| 

ثلاثة رفاق، يقتربون في قصصهم من رواية "البؤساء" لفيكتور هوجو، وتحديداً لجهة الخروج من السجن، وتحدّي هذا العالم بما يملكون من أشياء بسيطة.
يُطفئ الرفاق أجهزتهم الإلكترونية في العادة، إلا من "السكايبي" الذي يجمعهم من "دولهم" بالمكان السجين فلسطين، بكل ما يحمله من ذكريات وقصص ووقائع، يهمسوا بعضاً من أسرارهم المشتركة في ساعةٍ افتراضية تساعدهم على تنفّس الحياة. يزجّون بكلّ أفكارهم في هذه الصورة المسموعة.
تُفتح الشاشات: الوجه مبتسِمٌ قبل أن يشير بيده، يقول كيفك، أو اشتقتلك. ويفرط الكلام رويداً رويداً، فتُضبط الساعة لتفريغ أكبر كمّ من الكلام قبل أن يحاصرهم فرق التوقيت، أو اختلاف المواعيد.
ثلاث زوايا، وثلاث رؤى، تلك التي تمثّل معرفة إنسانية تخفف من روعة الرصاص، وتُقلل من حدّة الموت بعض الشيء. هي صوتٌ يعلو فوق صوت القنابل.
ثلاث قصص، تعكس حضورها في ثلاثة فنانين، في لعبة قدر! فقد قدّموا ثلاثة معارض فردية في ثلاث مناطق مختلفة في الأسبوع ذاته: إبراهيم جوابرة في عمّان، بشار الحروب في رام الله، وهاني زعرب في لندن.

مكانٌ آخر
معرض الفنان إبراهيم جوابرة، الذي قدّمه في "غاليري وادي فينان" في العاصمة الأردنية عمّان، هو مشروع يضمّ عدداً من اللوحات الفنية التي تهيّج الذاكرة بحنينٍ للماضي، ودفءٍ داخلي، تلمسه من أثر اللون الذي يمتد بمساحات هندسية على سطح لوحته، ويفتح تساؤلات حول علاقاتنا مع العائلة. من هذه الدائرة المنضبطة أو المجنونة (الأسرة)، يخلق لغة خاصة لكلّ مجموعة، تعكس رؤاها داخل المجتمع، لتخلق اختلافاً أو تجانساً مع محيطها الاجتماعي التعددي.
العائلة ومضة لفكرة تُشع في داخل الحارات، وحواف المدن، تشكّل نسيجاً اجتماعياً كعناقيد العنب، لكلّ حبةٍ حجمها وطعمها، لكنها تبقى عنباً. العائلة هنا، وفي نظرة من خارج تقاليدها، تبدو للحظةٍ ما كأنها كانت متجانسة، ومنسابة مع الامتداد الطبيعي للمناطق، حيث الوادي والجبل، الدار والحوش، البابّور وخبز الطابون، ولهجة لا تخلو من مثلٍ أو تعليقٍ ساخر في آخر القصة.
العائلة كان لها كبير، وكبيرها يشبه الحكواتي، له شكلٌ وطعمٌ ورائحة، صلب لكنه حنون، يقترب من أطفال الحيّ ليخرج حبة الملبّس من جيبته، فرحين بها يجتمعون حوله بالأعياد والمناسبات ليسمعوا آخر قصصه التي تبث الحب والشجاعة، عائدين إلى دارهم في وقت الغروب ليلتّموا معاً. والأخوة كلهم في غرفة واحدة مجتمعين على مائدة الطعام التي لا يتجاوز عدد أصنافها النوعَيْن، ناظرين لعيون بعضهم مبتسمين، لأنّهم لا شكّ في أنهم ارتكبوا حماقة ما، كأن يكونوا رموا بعض الحصى على بيوت الجيران، أو قرعوا باب الحاجة أم عبد الله ليرعبوها.
هذه هي العلاقة التي يمكن فهمها في أعمال إبراهيم جوابرة، فعناصر اللوحة تتوحّد على أصيص الورد، والقطط، وأفراد العائلة المجتمعة في أغلب أوقاتها. هذه الذاكرة لا تنفع من دون بساطة الأعمال كما قُدّمت، لتزيح عنها عبء التفاصيل، وتحمل لنا هذه القصص الشفافة، التي ما أن تلتقي العين بها حتى تعود مباشرة إلى تاريخٍ ما من الطفولة، في مكانٍ محدد، مع أصدقاءَ محددين، ليبدأ الغوص في هذه الذاكرة، وتفكيكها.

شاشةٌ صامتة
معرض الفنان بشار الحروب الذي قدّمه في "غاليري ون" في رام الله، حوى مجموعة من اللوحات الفنية التي تكشف لنا حجم هذا البؤس الإنساني. شخوص تقف لتطل علينا بعيونٍ خاوية، وأجسادٍ هشّة، لا يتضح إن كانت لأشباح أو بقايا هياكلهم العظمية. وهي أيضاً تفتح تساؤلات على مغزى هذا الوجود، سؤال الـ "لماذا؟". أشخاصٌ واقفون كأنهم خارجون من معاركهم الأخيرة، أو ذاهبون للموت المؤكد.
في أجساد الفنان، نجد أن القوة البدنية لم تعد موجودة، لكن هناك قوة تخرج من هذا الخواء تذكّرنا بفيلم "الصحراء الحمراء" للمخرج الإيطالي أنطونيوني. أزمات نفسية تفرزها العناصر وتحدّد مشاهدها أقرب صورةٍ يمكن تخيّلها، وهي نهايات الحرب العالمية الثانية التي توحي بنهايات العالم، وتلوّث الحياة بالموت والاضطهاد والعنف.. هنا، نقف مشدوهين أمام هذه الحقيقة التي تعيد لنا اكتشاف العالم عبر موت الرومانسية ومجابهة الحياة بالخوف والسواد.
أيضاً، لا يمكننا هنا العثور على البطل، أو بصيصٍ من الأمل، بقدر ما يقدّم لنا صورة مهزومة عن الإنسان. نحن بالضرورة مسؤولون عنها، القوة ورأس المال والسلطة، نتحوّل إلى ضحايا أبديين لغرورنا الإنساني، لا ننفكّ عن التعايش معها. ولمقاومة ذلك، ربما علينا إعادة ترتيب الطبيعة بعناصرها المطلقة لخلق حياةٍ أفضل تخلو من كلّ هذا البؤس، وهذا الموت الشاحب.

حبّ بجودة منخفضة
الفنّان هاني زعرب، يقدّم معرضه الفرديّ في "غاليري برلوني" في لندن، ويضمّ مجموعة من اللوحات الكبيرة، يتفكك من خلالها الإنسان، فتجرّده من الحالة الشاعرية والنفسية لمصلحة حالة فيزيائية تنطلق من القلب كشكل. وتقدّمها كاحتجاج على تأكيد الذات التي بدأت تتحوّل لجدارٍ إنسانيّ صلب. وهنا، يقدّم عمله كحالة ضدية، ما بين تجريدها بصرياً من معناها التقليدي، وإعادة تقديمها بقالبٍ مختلف لنفهم سيرورة القلب وأبعاده العاطفية عبر الزمن.
مثلاً، التكنولوجيا خُلِقت لتساهم في معرفة الإنسان، لكننا نجدها الآن تسيطر وتساهم في تأكيد الفردية المطلقة على حساب الآخر أياً كان، ما يساهم في زعزعة الثقة البشرية وتحوّلها لحالة الرقابة، "مُراقِب ومُراقَب"، والسعي للنجاة منهما في اتباع السلوك الرقابيّ ذاته للتحرّر الفرديّ الماديّ لا المعنويّ.
الفنان الفرديّ المليء بالهواجس والمشاعر ما بين الحب والكره، الضعف والقوة، الشجاعة والضعف، الخير والشر، ... كلها تأتي في مركز الجسد (القلب)، الذي يضخ كلّ المعرفة الإنسانية التي تنتمي للإحساس والشعور. وهي المعرفة الفطرية أصلاً. ففي حالة وجود العلم من عدمه، المعرفة الإنسانية بدأت من القلب كمؤشر للتجريب والاقتراب أو الابتعاد، بناءً على الشعور ومن ثم الخبرة، لتصل إلى التدوين كمعلومة لها دلائلها العلمية لاحقاً.
هذه الأعمال تعيد الأهمية لهذه الصورة، وفرض قوة حضورها.
إن الاغتراب، بشكلٍ عام، يُعيد القوة ليس للمنطق فقط، ولكن لما يمتلكه الفرد من قوة داخلية تتمثل بهذا القلب، وتساهم في زيادة معرفته أو تواضعها. وربّما علينا هنا أن نستحضر الفيلم المغربي "قلوب محترقة" للمخرج المغربي أحمد المعنوني، الذي يقدّم لنا صورة متناسقة عن الاغتراب وقدرته على العيش داخل الإنسان كذاكرة وجسد من دون موتها، بل تتجدد بين الفينة والأخرى كحالة حماية للفرد من المحيط. فيصبح عند البعض عبارة عن محاكمة الماضي أو التماهي في روح المجموعات المعاصرة التي بدأت تترسّخ كعناوين مثل اللاجئين، المهاجرين، المتطرفين،…
هنا، ينفرد الفنان في مجابهة كلّ هذه التعريفات، وتقديم قلبه/ ها / نا مفتوحاً للفضاء والهواء، متحرراً من الجسد ومن الهوية الذاتية، وتسلط الضوء على الإنسان. فهل يمكن تقديم الإنسان بأكثر من هذا الشكل؟ قلبٌ خالص، ينبض، ويتنفّس، يسير أينما يريد، ويحطّ متى يشاء..
على الرغم من تعدّد وسائط جوابرة والحروب وإصرار زعرب على المضي قدماً باللوحة، إن قدرة هذه الأخيرة على تقديم التجارب المتنوّعة للفنانين الثلاثة يضعها بسياقها المعاصر، يثبت معاصرتها وانفتاحها على السياقات البصرية كافة في آن. وكذلك، فإن فرادة تجربة كلّ فنانٍ على حدة تعكس الإصرار والتحدّي على التعبير في مواجهة الظروف السياسية والحياتية، تعبير يستردّ مساحته من فلسطين التاريخية إلى العالم.