| 

في محاولةٍ منها لوقف الهبّة الجماهيرية الفلسطينية في مدينة القدس، لجأت سلطات الاحتلال الاسرائيلي إلى تقسيم أحياء المدينة إلى 4 أقسام. ففرضت حصاراً تاماً على بعضها، وحصاراً أقل شدّة على بعضها الآخر، وعاقبت سكان القسم الثالث بإجراءات تفتيش، فيما اكتفت بزيادة دورياتها في القسم الرابع.
وبالإجمال، نصبت القوات الإسرائيلية 35 معيقٍ للحركة، شملت إغلاق 16 شارعاً بالكتل الاسمنتية بشكل كامل. في 4 شوارع أخرى تم إقفالها بالكتل الإسمنتية، سمحت سلطات الاحتلال للسكان بالمرور مشياً على الأقدام، بعد الخضوع لإجراءات تفتيش. وأقامت 14 نقطة تفتيش سمحت بمرور السيارات عبرها، ولكن بعد الخضوع للتفتيش.
ولا تشمل هذه العوائق 12 حاجزاً ثابتاً تفصل منذ سنواتٍ طويلة القدس الشرقية عن محيطها الفلسطينيّ في الضفّة الغربية.
أتى الحصار المشدّد من نصيب أحياء العيساوية، جبل المكبر، صور باهر، وأم طوبا، في الناحية الجنوبية الشرقية من المدينة، وفي العيساوية في شمال شرق المدينة، والزعيم في شرق المدينة، فيما كان الحصار الجزئي من نصيب أحياء الطور، الصوانه، الشياح، سلوان، رأس العامود، ومخيم شعفاط.
وأقامت الشرطة الإسرائيلية نقاط تفتيشٍ في أحياء وادي الجوز والشيخ جراح. أما في البلدة القديمة فقد نصبت خمس بواباتٍ معدنية على مداخلها وفي أزقّتها، مع الحفاظ على تواجدٍ كثيف لعناصر الشرطة وإخضاع الشبان للتفتيش الجسدي، فيما حافظت على تواجد ملموس لقواتها في الأحياء الشمالية في المدينة مثل شعفاط وبيت حنينا. ومؤخراً، شرعت الشرطة الإسرائيلية بالتخفيف من إجراءاتها العقابية ضد السكان الذين يزيد عددهم عن 320 ألفاً ويشكلون نسبة تزيد عن 39 في المئة من عدد سكان المدينة بشطريها الشرقي والغربي. فيقول الشيخ عكرمة صبري، رئيس "الهيئة الاسلامية العليا"، في خطبة الجمعة في المسجد الأقصى: "ندين الحصار الشديد غير المسبوق على المسجد الأقصى المبارك والأحياء في مدينة القدس، هذا الحصار الظالم الذي لم يحصل منذ العام 1967 هو تأكيد على أن هذه المدينة لا تزال محتلة ولا بد من زوال الاحتلال".
وقد كان لهذه الأقوال ما يفسّرها على أرض الواقع.

العيساوية
ثمة 4 مداخل لبلدة العيساوية في القدس الشرقية، أغلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي أحدها بالتراب والثاني بالمكعبات الإسمنتية، من دون السماح بالمرور عبرهما. وسمحت بالمرور مشياً على الأقدام من مدخل رابع، ولكن بعد الخضوع لإجراءات تفتيش. وانتشر أفراد الشرطة الإسرائيلية عند المدخل الرابع، حيث سمح للسيارات بالمرور ولكن بعد شقّ النفس.
لم يسبق لما يزيد عن 19 ألف فلسطينيّ يقطنون البلدة الواقعة شرق القدس القديمة أن عاشوا هكذا حصار منذ الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، وإن كانت سلطات الاحتلال قد خففت في الأيام الأخيرة من شدّة الحصار.
ففي بداية الحصار، أقام أفراد الشرطة الإسرائيلية ما يشبه منطقةً عازلة من أمتار عدّة عند المدخل الغربي للبلدة، حيث انتشروا في منطقةٍ فاصلة ما بين صفّين من المكعّبات الاسمنتية التي أغلقت الشارع بأكمله، وأجبروا السكّان الراغبين بالمرور على الوقوف في صفوف طويلة تحت تهديد فوهات البنادق الرشّاشة.
يشرح محمد عبيد (41 عاماً) الموقف: "أجبرونا على الوقوف في صف طويل، وطلبوا من كلّ واحد منا أن يكشف عن الجزء العلوي من جسده، وأن يستدير، للتأكد من أنه لا يخبئ أي شيء أسفل ملابسه. ثم يتقدم بعدها لإبراز هويته، قبل السماح له بالمرور مشياً على الأقدام". ويضيف، بعدما أشار إلى أنه اضطر للوقوف بالصف لنحو ساعة: "خضع أطفال المدارس للإجراء ذاته، وطُلب منهم فتح حقائبهم المدرسية. أما النساء فطلب منهم فتح حقائبهن قبل مرورهن".
يرى عبيد أن ما جرى "كان إذلالاً، أرادوا أن يقولوا لنا إن تأييد مقاومة الاحتلال له ثمن.. ثمن باهظ هذه المرة، إذ لم يسبق أن عشنا هكذا إذلال، لا في الانتفاضة الأولى في العام 1987 ولا في الانتفاضة الثانية في العام 2000".
ولم يكن الوضع أفضل حالاً في المدخل الشرقي للبلدة، إذ وقفت السيارات في صف طويل حتى سمح لها بالمرور سيارة تلو الأخرى ببطءٍ قاتل.
يروي جمال العيساوي (50 عاماً): "انتظرت 4 ساعات حتى تمكّنت من الخروج من البلدة. حين وصلت إلى الحاجز، أنزلوني من السيارة وفتحوا صندوقها وأبوابها، وخضعت لتفتيش طويل". ويشرح: "السكان كانوا يعبّرون عن احتجاجهم بإطلاق العنان لأبواق سياراتهم، ولكن الردّ كان يأتي بمزيدٍ من التفتيش للسيارات، وبالتالي المزيد من الانتظار".
في نهاية هذه الرحلة الطويلة، قرّر جمال، شأنه شأن العديد من سكان البلدة، إبقاء سيارته خارج البلدة، على أن يتنقل داخل البلدة مشياً على الاقدام أو برفقة الأصدقاء الذين ابقوا سياراتهم في البلدة.

جبل المكبر
العقوبات التي تعرّضت لها العيساوية جاءت تنفيذاً لسلسلة قرارات اتخذها المجلس الوزاري الإسرائيليّ المصغّر للشؤون الأمنية والسياسية "الكابينت"، هدفت لوقف الهبّة الشعبية التي تفجرت في الأراضي الفلسطينية مطلع شهر تشرين أول/أكتوبر، احتجاجاً على تصاعد اقتحامات المستوطنين الإسرائيليين للمسجد الأقصى، وعلى قسوة الاحتلال الإسرائيلي.
ولم تكن بلدة العيساوية استثناءً، إذ فرضت القوات الإسرائيلية الإجراءات ذاتها في عددٍ من الأحياء الفلسطينية في مدينة القدس، وخاصةً في بلدات جبل المكبر، صور باهر، وأم طوبا في جنوب شرق المدينة.
وبدت معالم الحصار واضحة تماماً في بلدة جبل المكبر التي انطلق منها فلسطينيون نفذوا العمليات الأكثر ايلاما للإسرائيليين منذ اندلاع الهبّة الجماهيرية الفلسطينية. فأغلقت قوات الشرطة مداخل ومخارج البلدة بالمكعبات الاسمنتية، ولم تبقِ سوى مسارب ضيقة لمرور السيارات ولكن ببطءٍ شديد، تبعاً لمزاج أفراد الشرطة المتواجدين على الحاجز.
يوضح المحلل السياسي والناشط الاجتماعي في جبل المكبر راسم عبيدات: "يقطن المنطقة نحو 30 ألف مواطن، فجبل المكبر وصور باهر والشيخ سعد هي بمثابة كتلة اجتماعية واحدة، يربطها امتداد عشائري وجغرافي. أدّت الاجراءات الإسرائيلية إلى التفريق ما بين أفراد العائلة الواحدة".
وفي هذا الصدد، يقول عز (45 عاماً): "في الوضع العادي، فإن منزل أختي يبعد عنا 5 دقائق بالسيارة، غير أن الوصول إليها الآن أصبح رحلة شاقة. فلا يمكن الوصول إلى هناك بالسيارة، نظراً لوجود مكعبات اسمنتية كبيرة تقفل الطريق. ولذلك، فإننا نتحادث الآن عبر الهاتف أو وسائل الاتصال الاجتماعي".
ويشير عبيدات إلى أن "قوات الاحتلال أقامت المكعبات الاسمنتية وأغلقت الطرق الفرعية وشددت اجراءاتها على الطرق الرئيسة فحولت حياة السكان إلى جحيم". يضيف: "من الواضح أن هذه الإجراءات ليست أمنية كما يدّعي الاحتلال وإنما هي عقوبات جماعية لكسر الروح المعنوية عند السكان".

الصوانه والطور.. والآلية في العقاب
جعلت الحواجز الإسرائيلية حياة الآلاف الفلسطينيين في حيي الصوانه والطور شاقة. فيشرح حسيب (55 عاما - من حي الطور) أن "أفراد الشرطة يتصرفون بمزاجية. فإذا كانت الأوضاع في الحي هادئة، تكون الأمور سلسلة على الحواجز. أما إذا أقدم أحد الاشخاص على رشق قوات الشرطة بالحجارة، فيتم تشديد العقوبات على السكان، ويصبح صفّ السيارات على الحاجز الإسرائيلي طويلاً جداً".
بدت آلية تحديد العقوبات الإسرائيلية مرتبطة بثلاثة عوامل: الأول، مدى فاعلية المنطقة في مقاومة الاحتلال. والثاني، مدى ابتعادها على أعين الأجانب، وبخاصة الدبلوماسيين منهم. أما الثالث فهو الحرص على عدم التأثير على البؤر الاستيطانية الإسرائيلية داخل المدينة.
خرج من جبل المكبر والعيساوية عددٌ من منفذي عمليات الطعن، فيما نشط الشباب فيها في اشتباكات شبه يومية مع القوات الإسرائيلية. وبالإضافة إلى ذلك، وفي خلاف الحال في أحياء مقدسية أخرى، فإن لا بؤر استيطانية فيها.
أما في أحياء سلوان، رأس العامود، الصوانه، وادي الجوز، والطور حيث تتواجد عدد من البؤر الاستيطانية الإسرائيلية فقد أقامت الشرطة الإسرائيلية حواجز على مداخلها ولكن من دون إغلاقها بشكل دائم.
وسارعت قوات الشرطة الإسرائيلية إلى إزالة حواجز أقامتها في الشيخ جراح ووادي الجوز، بعدما خشيت أن يؤثر استمرار تواجدها على التقارير التي يرسلها الديبلوماسيون الأجانب إلى بلدانهم.
واعتبرت جمعية "حقوق المواطن في إسرائيل" في بيان لها أن "الخطوات التي تتخذ بحق المقدسيين من توقيف وتحقيق وتفتيش عند عبور الحواجز، والتي تمارس ضد كل شخص يعبر الحواجز بدون إثارة شكوك معينة، هي خطوات مرفوضة توسم كل مقدسي على أنه مشتبه به بشكل مهين ومذل. علاوة على ذلك، فإن القيام بهذه الخطوات بشكل جماعي، ومن دون تمييز أو شك محدّد، يمسّ على نحو قاسٍ جملة من حقوق الإنسان، من ضمنها الحق في الكرامة والحق في الحركة والحق في الخصوصية".
وتزامنت هذه القيود مع حملات اعتقالٍ واسعة طالت المئات من سكان المدينة، وبخاصة الشبان منهم. وقد خففت الشرطة الإسرائيلية مؤخراً من الحواجز التي أقامتها في بعض الأحياء غير أنها ابقت على تواجدها فيها. وقد أكد بيان صادر عن المتحدثة بلسان الشرطة الإسرائيلية لوبا السمري أن "تعزيزات الشرطة في القدس لا تزال سارية في المدينة". غير أن وزير شؤون القدس ومحافظ المدينة عدنان الحسيني رأى في حديث مع "السفير" أنه "يجب التعامل مع جذور المشكلة من أجل استعادة الهدوء، أيّ انهاء الاحتلال الإسرائيلي للمدينة"، مشيرا إلى أنه "إذا ما هدأت الامور، فهي سرعان ما ستشتعل من جديد".
وقال الحسيني: "بعد الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، لم تكن هناك مكعبات وفواصل في مدينة القدس كما هي الحال الآن. ما يدل على أن سنوات الاحتلال الـ48 الماضية كانت بمثابة فشل لحكومات إسرائيل المتعاقبة في أن تتمكن من إدارة المدينة".
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، هبّ الفلسطينيون في مدينة القدس ضد الاحتلال، ثم ساد الهدوء النسبي قبل أن تتفجر المدينة من جديد في هذا العام. والاعتقاد السائد هنا يفيد بأنه إذا ما ساد الهدوء المدينة هذا العام، فإن الوضع سينفجر من جديد في العام المقبل إلا في حال انهاء الاحتلال.