقيقتها لدى الشرطة. نفذت نصيحة معالجها، إذ خافت أن تنفّذ شقيقتها خططها بالاستشهاد، وأوصلت القضية للشرطة، فقام عناصرها على الفور بالبحث عن الفتاة واقتيادها من مكان عملها إلى التحقيق بصفتها تهدد أمن الدولة، فانتهت في سجن هشارون.
قالت أسماء لـ "السفير" عبر المحامي أنّ المحققين اتهموها بالتحريض على أمن الدولة على صفحتها على "فايسبوك". وبسبب عدم وجود ما يدينها قانونياً، تم الحكم عليها في المحكمة المركزية بالناصرة بثلاثة شهور من السجن الإداري، الذي لا ضرورة فيه لأدلّة. المحامي أبو أحمد قدّم استئنافاً للمحكمة العليا، وهي أعلى سلطة قضائية، على أمل التخفيف من الحكم الإداري، إلا أنّ القاضي تشاور مع "الشاباك"، ووضع القرار بيد عناصره في مسألة تقليل مدّة محكوميّة المعتقلة أسماء. وفي حال أذعن الشاباك لنصائح القاضي، سيتم تخفيف الحكم إلى شهرين.
في أثناء التحقيق مع أسماء في المحكمة، تساءلت المتهمة عن عدم ملاحقة السلطات الإسرائيلية للمحرضين والمتطرفين الاسرائيليين الذين ينادون بقتل العرب والتحريض عليهم، كما أشارت إلى القضاة بوجود عنصرية لدى الإسرائيليين وتمييز في الاعتقالات والحاكمات.

حيثيات القضية
وصفت أسماء تجربتها الأولى في سجون الاحتلال، وتحديداً في سجن الجلمة الذي شكّل المحطة الأولى لها قبل انتقالها إلى هشارون، أنّها تجربة سيئة ومخيفة، معزولة في مكانٍ ضيّق، وتقضي وقتها في الزنزانة لوحدها، وتشعر بنقص التدفئة في ظل البرد الشديد والروائح الكريهة المنبعثة من المكان. وحين طالبت بالخروج من الزنزانة بسبب قذارتها، هددها السجانون وأجبروها على البقاء بالقوة.
وأفادت محامية هيئة الأسرى حنان الخطيب أنّ حمدان تعرّضت للإهانات خلال استجوابها، وتعرّضت للتفتيش العاري خلال التحقيق معها لمدّة عشرة أيام، وتمّ تحويلها للاعتقال الإداري في سابقةٍ منذ سنوات لفتاة فلسطينية من الداخل.
ونقلت المحامية الخطيب عن لسان الأسيرة الفلسطينية أسماء فهد سعيد حمدان (18 عاماً) لـ "السفير" أنها اتهمت في التحقيق بأنها حرّضت عبر "فايسبوك"، لكن في الحقيقة فإن اعتقالها جاء على خلفية رسائل هاتفية شخصية لأقربائها وأصدقائها.
وسأل المحامي أبو أحمد أمام القاضي في المحكمة المركزية بالناصرة، في اليوم الأول لاتهامها بالتحريض على العنف: هل علينا اعتبار كل شخصٍ يقف ضد العدوان والظلم والاعتداءات على الأقصى بمثابة مُحرِّض؟ إذًا فلتعتقلوا نصف الفلسطينيين؟ وإذا كان التحريض بالكلام تهمة، فلماذا لا يُعتقل اليهود الذين يحرضون على التطرُف، ويكتبون على صفحاتهم: "الموت للعرب".
ويقول المحامي أبو أحمد: "إنّ الحكم الذي فُرض على أسماء سببه الوضع الأمني في الشارع الإسرائيلي الذي يبرز فيه التحريض ضد العرب، والاعتداءات على الأقصى والظلم والعدوان في مجالات عدة، ما أوصل الحكومة إلى مرحلة الخوف من أي شيء، من فتاة تعبِّر عن مشاعرها وتمارس حريّتها في الكتابة. وقد أقلقهم تصريحها أنها تحلُم بتذوّق طعم الشهادة". يتابع: "يبدو أنّ المحكمة لم تجد تهمةً تُجيز اعتقال حمدان سوى اتباع قوانين ساعة الطوارئ، والحكم الإداري معروفٌ بتطبيقه منذ العام 1948، في حال الحرب أو الطوارئ. وفي هذه الحالة، يجوز اعتقالها إدارياً من دون محاكمة، وهي اليوم باتت تحمل ملفاً أمنياً خطيراً لم تتوقَع أسماء أن تحمله على كتفها إلى الأبد". وشرح: "الحكم الإداري داخل إسرائيل لا يصدره سوى وزير أمن، وهذا ما فعله موشيه يعالون بإصدار قرار بتاريخ 13 اكتوبر / تشرين الأول بتحويل قضية أسماء إلى ملفٍ أمني. يذكر أن أسماء أنكرت التهمة الموجّهة إليها، وقالت إنها كتبت محض خواطر شخصية، وأنها لم تنوِ فعلاً القيام بعملية استشهادية في القدس لأنها لم تخرج من بيتها أصلاً ولم تصل إلى القُدس.
يضيف: "أنا كمحامٍ أستغرب هذه المعاملة الصمّاء للقضاة ورجال الشرطة والتي يظهر فيها رجال الشرطة بالمعاملة القاسية، وعدم استعدادهم لسماع أية مبررات حقيقيّة لما جرى فعلاً مع المعتقلة أسماء، وحملوها ملفاً أمنياً أكبر منها، علماً أنها اعتُقلت منذ اليوم الأول لاندلاع الهبة الشعبية في الداخل الفلسطيني، وظنوا في البداية أنها شاركت في التظاهرات، ولهذا السبب تمّ اعتقالها وتحويلها إلى السجن في هشارون.
وكان القاضي قد برّر القرار بسجن أسماء معتبراً أنّ "وضع المعتقلة مختلف، فهي عبّرت عن نيّة الشهادة وبدأت بمحاولة تنفيذ هذه النيّة، وأرسلت لصديقتها أنها ستتوجه إلى القدس. فقاموا بمحاسبة المعتقلة على ما تنوي التفكير فيه قبل فعله". أسماء في حديثها إلى القاضي أكّدت أنه ليس لديها أية نيّة لقتل أحد، وأنها تحب الحياة وترغب بالزواج، وأنها تأثرت بموجة الغضب التي حدثت فكتبت رسالة كما فعل كثيرون عبر "فايسبوك"، من الجانب العربي واليهودي أيضًا في إسرائيل. فلماذا لا يُحاسَب اليهودي على ما يكتبه من تحريض "الموت للعرب"، و "اذبحوا العرب"، لكن الحكم انتهى بقرار سياسي، "خاصةً أنه تمّ اخراجنا مع العائلة ليسمع قرار الشاباك، ثم صدرَ قرار إدانة للمعتقلة أسماء حمدان، بحسب المحامي.

الاعتقال الإداري
تقول المحامية سحر فرنسيس من "مؤسسة الضمير" الفلسطينية (مقرها رام الله) إنّ "الاعتقال الإداري هو اعتقال من دون تهمة أو محاكمة، يعتمد على ملفٍ سرّي وأدلة سريّة، ولا يمكن للمعتقل أو محاميه الاطلاع عليه. ويمكن، بحسب الأوامر العسكريّة الإسرائيليّة، تجديد أمر الاعتقال الإداري مرّات غير محدودة، ويتم استصدار أمر اعتقال إداري لفترة أقصاها ستة شهور قابلة للتجديد".
وعن استثنائية وضع أسماء، تشرح: "الاعتقال الإداري هو إجراءٌ مرتبط بالوضع السياسيّ في الأراضي الفلسطينية بالأساس، باستثناء حالة أسماء سعيد حمدان النصراوية التي حوِّلت للاعتقال الإداري، واعتبرها القضاة والشاباك خطر على أمن الدولة والمواطنين. الحكم الإداري هنا عقابٌ وإجراء سياسي يعبّر عن سياسة حكومية رسمية للاحتلال كعقاب للفلسطينيين في الداخل أيضاً، علماً أن الاعتقال الإداري بالشكل الذي تستخدمه إسرائيل محظور في القانون الدولي".
ويواصل الاحتلال في اصدار أوامر اعتقال إداري بحق شرائح مختلفة من المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية لنشطاء حقوق إنسان، عمال وعاملات، طلبة جامعيون / ات، محامون / يات، أمهات معتقلين، وتجار.
ويذكر هنا أن القاضي العسكري والمدعي العام يخدمان في الجيش الإسرائيلي، ويعملون في الوحدة القانونية في الجيش الإسرائيلي، ويتم تعيينهما تبعاً للهرم الوظيفي ذاته، وهناك عدد من المدعين العامين الإسرائيليين الذين عملوا ويعملون كقضاة حالياً في محاكم الاعتقال الإداري.
كما أنّ جهاز الأمن العام الإسرائيلي يأخذ بيده القانون ويقوم الجهاز القضائي بدور المنفذ فيه للسياسات الأمنية، محاولاً أن يضفي الطابع "القانوني" على سياسة الاعتقال الإداري (التعسفي). أيّ أن الجهاز القضائي لا يتسم بالموضوعية والاستقلالية، ويبقى متأثراً بالسياسات الأمنية وعرضة لتدخل الأجهزة الأمنية بذريعة أن المصلحة العليا الإسرائيلية تستوجب سياسة الاعتقال الإداري، رغم تعارضها مع مبادئ القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة وحقوق الإنسان.