| 

الخطوط في وجهها لا توحي بأنها امرأة قاسية، وإنما تشي بالفرح، بمتعةٍ ما في مسيرتها، كأنها رحلة بسيطة لم تكن محفوفة بالمخاطر، كأنها لم تكن على قاب قوسين أو أدنى من الموت. يبدو الأمر لها سجيّة شعورية لا بدّ منها أمام معاناة شعب يرزح تحت احتلالٍ استيطانيّ شرس.
كان من المقرّر لـ رونا ماكاي، الدكتورة البريطانية التي وصلت مع بعثة مستشفى "إيدنبرغ" الطبّي إلى مدينة الناصرة المحتلة في العام 1955، أن تغادر بعد انتهاء البرنامج خلال ستة أشهر.. إلا أنّها آثرت البقاء لتنخرط في السردية الفلسطينية على مدى ثلاثين عامًا. رمتها الحياة، لا بل قرّرت هي وبملء إرادتها أن تنغمس بتجربةٍ مفتوحة على احتمالاتٍ كثيرة لم تكن يومها تفقه تفكيك أيّ منها.
تروي لنا ماكاي أن، في تلك الفترة، أحداً لم يكن يفهم ما يجري، إذ لاحظت تلك الحيرة في صفوف الفلسطينيين وكأنهم يعجزون عن الاستيعاب. كان قد بات واجبًا عليهم الحصول على إذنٍ يوميّ للوصول إلى عملهم، مثلاً. وجدوا أنفسَهم فجأة أمام ظروفٍ قاسية فرضها عليهم ظرفٌ قاسٍ يستقرّ واقعاً.. واقع الاحتلال الإسرائيلي.


94 عاماً، بدقّة
تبلغ رونا من العمر أربعة وتسعين عاماً. لا تبخل في حديث ولا تتأنى في استحضار الذاكرة، كأنها محفورة داخلها، هي التي أمضت أربعين عامًا من النضال في مناصرة القضية الفلسطينية واللبنانية. تخبرني أنها زارت قريتي (ضهور الشوير) مع أصدقائها فنفرح كطفلتين بذلك. امتلاك رونا لسحر في السرد جعلني أشعر بأنني أنغمس معها في تلك التجربة، أعيش مسيرتها النضالية الآسرة تلك.
تبدو رونا فائقة الدقّة، تقدّمها في السن عتّق قصصها ولم يأكل منها. ثم إن نبرتها ترفع نمطاً من الإخلاص لقضية تحمل لواءها حتى يومنا هذا، فتهتم لإحياء التاريخ بأدق تفاصيله وبأبعاده الإنسانية. تصطحب المستمع إلى شوارع فلسطين آنذاك، أو تأتي بنبضٍ من الماضي إلى الحاضر. قدرتها على السرد استثنائية. فهي لا بدّ عاشت أعوامًا وأحداثًا خارج إطار تلك السنوات الفلسطينية الأربعين، لكنها تستحضر هذه الأعوام بكليتها عندما تروي، فتختصر نفسها بها، ولا تترك حيزًا لحشرية أو تساؤل ما من دون أن تشبعه.
بعد انتهاء عمل البعثة الطبية البريطانية، تقول رونا إن أحقية هذه القضية عادت بها إلى فلسطين المحتلة بعد رحلةٍ قصيرة إلى الهند. عادت لتعمل في وزارة الصحة الإسرائيلية، ضمن مشاريع في قرى الجليل وسواها. فنفّذت حملات توعية حول الطب الوقائي، وكيفية اعتناء الأمهات برعاية وصحة أطفالهن.
استمرّت رونا في عملها هذا حتى العام 1985، حين بلغت سن التقاعد القانونية. فعادت إلى إدينبرغ محمّلةً بذكريات عمرها ثلاثين عامًا. تقول إنها رأت ما يصعب عليها نسيانه أو تجاهله، رأت ناساً يُطردون من أراضيهم، هكذا، فجأة، وعائلات تهدَّم بيوتها فوق رؤوس أفرادها، وأطفالاً تتبعثر أجسادهم في الطرقات، وجرافات تزيل أحياء بكاملها. لم يكن من السهل أو المنطقي لشخص مثل رونا أن يكمل حياته بعدها وكأن شيئًا لم يكن، كأنها كانت في مهمة، وقد انتهت..

صديقة حقيقية، وبيدها حجر
بعد عودتها إلى مدينتها، قرّرت رونا التخصّص باللغة العربية والدراسات الإسلامية في إحدى جامعات إيدنبرغ، وذهبت في صيف السنة الأكاديمية الأولى لزيارة المخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث كانت الحرب الأهلية في أوجها.
لما تخرّجت رونا وحملت الماجستير، باشرت بتنفيذ غرضها منه ومباشرة عملها من جديد: "لا طائل من الدراسة إذا لم تكن لخدمة القضية"، تقول مبتسمة بهدوء. خلال الانتفاضة الأولى، عملت رونا مع مؤسسة المساعدات الطبية لفلسطين في مستشفى محمد علي في الخليل.
وفي العام 1992، قصدت رونا لبنان للعمل مع المؤسسة نفسها في الجنوب، متنقلةً بين المخيمات المحيطة بمدينة صور، بما فيها مخيما الراشدية والقاسمية.
عادت رونا للاستقرار في إيدنبرغ سنة 1994، إلا أنها كانت تتجوّل خلال هذه الفترة في أرجاء الشرق الأوسط كافة، لمراقبة سير عمل مؤسسة المساعدات الطبية لفلسطين.
وفي العام 1995، نشرت رونا كتابًا بعنوان "منفى في إسرائيل" غطّى تجربتها الغنية في الشرق الأوسط وآراءها ومشاهداتها في بعض الأحداث المفصلية، وتناولت فيه ماكاي تاريخ فلسطين، اللجوء واللاجئين، العمل في الناصرة، مشاهداتها ومطالعتها لحرب الأيام الستة، ثم حرب أكتوبر 1973، الاجتياح الإسرائيلي للبنان والحرب الأهلية، الانتفاضة الأولى، مؤسسة الدعم الطبي لفلسطين، ومواضيع أخرى بعضها شائك.
قدّمت للكتاب الدكتورة البريطانية آنغ سوي شاي، صاحبة كتاب "من بيروت إلى فلسطين". فقالت عن صاحبته: "رونا داعم أساسيّ لنا، لا تعرف التعب، هادئة ومتماسكة في الشدائد، نحن على يقين تام بأن الله قد أنعم على الشعب الفلسطيني بصديقة حقيقية".
¬¬ وتقديرًا لجهودها وتضحياتها، كانت رونا أولى الحاصلات/ ين على جائزة "فرانسيس خو" التي تمنحها مؤسسة الدعم الطبي لفلسطين، تخليدًا لذكرى فرانسيس، وتكريمًا للأفراد (أو المؤسسات) الذين بذلوا جهودًا جبارة في دعم القطاع الصحّي وتعزيز مقام الشعب الفلسطيني.
تشرح ماكاي عن استمرارية المسيرة: "كوني أمضيت الجزء الأكبر من حياتي في فلسطين يشعرني بأنني فلسطينية أكثر من أي شيء آخر. لا أستطيع ألا أن أفي بالتزاماتي في كل عام. تنضمّ إلينا وجوه جديدة وهو أمر رائع لنشر الوعي في هذا المجال". تقولها جازمة إنما بنبرة طفولية حماسية تترك أثرها في محاورها، وكأنه يحادث طفلة ترشق دبابة بحجر.
تكمل الطبيبة البريطانية آنغ سوي شاي، وهي الناشطة التي اكتسبت الجنسية الفلسطينية المعروفة، وزوجة الدكتور "فرانسيس خو"، في مقدّمة الكتاب: "لقد دعمت رونا الفلسطينيين في أحلك الظروف. وحتى عند عودتها إلى بريطانيا، ذهلتُ حين سمعت شخصًا يقول في أحد الاجتماعات إنه انضمّ إلى مؤسسة الدعم الطبي لفلسطين بعد ثلاثين عامًا من العمل الطبي المتواصل فيها". هذه كانت رونا.
عندما تقع العين على ماكاي، ولو افتراضيًا، لا يبدو ما تقوله شاي عنها مبالغًا فيه. فهي امرأة تعتصر الحياة حتى رمقها الأخير، تتحدّث عن مشاريع الغد بشغف، وتنظّم فعاليات سنوية لدعم الشعب الفلسطيني، وتلتزم بمواعيد كثيرة معه.