| 

أصوات المكبّرات تصدح بأغاني الأفراح، والجدران تتزين بصورٍ مذيلة بأسمى عبارات الشكر لشخصياتٍ اعتبارية ساهمت في إقامة مراسم هذا العرس. مواكب العرسان تمضي رافعةً أعلام دولةٍ راعية أو جهةٍ مانحة، تصاحبها أصوات الزغاريد تعلو من أفواه الجماهير الحاضرة. يهلهل عريف الحفل معلناً امتنان فلسطين لكلّ من يقف إلى جانبها ويدعم صمودها، لتتوالى بعدها فقرات العرس الجماعي، كالسلام الوطني والدبكة الفلسطينية، فكلمات القائمين والراعين والمنفذين لهذا المشروع، ففقرات مبهجة منوعة..
هكذا تبدو صورة الأعراس الجماعية في قطاع غزّة، بعدما حالت الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها القطاع جراء الحصار المفروض عليه منذ ثمانية أعوام من دون تحقيق أحلام عددٍ كبير من الشباب بحفل زواج مستقلّ، بسبب العجز عن دفع تكاليف الفرح ومستلزماته.

2000 يتزوجون، برعاية تركية
ملامح السعادة ارتسمت على وجه مصعب محمد (26 عاماً) بعدما حقّق حلمه بالزواج من خلال مشاركته في العرس الجماعي "أفراح فلسطين" الذي أقامته مؤسسة "تيكا" التركية مؤخراً في غزة، لتزويج ألفي عريس وعروس في ملعب اليرموك في وسط المدينة.
ويشرح مصعب لـ "السفير" عن صعوبة وضعه الماديّ كونه يعمل حلاقاً وبالكاد يستطيع تحصيل قوت يومه، مبدياً تعجّبه من إصرار الأهالي على التمسّك بالمهر والتكاليف التي تثقل كاهل الشبّان، وتضطرهم إلى اللجوء للاستدانة وجمعيات تيسير الزواج، أو العزوف عن الزواج في بعض الأحيان: "يعني عشان اتزوج، لازم يكون معي 15 ألف دولار، بس مشان أدفع المهر وتكاليف العرس. من وين بدي اجيبهم واحنا بهيك وضع؟!"، يقول مصعب.
اشترك مصعب بلوائح العرس الجماعي، وهو الذي كان خاطباً حينها، بعدما وصلته رسالة على هاتفه الخلوي تفيد بضرورة الحضور إلى المسجد وبحوزته صورة عن الهوية الشخصية وعقد الزواج، منوهاً بأنه لم يكن يعلم بتفاصيل هذا العرس قبل الرسالة. بعد خمسة أشهر من مشاركته في العرس الجماعي، عاد مصعب ونظّم حفل عرس له ولزوجته، معتبراً أن الحفل الجماعي لا يغني عن الفرح الاعتيادي، فهي "فرحة العمر" حسبما يقول: "صح انزفّيت بس العرس الأصلي طعمه غير، ولكل شاب خصوصية، والعروسة لازم تفرح وتكون فريدة وتلبس البدلة البيضا مثلها مثل غيرها".
في مقابل قصة مصعب التي أعلنت بدء حياته الزوجية، فإن أبو محمد (55 عاماً) يقول، وقد أعيته الأمراض المزمنة،" شاركت بالعرس الجماعي بعدما أقنعني أصدقائي بذلك للاستفادة من المبلغ المالي الذي ستوزعه المؤسسة على العرسان المشاركين". ويلفت إلى أنه من موظفي حكومة غزة الذين لا يتقاضون رواتبهم منذ ما يقارب العامين. أبو محمد يقول إنه اضطر على الزواج بعد وفاة زوجته في الحرب الأخيرة على قطاع غزة جرّاء نوبة سكّر حادة أصابتها، ولم يقم عرساً أخر غير ذاك الجماعي تقديراً لتقدّمه في السن ومراعاةً لمشاعر أولاده.

منظمو الأعراس: الهدف هو التكاثر
واحد من أبرز أهداف الأعراس الجماعية، حسبما يوضح المنسق الإعلامي في "جمعية الفلاح الخيرية" علي أبو خليفة، هو تشجيع الشباب على الزواج والتكاثر، مؤكداً أن اسرائيل تحاول القضاء على سكان غزة من خلال الحروب التي تشنها وتستهدف فيها الأبرياء.
"جمعية الفلاح" أقامت حتى الآن ثلاثة أعراس جماعية، وكان العرس الجماعي الأول الذي نظمته حمل عنوان "عرس تزويج العوانس"، وانعقد قبل خمسة أعوام، ولقي إقبالا كبيراً، رغم ذكورية التعبير وخصوصية المجتمع الفلسطيني وتحفّظه في التعامل مع هذه المسألة والتصنيفات.
أما منسق العرس الجماعي في "المركز الفلسطيني للعمل التطوعي ـ فتا" كريم البنا فيفيد بأن فكرة الأعراس نبعت من تأخر سنّ الزواج لدى الشباب بفعل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، لافتاً النظر إلى أن محاولات تجري راهناً لتأمين تمويل عرسٍ أخر. وكانت "فتا" قد نظّمت عرساً جماعياً في بداية العام الجاري لمئتي عريس وعروس بتمويل من "مؤسسة الشيخ خليفة" وبدعم من جليلة دحلان.
كذلك، يفيد أبو خليفة بأن "جمعية الفلاح"، وبدعم من "الاتحاد العالمي للمسلمين"، تتجهز لإقامة عرس جماعي لخمسة آلاف عروس وعريس، أربعة آلاف يتم تزويجهم في قطاع غزة بينما يتزوج الألف الأخرون في الضفة الغربية والقدس: "سينفذ هذا المشروع على مراحل نظراً لضخامة العدد"، يقول.
وتتميز الأعراس الجماعية التي تقيمها أو تدعمها "حركة فتح" عن غيرها بارتداء العروس ثوباً فلسطينياً مطرزاً، على خلاف باقي الأعراس التي تقيمها الحركات أو الجمعيات الإسلامية، حيث ترتدي العروس فيها الزي الشرعي (الجلباب أو العباءة)، أو قد تغيب تماماً عن الحفل ويستعاض عن وجودها بفتيات صغار يرتدين البدلة البيضاء!
تختلف المساعدات التي تُقدّم للمشاركين / ات في الأعراس الجماعية من مؤسسة إلى أخرى. ـ"فوكالة التنسيق والتعاون والتنمية ـ تيكا" التابعة لمجلس الوزراء التركي أقامت العرس الجماعي الأكبر من نوعه على مستوى قطاع غزّة في الذكرى الخامسة لشهداء سفينة "مرمرة" التركية، فقدمت لكل عريس مبلغ ألفي دولار "كمساهمة منها في دعم الشباب الفلسطيني في تكوين بيت مستقر، وتأكيداً منها على وحدة الدم بين الشعبين"، حسبما أعلنت حينها. أما "جمعية الفلاح" فتقدم مبلغ مالي قدره ثلاثة آلاف دولار، بالإضافة إلى أثاث غرفة نوم. وقدم "المركز الفلسطيني للعمل التطوعي ـ فتا" مبلغ أربعة آلاف دولار لكل ثنائي. الحركات السياسية، من جهتها، تقدّم مساعدات عينية.
وعن خطوات إطلاق المشروع العرس الجماعي المقبل، يشرح أبو خليفة أن "التنسيق يبدأ بتجهيز الدعم من فاعلي الخير في الدول العربية، ثم يتم الإعلان عن التسجيل للراغبين بالمشاركة". أما الشروط التسجيل للأعراس الجماعية في المؤسسات فهي متشابهة إلى حد كبير، إذ يسجّل الرجل رغبته هذه، ولا بد أن يكون المسجل خاطباً أو متزوجاً حديثاً بمدة لم تتجاوز بعد الشهرين، ولم يسبق له الزواج، ولا دخل ثابت له، أو من أسرة فقيرة، أو من متضرري الحروب المتلاحقة على غزة.
بعد التسجيل، يشرح البنا، "يتم إجراء بحث ميداني للتأكد من صدق بيانات المسجّل، ثم يتم الفرز وفقاً للأولوية التي يحدّدها المركز"، ما أكّده بدوره أبو خليفة.

فليطلقوا مشاريع بدالها
وفقاً للإحصائيات التي تمكّنت "السفير" من الحصول عليها من إدارة العلميات المركزية في جهاز الشرطة الفلسطينية، تبيّن أن عدد الأعراس الجماعية للعام الجاري 2015 بلغ ثلاثة أعراس، نظمتها مؤسسة "تيكا" و "جمعية البشائر" و "فتا". ولا توجد إحصائية دقيقة عن عدد الأعراس الجماعية في الأعوام السابقة، لكن يلاحظ في هذا العام غياب أعراس الحركات الإسلامية.
وعزا أبو رمضان أسباب عدم اقامة حركتي "حماس" و "الجهاد" أعراساً جماعية في هذا العام إسوة بالأعوام السابقة، إلى الأزمة المالية التي تعاني منها الحركات الإسلامية في فلسطين، بسبب تشديد الحصار المالي عليها: "في مثل هذه الأزمة، تعمد الحركات إلى العمل بنظام الأولويات، وتفضّل تنفيذ مشروع عن أخر وفقاً لأهميته وجدواه في ظرفها الراهن".
وعن إمكانية استغلال تمويل الأعراس لأغراضٍ أخرى، يقول أبو رمضان: "من الممكن حدوث عملية غسيل أموال، طبعاً. فبعض الحركات التي ترعى هذه الأعراس تعمل على التخفيف من أزمتها المالية من خلال تأمين المساعدات غير المباشرة التي تودعها في حساب العرسان المشاركين، وهذا يكون بالاتفاق مع الجهة الممولة".
ينظر المجتمع الغزي إلى هذه الأفراح كمدخل تسلكه السعادة إلى قلوب الشباب، ولكنها تبقى غير مجدية للمساعدة في تزويجهم. فكما يقول عبد الكريم أبو سمرة (23 عاماً) الذي ينتظر الانتهاء من تجهيز شقته ليبدأ بتجهيزات الفرح: "الهدف الذي تسعى المؤسسة إليه عبر إقامة مثل هذه الأعراس هو تخفيف تكاليف الفرح الباهظة عن كاهل الشباب، لكن معظم الشباب يقيمون أفراحاً خاصة بهم بعدها"، عازياً سبب التسجيل إلى الاستفادة المادية وليس العرس: "لو أتيحت لي الفرصة فلن أتردد في التسجيل بهذه الأفراح. إن أي مساعدة، ولو كانت قليلة، قد تسهم في التخفيف عنا".
بدورها خلود نصار (24 عاماً) لم تبدُ راضية عن فكرة الأعراس الجماعية على اعتبار أنها بحدّ ذاتها مساعدة عينية وقتية سرعان ما تزول، وقد تسبب بمشاكل عائلية لاحقة لعدم قدرة الشباب على تلبية احتياجات البيت، كون الفئة المختارة للأعراس هي فئة الفقراء وغير القادرين على مصاريف الزواج بعد العرس: "بعتقد لو عملوا مشاريع للشباب لاشتغلوا وقدروا يزوجوا نفسهم ويصرفوا على عائلاتهم بدون الحاجة لحدا"، تقول نصار.