| 

"الحيوات تسرق. تذكّروها. نحن لسنا أرقامًا، نحن لسنا أضرارًا تبعيّة. نحن نملك أسماءً ووجوهًا".
- من فيديو التّضامن الأسود – الفلسطينيّ: "عندما أراهم، أرانا".

"عندما أراهم، أرانا".
"عندما أراهم، أرانا"، هكذا يبدأ الفيديو القصير من إنتاج التّضامن الأسود - الفلسطيني الذي يرى في تحرّر الآخر تحرّره، وفي قمع الآخر قمعه. "كلّ 28 ساعة، تؤخذ حياة سوداء على أيدي الشّرطة وحرّاس القانون. كلّ ساعتين، تؤخذ حياة فلسطينيّة في غزّة". من بعدها، يتناوب أكثر من ستين ناشطاً فلسطينياً وأسود على مقاربة حوادث وأسماء من جانبي المحيط، في فلسطين والولايات المتّحدة. عدا التّعبير عن التّضامن ما بين الشّعبين ومقاربة العنف الممأسس بينهما، يسعى الفيديو إلى أنسنة القصص المقموعة والمتناسية والمهمّشة في الإعلام السّائد. فيضعون وجهًا للرّقم وعمرًا للاسم. يذكرون الأحداث بشكلٍ قصصيّ، ويستخدمون اللّافتات المحمولة مع العبارات التّضامنيّة ما بين الشّعبين: "غزّة تتضامن مع بالتيمور"، و "جميعنا في السّجن".. "يعتبرون رحمنا خطرًا"، و "يروننا خطرًا ديموغرافيًّا".
فيه، يذكرون اسم إيرك غارنر، الّذي كان يبلغ من العمر 43 عامًا عندما قتله الشّرطيّ الأميركي خنقًا وهو يعلن له أنّه "لا يستطيع التّنفّس". ومن بعدها، يذكر اسم غالية الغنّام، الّتي كانت تبلغ من العمر 7 سنوات لما قتلت عند وقوع صاروخٍ إسرائيليّ وسط منزلها. "التّضييق، الضّرب، التّعذيب، التّجريد من الإنسانيّة، التّوقيف... التّفتيش على الحواجز، الاعتقالات الإداريّة، وحبس الشّباب. عندما أراهم، أرانا"، يكملون.
الفيديو، وطوله بضع دقائق، يجسّد فصلًا مرئيًّا من التّضامن والتعاون الأسود - الفلسطيني، والّذي ابتدأ في الصّيف الماضي في غضون الحرب الأخيرة على غزّة. ابتدأ عند قتل الشّرطيّ الأميركي للمراهق الأسود مايك براون، بينما كان يقتل الجيش الإسرائيلي الفلسطينيّين بالآلاف في غزّة والضّفّة. فكان محفّزًا لنوعٍ من التّخاطب العابر للقارّات والحكومات، بين شعبين يعانيان من القمع والعنف الممأسس في فلسطين والولايات المتّحدة. وتجلّت إحدى أبرز لحظات التّعاون في تحميل النّاشطين الفلسطينيّين صورهم المتضامنة مع ما يحدث في سانت لويس وفيرغسون، كما تشارك الإرشادات عبر وسائل التّواصل الاجتماعي لمساعدة النّاشطين في أميركا على التّعافي من استنشاق الغاز المسيل للدّموع.

العنف الممأسس والتّجريد من الإنسانيّة
جاء في بيان التّعاون الأسود - الفلسطيني أنّ النّاشطين يرسمون من خلاله "الرّوابط ما بين منظومة العنف والتّجريم الّلذين يجعلان من الأجساد السّوداء والفلسطينيّة في غاية الجهوزيّة للاستهلاك".. أي أنّه يربط ما بين العنف الممأسس في فلسطين وذلك في الولايات المتّحدة، والّذي تمارسه السّلطات الحاكمة ضدّ الفلسطينيّين والسّود. فأجساد الشّعبين في المكانين معرّضة للعنف والسّجن العنصري كما التّجريد من الإنسانيّة. لكنّ التّشابه بين المكانين لا ينبع فقط من الممارسات المتشابهة، بل أيضًا من التّرابط المباشر بين منظومتي الحكم. فأشار النّاشطون إلى التّعاون ما بين الشّرطة المدنيّة في الولايات المتّحدة والدّولة الإسرائيليّة، كما حصل مؤخّرًا في الهبّة الأخيرة في فلسطين لما طلب المستوطنون من الشّرطة الإسرائيليّة استخدام التّكتيكيّات ذاتها الّتي استخدمها عمدة نيويورك رودي جولياني بين السّنوات 1994 و2001، والّتي تنصّ على محاربة جميع الخروقات الصّغيرة في المدينة من دون أيّ تساهل. فكان أن وصلت نسبة المعتقلين من الأفارقة الأميركيّين الى 50 في المئة، بينما لم تتعدّ نسبتهم الرّبع من سكّان مدينة نيويورك حينها.
وجاء أيضًا في البيان أن أهميّة الفيديو تكمن في محاربة المنظومة لجهة تجريد السّود والفلسطينيّين من إنسانيّتهم. إذ عن طريق إعادة سرد القصّة واستملاكها من جديد، يعيد كلّ من النّاشطين والأكاديميّين والفنّانين التّفاصيل لمن سرقتها منهم السّلطات خلال الاعتقالات والموت العبثيّين (عبثيان لكن منظّمين في تمييزهما الممأسس): "هذا الفيديو يهدف إلى مقاطعة هذه العمليّة ـ إلى تأكيد إنسانيّتنا ـ وإلى وقوفنا معًا في تأكيدنا للحياة والتزامنا للمقاومة. من فيرغسون إلى غزّة، من بالتيمور إلى القدس، ومن شارلستون إلى بيت لحم، سنكون أحرارًا". عن طريق السّرديّة الجديدة (المختصرة والجاذبة بشاعريّتها) واستخدام ذات القناة الّتي تستخدمها السّلطات لتجاهل الأخيرة ولمخاطبة أحدهما الآخر، ينتج الحراكان بيانًا مرئيًّا يظهران فيه وعيهما للعنف والظّلم الممأسس المتشابهين الممارسين ضدّهما، وينصّان فيه على رؤية مشتركة تلهمها وتعزّز من عزمهما. في نهاية الفيديو، يقولون سويًّا: "نحن أقوياء، صامدون، ومصمّمون. أرى الهدف من وجودنا، أحياء، أحرارًا، محرّرين، وأسياد مصيرنا. أرى الأمل والقوّة والحبّ، ومكانًا حيث يستطيع أبناؤنا الحلم، أرى طريقًا، شريكًا، وأسرة، عالمًا ننهض ونكون مرئيّين فيه".

متشابه لكن غير متطابق
بينما يشدّد البيان على التّقارب ما بين الحيوات السّوداء والفلسطينيّة، تراه يذكر أيضًا أنّهما ليستا متطابقتين. فهما متشابهتان في تهميشهما وتجريدهما من إنسانيّتهما، متشابهتان في استملاك قصصهما وصراعاتهما (كما حاولت الأزياء الإسرائيليّة استملاك الكوفيّة، وكما استملكت الشّرطة الأميركيّة عبارة "الحيوات السّوداء مهمّة –ـ بلاك لايڤز ماتر ـ وحوّلتها إلى "الحيوات الزّرقاء مهمّة"، كردّ على مقتل الشّرطيّين في شتاء 2014)، لكنّ سياقهما مختلفان. هما متشابهان في صراعهما ضدّ العنصريّة والطّبقيّة، لكنّ أسبابهما تختلف، ورؤيتهما لتحرّرهما، ولو أنّها متشابهة في خطّها العريض، تختلف بتفاصيلها (كما هو اختلاف الحال مع الأصلانيّين في أميركا الشّماليّة). فالسّود أو الأفارقة الأميركيّون لم تسلب أرضهم منهم كما الفلسطينيّون، بل كانوا هم من سُلبوا من أرضهم (الشّكر للاستعمار في الحالتين!). تاريخهم في الأرض الجديدة حافل بالاصطدامات العنصريّة بسبب لون بشرتهم، أمّا في فلسطين فسكّان الأرض يواجهون عنصريّة دينيّة - سياسيّة (ولا تخلو من التّمييز المبني على المظهر الخارجي بطبيعة الحال). العبوديّة في الولايات المتّحدة ابتدأت منذ قرون، أمّا الدّولة الإسرائيليّة ومنظومتها العنصريّة فما زالت صغيرة السّنّ (ولو أنّ مفعولها قويّ) بالمقارنة. وهو ما يؤكّده النّاشطون في الفيديو أيضًا: "نحن نحترم خاصّيّة صراعاتنا وتاريخنا المختلف"، لكنّ ذلك لا يمنعهم من التّأكيد مرّة أخرى أنّه "عندما أراهم، أرانا".

الرّؤية عن بعد
أهمّيّة تأكيد هذه الخاصّيّة تنبع من بُعد الحراكين الجغرافي، ما قد يفقد رؤيتهما تفاصيل إحداهما الآخر. فالفيديو، وأيضًا التّعاون الأسود - الفلسطيني عامة، يعتمد صياغة التّضامن بلغة الرّؤية، في حين أنّ الحراكين من أبعد ما يمكن أن يكونا عليه عن الرّؤية المباشرة. فباستثناء بعض الزّيارات الّتي قام بها النّاشطون والنّاشطات من الحراكين أحدهما للآخر (وهي مهمّة)، لا يستطيع الشّعبان رؤية أحدهما الآخر فعليّا. الميديا ووسائل التّواصل الحديثة هي ما يسمح بإتمام المقارنة والرّؤية. أي أنّ العمليّة تحصل بغالبيّتها عن بعد وبتمكين من التّكنولوجيا. لكن عدا فقدان الخاصّيّة (وهو أمر يعيه الطّرفان)، هنالك ميّزات إيجابيّة لهذا البعد. فهو أحيانًا يتيح رؤيةً أكثر وضوحًا. كما في اللّوحات الانطباعيّة، كلّما اقتربنا من اللّوحة وألوانها، كلّما قلّت وضوحًا، بينما العكس صحيح عند الابتعاد عنها. تتكامل ألوانها وتندمج تفاصيلها في صورة أكبر. هذا البعد يمكّن إمكانيّات النّصح والإرشاد (ومثال بسيط على ذلك إعانة النّاشطين من فلسطين رفاقهم في الولايات المتّحدة على تفادي عنف الشّرطة أو الشّفاء منها). البعد أيضًا يولّد حصانة تقوّي من الطّرفين وتزيد استعداديّتهما لمساعدة أحدهما الآخر كما وتوسّع آفاق رؤيتهما. على الرّغم من كبره، أو ربّما بسببه، من الممكن أن يستخدم هذا البعد لتّأكيد أهميّة النّضالين، وغيرهما من نضالات المهمّشين في العالم.
هذا التّعاون يمهّد لتعاونات مشابهة، يقوم فيه النّاس بمخاطبة بعضهم البعض بدلًا من استلام القصص عن طريق الإعلام الممأسس. فيفتح الطّريق أمام رؤية أوسع جغرافيًّا وبالتّالي مصيريًّا. فبينما استولت القوى الاستعماريّة في الماضي على سرديّة الشّعوب وعزلتها بعضها عن الآخر جغرافيًّا وجسديًّا، تنفتح اليوم آفاق جديد للشّعوب المقموعة، سواء سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو اجتماعيًّا، لشبك الأيادي، التّمحيص في تفاصيل وخاصّيّات أحدهما الآخر، ومشاركة الدّروس الجماعيّة والخاصّة الّتي تعلّموها وما زالوا يتعلّمونها في صراعاتهم، كما النّصائح والنّقد البنّاء.

"هي مهمّة لأنّنا نجعلها كذلك"
هذا التّعاون عن بعد هو أيضًا ما يسمح بمشاركة وتكريم الحبّ كأساس للنّضال أينما كان. في حديثٍ لها مع "نيويورك تايمز" عن حراك "بلاك لايڤز ماتر" (الحيوات السّوداء مهمّة)، تذكر المفكّرة السّياسيّة البروفسورة جوي جيمز أنّنا كثيرًا ما ننسى أنّ أساس نضالاتنا، غضبنا، ومقاومتنا هو الحبّ. أنّ النّساء النّاشطات ضدّ العبوديّة في القرن التّاسع عشر "أحببن الحياة والأسرة والمجتمع. فألهمن إعادة خلق أميركا عن طريق الحركات الاجتماعيّة والسّياسيّة". أي كثيرًا ما ينسى المناضلون والمناضلات أهمّيّتهم /ن عند بعضهم /ن البعض. عن طريق نداءٍ بسيط كالمطلق في الفيديو، عن طريق تعاون عابر للقارّات، مع كلّ ما فيه من بعد، (كتبنّي الفنّانين وغيرهم من الأكاديميّين السّود حركة المقاطعة ووقوف الفلسطينيّين في تظاهرات تضامنيّة مع السّود في أميركا)، يذكّر المقموعون أنفسهم بمدى اهتمامهم بإنسانيّة أحدهما الآخر، غضبهم تجاه القمع الممأسس أينما كان، وحبّهم الحياة "ما استطاعوا إليها سبيلًا". وعلى الرّغم من تجريد السّلطات إنسانيّتهم، ما زالوا هم يتذكّرونها ويعيدون خلقها. فتنهي جيمز حديثها بقولها إنّ ""بلاك لايڤز ماتر" لأنّنا نجعلها كذلك". حياة الآخر مهمّة لأنّنا نجعلها تهمّ، لأنّنا نحارب السّلطات والمعنيّين إرادتهم نسيانها وتطبيع موتها. هي رؤية وعصارة الحراك الّذي يتخاطب الآن مع فلسطين وغيرها من النّضالات.

"بلاك لايفز ماتر"
أسّست حراك "بلاك لايڤز ماترز" ثلاث نساء أميركيّات، هن: پاتريس كولرز وأوپال تومتي وأليشيا غارزا. وقد ابتدأنه في العام 2013 كردّ فعل على الإعفاء عن الشّرطيّ جورج زيمرمان، قاتل الشّابّ الأسود ترايڤون مارتين في العام 2012.
ابتدأ الحراك كاحتجاج على الاستهتار بالحيوات السّوداء وتهميشها وقتلها من دون رادعٍ. وانتقل الحراك وتظاهراته إلى الشّارع بعد المزيد من عنف وقتل الشّرطة للسّود في العام 2014.
أمّا الحراك الأسود - الفلسطيني فقد تطوّر بالذّات بعد عدوان إسرائيل على غزّة صيف 2014، واستمرّ بالنّموّ في العام 2015، متشكّلًا في عدّة مبادرات تعاونيّة، كزيارة وفد من الحراك الأسود إلى فلسطين، وتوقيع العديد من النّاشطين والأكاديميّات والمنظّمات السّوداء لبيان داعم للفلسطينيّين، وكذلك في الفيديو الأخير الذي يعالجه النص، وقد شارك فيه فنّانون وفنّانات، ناشطون وناشطات، مثل كلورين هيل، أليس ووكر، عمر البرغوتي، د. كورنيل وست، أنجيلا دايفيس، "دام"، وآن ماري جاسر.