| 

اللقاء مع بيان نويهض الحوت يشبه الغنيمة الصحافية. وليس ذلك فقط لأن بيان عاشت القضية منذ نعومة أظافرها في بيت والدها عجاج نويهض، وهو المناضل العربي الكبير والمؤرخ المعروف. وليس فقط لأنها تزوجت من المناضل التاريخيّ شفيق الحوت وهو أحد مؤسسي "منظمة التحرير الفلسطينية". وإنما هو غنيمة لأن بيان، بشخصها، تجمع ميزات قلما تجتمع في إنسان واحد. فهي المناضلة الميدانية التي عملت بين الناس والجماهير، وهي الصحافية التي قاربت بقلمها هموم العالم العربي وقضاياه، وهي الأستاذة الجامعية والباحثة الأكاديمية التي قدّمت أبحاثاً قيّمة في التاريخ الفلسطيني، ووثّقت أدقّ تفاصيل مجازر صبرا وشاتيلا في كتاب من ثمنمئة صفحة قيّمة. وهي، إلى ذلك، الأم التي، على الرغم من كثافة مشاغلها وثقل مسؤولياتها، تمكنت من تربية عائلةٍ تعتز بها فلسطين.
بيان، وهي ابنة السيدة جمال سليم نويهض، وشقيقة خلدون ونورا وسوسن وجنان، تمكّنت من النجاح في مختلف الميادين التي خاضت فيها مواجهات مع الحياة، لأن محور حياتها كان دوما هو فلسطين كما عرفتها، وفلسطين التي استمرت تعيش معها.
التقى "ملحق فلسطين" د. بيان نويهض الحوت في منزلها في منطقة وطى المصطيبة في بيروت، وظفر منها هذا الحوار.
• حدّثينا عن النشأة في القدس وذكرياتك فيها.
ولدت في القدس أنا وأشقائي جميعاً، وكان مولدي سنة 1937. أمي وأبي كلاهما من لبنان، والدي من بلدة رأس المتن، وأمي من بلدة جباع الشوف. وأنا أذكر مدينتي القدس إلى حد كبير، فقد عشت فيها طفولتي الأولى، ثم عدت للدراسة في منتصف الخمسينيات في رام الله، أي على مقربة من القدس، ما مكنني من زيارتها عشرات المرات، غير أنني حتماً ما كان بإمكاني الذهاب الى بيتنا الذي يقع في القدس الغربية المحتلة. أكثر ما اذكره من طفولتي هو مكتبة والدي، فقد كان يملك مكتبة ضخمة، وعلى الرغم من صغر سني، فقد كان يأتمنني على مكتبته. كنت أعرف أين يضع كلّ مرجع وكلّ كتاب، وآتي به إليه عندما يطلبه. بالإضافة إلى مكتبة والدي، كان لكلّ شخص منا في البيت مكتبته الخاصة. وأما مكتبة والدي القانونية فكانت في مكتبه بالقرب من القدس القديمة، وأذكر أنه في منتصف الأربعينيات كان يمارس المحاماة، ولا أنسى حماستي الفائقة لمّا ذهبت يوماً بمفردي في مهمة إلى مكتبه، فركبت الباص لوحدي، وأوصلت له بعض الأوراق كما طلبت مني أمي.
درست في القدس مع أخواتي في مدرسة شميدت الألمانية، وكان رئيسها الأب زونين، وتعلّم فيها راهبات ومعلمات متفوقات في التربية والتعليم. كنت أحب مدرستي كثيراً. وكان زي المدرسة من اللونين الكحلي والأبيض، وربما لذلك بقي اللون الكحلي هو المفضّل لدي طوال حياتي.
كنا نسكن في حي "البقعة الفوقا". وأمام بيتنا سكة الحديد تفصل بين حينا وحي البقعة التحتا. كلما كبرت، استمعت إلى أحاديث الناس عن القدس ترتبط بالحروب، غير أنني في طفولتي كنت أشعر بأن القدس هي أكثر المدن أماناً في العالم. وربما يعود هذا الشعور إلى نشأتي في عائلة كان أفرادها يعيشون في انسجام تام. ولم أكن قد ولدت بعد لما اعتقلت سلطات الانتداب البريطاني والدي بتهمة الدعوة إلى التحرر والاستقلال، وكان ذلك أيام الإضراب الطويل سنة 1936.
قبل بدء المناوشات بين العرب واليهود، كان والدي يأخذنا إلى عدد من قرى فلسطين لقضاء عطلة الصيف. وأذكر أن أخر صيفية لنا قبل أن نغادر فلسطين كانت على "جبل بيريا" المقابل لمدينة صفد. أذكر أننا قضينا وقتاً ممتعاً في ضيافة العم صبحي الخضرا وعائلته، وهو زوج خالتي أنيسة، وكان من رجال الحركة السياسية في فلسطين، وله مواقف هامة في مقاومة الغزو الصهيوني لفلسطين، وخصوصاً في قضايا ملكية الأراضي، ولذلك لما احتل الصهاينة مدينة صفد، كان أول عمل أقدموا عليه هو نسف منزله في جبل بيريا.
وأذكر أيضاً، من طفولتي، أنني كنت أستمع باهتمام إلى نشرات الأخبار، وكنت أخبر والدي بكلّ ما أسمعه. وكان كلامي بالنسبة إليه مرجع ثقة. وهنا، أذكر حادثة ما زالت تحفر عميقاً في ذاكرتي: بعد انتصارنا الكبير في معركة القسطل، تجمّع عددٌ كبير من أصدقاء والدي في منزلنا، وكانوا جميعاً فرحين بهذا الانتصار. وأنا كنت حينها أستمع إلى الأخبار لأنقلها الى أبي، ومررت على اذاعة عبرية كانت تذيع نشرة باللغة العربية، وإذ بي أسمع خبراً عن مقتل عبد القادر الحسيني في معركة القسطل. فدخلت إلى الصالون وأخبرت والدي همساً بالخبر. واذا بالفرح الذي كان سائداً بين الضيوف يتحوّل إلى وجوم. بالنسبة إليّ، شكّل استشهاد عبد القادر الحسيني المناسبة الأولى التي تعرّفت فيها على قيمة الشهادة في سبيل الوطن.
وفي اليوم التالي، خرجت القدس كلها في موكب تشييع عبد القادر الحسيني.
على الرغم من كلّ الأحداث التي شهدتها تلك المرحلة والمواجهات بين العرب واليهود وصولاً الى مجزرة دير ياسين، فإن والدي بقي مصرّاً على ألا يغادر فلسطين. وأذكر أن خالي نصري سليم وكان يسكن في عمّان، زارنا مراراً لإقناع الوالد بالانتقال إلى عمان. ولكنه كان يواجهه بالرفض. وفي نهاية الأمر، تمكّنت والدتي من إقناعه بأن تأخذنا ـ نحن البنات ـ إلى لبنان بانتظار تحسّن الأوضاع.
لمّا شاهدتُ والدتي توضّب حقائب الثياب استعداداً للسفر، انتابني شعورٌ بأننا لن نعود إلى فلسطين. وأذكر أنني سألتها: "لماذا تضعين ثياباً شتوية في الحقائب ما دمنا ذاهبين لقضاء عطلة صيفية؟". فأجابتني: "جبال لبنان باردة حتى في فصل الصيف". لم أقتنع تماماً بهذا الجواب، ولكنني سكتّ احتراماً لوالدتي، ثم أقنعت نفسي. وفي 26 نيسان 1948، غادرنا القدس، ورافقنا والدي حتى عمان، ثم عاد حالا الى القدس، وأما أخي خلدون فقد رافقنا إلى دمشق، فرأس المتن، ثم عاد الى القدس في فجر اليوم التالي لوصولنا. وبصراحة، لم أشعر بالمرارة وأنا أغادر، بل شعرت بفرحٍ كبير اعتقاداً مني بأننا ذاهبون في زيارة إلى لبنان للتعرف إلى أقاربي الذين كانوا حاضرين في أحاديث والدي بشكل دائم، وبأننا عائدون.
الخروج بمذكرة لا عودة فيها
• ما هي قصة المذكّرة التي نقلها والدك إلى ملك الأردن؟ وما علاقتها بخروجه نهائياً من منزله في القدس؟
كان مكتب "الهيئة العربية العليا" يقع في البقعة التحتا مقابل بيتنا، والمسافة بينهما نحو مئتي متر، وكان المسؤول عن الهيئة في فلسطين أحمد حلمي باشا، وأما رئيس الهيئة وجميع أعضائها فكانوا خارج فلسطين باستثنائه واستثناء الدكتور حسين فخري الخالدي. كان حلمي باشا صديقاً لوالدي، وكان والدي في الأسابيع الأخيرة يتردد يومياً على مكتبه. وقبيل منتصف أيار قدمت لجنة ثلاثية مؤلفة من قناصل الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا، مذكرة إلى الهيئة العربية، موجزها أن يمتنع الجانبان اليهودي والعربي عن القتال، فتعم الهدنة بدءاً من 12 ـ 13 أيار، شرط ألا تدخل الجيوش العربية، وألا يدخل السلاح للوكالة اليهودية، وتقع مسؤولية تنفيذ الهدنة على عاتق الوكالة اليهودية والهيئة العربية العليا، وذلك لمدة ثلاثة أشهر، وبعد الهدنة يرفع الأمر الى مجلس الأمن. ترجم والدي المذكرة الى العربية وطبعها اخي خلدون، وبناء على تكليف أحمد حلمي باشا توجه والدي إلى عمان في فجر الثالث عشر من أيار لتقديم المذكرة الى الملك عبد الله، وكذلك إلى المفتي الحاج أمين الحسيني رئيس الهيئة العربية، وهو من كان يومذاك في دمشق.
رفض الملك عبد الله هذه الاقتراحات وقال لوالدي: "لا داع لهذه الرسالة، لأن الجيش الأردني سيباشر في صباح الغد زحفه نحو فلسطين". فطلب والدي السماح له بمرافقة الجيش الأردني إلى القدس، فاستجيب طلبه. وتحرك الجيش في الرابع عشر من أيار، غير أن والدي فوجئ بأن الجيش الأردني توقف في أريحا وعسكر فيها بحجة أن لا أوامر لديه بإكمال التقدم نحو القدس.
على ضوء هذا المشهد، اتصل والدي بمقر الملك الأردني وطلب تأمين انتقاله إلى القدس، فتمت تلبية طلبه لكن في صباح اليوم التالي، أي في الخامس عشر من أيار. ولما وصل إلى أسوار القدس كانت القدس الغربية قد سقطت، وكانت الهيئة العربية قد انتقلت الى القدس القديمة التي كانت شوارعها والشوارع المجاورة تموج بالهائمين على وجهوهم من الأحياء الغربية، كالقطمون والبقعا والطالبية وغيرها. وكان الرصاص يصم الآذان. وهكذا لم يتمكن والدي من الوصول الى بيته. وكأنه عاد ليشهد على سقوط القدس.
بقي والدي مع أحمد حلمي باشا في القدس الشرقية، ثم سكن رام الله بعد تعيينه مديراً للإذاعة الأردنية، وهو قد عمل سابقاً مديراً لإذاعة القدس لمدة أربعة أعوام في الأربعينيات. ثم استقر في عمان في مطلع الخمسينيات.
المدرسة: لبنان، الأردن، فرام الله
• كيف كانت طفولتك في لبنان؟
أحاطنا الأهل في رأس المتن بكثيرٍ من العناية والاهتمام، خاصةً عمّي الأستاذ علي نويهض، وكان حينها قد باشر بتحقيق عدد من كتب التراث، كما كان مديراً لمدرسة رأس المتن الرسمية. وفي الخريف دخلنا نحن الأخوات الأربع الكلية العلمية للبنات في الشويفات، وهي مدرسة داخلية وتُعرف باسم رئيستها مس مالك، وكان المستوى التعليمي في المدرسة جيداً، غير أنها تفوقت على المدارس الأخرى بالنشاطات الخطابية والتمثيلية. وقد رحبت المدرسة بعدد من المعلمات والأساتذة من فلسطين، لكنني كنت أشعر بحزن عميق عندما أسمع شقيقتي الكبرى نورا تكرّر في سياقات مختلفة: "راتب الأستاذ الفلسطيني في المدرسة هو نصف راتب الأستاذ اللبناني". وفي تلك الفترة أيضاً، بدأت اسمع عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات من سلوى كيفاوي، وهي زميلة فلسطينية كان والدها يعمل في "الأونروا". وأما إحساسي باللجوء فقد سبق هذا كله، وذلك خلال الأيام المعدودة التي مكثناها في دمشق ونحن في طريقنا من القدس الى رأس المتن، هناك سمعت للمرة الأولى كلمة "لاجئون"، سمعتها من فتاة كنت ألعب وإياها، سمعتها وهي تقولها عني لزميلة لها مرت بنا وسألتها عني، فلم تقل لها اسمي بل همست لها: "إنهم لاجئون"، وكانت أمرّ كلمة سمعتها في حياتي. كانت تعني بالنسبة إلي أننا لن نعود إلى منزلنا في القدس بعد اليوم. فركضت إلى أمي وأنا أسألها: "هل صحيح أننا لن نعود بعد اليوم إلى بيتنا؟". فقالت لي: "بالتأكيد نحن عائدون".
التحدّي العلمي
• أخبرينا عن مرحلة إقامتك في الأردن.
في العام 1951، ذهبنا إلى عمّان حيث استقر والدي. ودخلنا مدرسة "الملكة زين الشرف". كانت المواد العلمية تدرّس باللغة العربية، وخاصة مادتي العلوم والرياضيات، في حين أننا كنا قد اعتدنا على دراستها باللغة الإنكليزية، وهذا ما أدى إلى رسوبنا أنا وأختي سوسن في امتحان الدخول في الرياضيات. غير أن مديرة المدرسة والمفتشين ارتأوا ان ندخل الصفوف التي نستحقها بناء على شهاداتنا، إذ كنا الأوائل في الشويفات. وحدها معلمة الرياضيات فاليريا شعبان لم يعجبها ذلك، فكان رأيها أن ندخل الصفوف الأدنى، لكن المديرة أدخلتنا الصفوف الأعلى. أنا دخلت الصف الثاني الثانوي. والدي سرعان ما استدعى مدرس رياضيات الى المنزل كي يعطينا دروساً خصوصية، ولم يمض وقت طويل حتى ارتفعت علاماتنا، وأذكر أن الست فاليريا كانت تعطينا اختبارات سريعة كل أسبوع، فكانت علامتي في الهندسة في الأسبوع الأول صفرا، وفي الأسبوع الثاني 15 من 100، وفي الثالث 45، وفي الرابع 70، ثم استمرت في الارتفاع، وفي نهاية السنة كنت الخامسة في الرياضيات. وإن أنسى فإنني لا أنسى لما دخلت مديرة المدرسة غرفة الصف لتعلن نتائج نصف السنة، وراحت تهنئ الناجحات وتوبخ الراسبات، وقرأت كلّ الأسماء، لكن اسمي لم يكن بينها. فأصبت بهلع شديد لم أحس بمثله في حياتي! وبعدما انتهت من إعلان النتائج، التفتت إليّ وأبلغتني أمام جميع الطالبات بأنني قد حللت في المرتبة الثانية. أي أنه لم تسبقني سوى طالبة واحدة! معقول! وأشادت بنجاحي. طبعاً، كانت لحظات لا توصف من السعادة والاحساس بأهمية التفوق. بعد تخرجي من كلية دار المعلمات، عملت مدرّسة في مدرسة سكينة بنت الحسين، وكانت مديرة المدرسة هي نفسها معلمة الرياضيات فاليريا شعبان وقد أضحت من صديقاتي المقرّبات.
أما عن مرحلة دراستي في دار المعلمات في رام الله، فقد كانت من أجمل وأغنى سنوات العمر، وكانت الكلية قد أنشئت حديثا وتأتيها الطالبات من كل أنحاء الأردن. كنت في كلّ ليلة أسهر على الأضواء المنبعثة من القدس، وأكتب القصائد على ضوء خافت بعد أن تنام زميلتي في الغرفة. وأروع ذكرياتي هي عن زياراتي المتكررة للقدس، وكذلك زياراتي مع زميلاتي لمدن الضفة الغربية.
الانتساب إلى "حزب البعث"
• في تلك الفترة، بدأت نشاطاً سياسياً امتد بين عمان ودمشق. كيف كان ذلك؟
في أثناء وجودي في عمان، انتسبت إلى "حزب البعث العربي الاشتراكي"، بعدما وجدت في مبادئ الحزب تعبيراً خالصاً عن ايماني بالعروبة. أنا أصلاً تربيت في عائلةٍ تقدّس النضال من أجل العروبة. والدي كان من أوائل الشباب الذين غادروا لبنان الى دمشق بعد ان قامت اول حكومة عربية، أي بعد الحرب العالمية الأولى. ووالدتي هي التي علمتنا الأناشيد القومية، وهي بدورها كانت قد تربت في بيتٍ عربيّ. شقيقها الأكبر، فؤاد سليم، كان من ضباط الثورة العربية، وقد استشهد في العام 1925، في معركة مجدل شمس ضد الانتداب الفرنسيّ. وهو من كان اول رئيس أركان حرب للجيش الأردني في سنة 1921.
حتماً، كان نشاط حزب "البعث" محظوراً في الأردن، لذا، كان عملنا سرياً للغاية، وخاصة انه في ذلك الوقت كان الأردن يخضع لنظام الأحكام العرفية. فكنا نأخذ جانب الحيطة والحذر في نشاطنا الحزبي، بحيث لم نكن نجتمع في المكان ذاته لأكثر من مرة واحدة.
وكانت مهمتي في الحزب هي التوعية العامة للجماهير. وعندما كنت أتردد الى دمشق لمتابعة البرامج واقتناء المراجع في كلية التربية في العام الدراسي 1958 ـ 1959، قمت مع زميلات لي بأعمال سرية مع مجموعات من الضباط الأردنيين الأحرار الذين ينتمون إلى مختلف الأحزاب العقائدية، كنت أنقل ورفيقة لي، بسرية تامة، رسائل من عمان الى دمشق، أي بين مجموعة الضباط الأحرار في الاردن وإخوان لهم في دمشق، ونعود بالأجوبة التي كنا نحن نجهلها، وكنا على علم بها فقط حين كانت رسائل شفوية.
• استطعت عن طريق الصدفة المساهمة في صدور قرار عن السلطات السورية يريح الطلاب الوافدين من الأردن. كيف كان ذلك؟
حدث ذلك حين كنت أقوم بالتسجيل للانتساب إلى الجامعة السورية، وهي جامعة دمشق، وكانت صديقتي سينم بدرخان، وهي سورية، ترغب في التسجيل للجامعة نفسها، وقمنا بعدد من الإجراءات معا. وكان أحد شروط الدخول إلى الجامعة للطلاب غير السورييين هي حصولهم على شهادة حسن سلوك من بلدانهم. لم يكن الحصول على هذه الشهادة بالأمر السهل بالنسبة إلى الطلاب الأردنيين عامة، بسبب أجواء التوتر التي كانت تسود بين سوريا والأردن، وبسبب الأحكام العرفية في الأردن. فكنا نخشى في حال تقدمنا للحصول على هذه "الورقة" بأن تمنعنا السلطات الأردنية من الدخول إلى سوريا. ولكن المشكلة وجدت حلها لما قالت لي سينم ذات صباح بأن زميلتها غادة السمان تخرجت معها وترغب في التسجيل، وقد وعدتها بأن نمرّ عليها. كانت غادة نائمة عندما وصلنا، فاستقبلنا والدها الدكتور أحمد السمّان، وعرض علينا توصيلنا إلى الجامعة بسيارته. وفي الطريق، أخبرته بمشكلتنا. فوعد بمساعدتنا، وكان يومها عميد كلية الحقوق في جامعة دمشق، وفوجئنا بعد يومين بصدور قرار عن الجامعة باعفاء الطلاب الأردنيين من شهادة حسن السلوك. وأما غادة السمان، فهي من أصبحت فيما بعد صديقتي، وهي الروائية المعروفة.
أن تكوني في "دار الصياد" حينها
• قرر والدك العودة إلى لبنان. وفور عودتك، دخلت عالم الصحافة. أخبرينا عن أبرز محطاتك الصحافية؟
قرّر والدي، سنة 1959، أن تنتقل العائلة للعيش نهائياً في لبنان. وكان والدي يملك منزلاً قديماً في رأس المتن بناه جدي في أول القرن العشرين، فرممه والدي في أوائل الستينيات. ومع عودتنا الى لبنان، بات من الأفضل لي أن أتابع دراستي الجامعية في بيروت.
ترافق استقراري في لبنان مع إصدار شقيقتي نورا حلواني مجلة نسائية "دنيا المرأة" في العام 1960، فعملت معها. وكان حب الصحافة قد انتقل إليّ عن طريق والدي الذي كان قد أسّس في القدس مجلة "العرب". وكان عملي في المجلة فرصة لي تعرفت خلالها على عدد كبير من الشعراء والمثقفين والأدباء من أمثال نزار قباني، نازك الملائكة، فدوى طوقان، بدوي الجبل، يوسف الخال وغيرهم. وإلى جانب عملي في المجلة كنت أتابع دراستي في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية.
في ربيع العام 1960 وصلني أن الأستاذ سعيد فريحة يبحث عن محررة لمجلة "الصياد" بسبب إجازة الأمومة للصحافية القديرة إميلي نصر الله، فاتصلت بدار الصياد، وسرعان ما طلب مني الأستاذ سعيد فريحة الحضور لمقابلته. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها سعيد فريحة، فقد سبق لي أن زرته برفقة والدي، إذ جمعتهما صداقة قديمة نظراً لكون كليهما من قرية رأس المتن.
رحب بي سعيد فريحة، واختارني فوراً للوظيفة، وأذكر أنني تعرّفت في تلك المقابلة على الشاعر سعيد عقل. كان سعيد عقل يحضر إلى المجلة في كلّ أربعاء لتسليم مقالته، كما كان يأتي نهار السبت لحضور اجتماع المحررين. وأما بعد عودة إميلي نصر الله الى الصياد، فقد اشتدت بيننا اواصر الصداقة، وكذلك مع الزميلة صونيا بيروتي.
كان موضوعي الأول في "مجلة الصياد" مقابلة أجريتها مع الشاعر الكبير جورج صيدح. وكان صديقاً حميماً لوالدي، وعندما طلبت منه موعداً للمقابلة، جاءني بنفسه إلى بيت شقيقتي نورا. وهو من أرقّ الشعراء شعراً وحديثاً.
في أثناء عملي في "دار الصياد" أيضاً، كانت أول مقابلة لي في عالم الفكر والقلم مع الأستاذ ساطع الحصري. كان في زيارة إلى لبنان، وعندما علمت بذلك من عصام فريحة، سارعت فوراً لأخذ موعد منه، وأذكر أنه كان نزيل "بارك أوتيل" في شتوره. ذهبت إليه وكان برفقتي مصور المجلة جاك رزق. وجدت ساطع الحصري رجلاً متواضعاً جداً ولطيفاً جداً. وعندما علم أن جاك نسي إحضار فلاش الكاميرا معه، رافقنا إلى الخارج من أجل التقاط الصور له. وأذكر هنا أنني سألته رأيه في قيام دولة فلسطينية، فاجابني ما معناه: "أنا من دعاة قيام وحدة عربية شاملة، فكيف أوافق على قيام كيان مستقل لدولة عربية ما؟". كان صادقاً مع نفسه في جوابه.
طبعاً، لا أنسى مقابلتي مع المعارض المغربي الشهير مهدي بن بركة الذي أعتبره من أعظم الرجال وأذكى الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي. أذكر أنه أعطاني موعداً لمقابلته في صالون "فندق كابيتول" قبل ساعة من موعد سفره.
وكانت لي مقابلة مميزة مع المفكر العربي زكي الأرسوزي. اتصلت به، وطلبت موعداً لمقابلته، لكنه أصرّ على الحضور بنفسه الى دار الصياد، وكانت تلك لفتة طيبة منه مازلت اعتز بها حتى الآن ، والأرسوزي من مدينة الإسكندرونة، لذلك، وجدت إحراجاً في سؤاله عن فلسطين فيما نحن لم نسترد لواء الإسكندرون بعد. غير أنني سألته، فكان جوابه موضوعياً جداً حول أهمية القضية الفلسطينية وضرورة أن تكون قضية العرب الأولى.
ندوة، فمقالات، فزواج
• أخبرينا، كيف قادتك مقابلة ساطع الحصري إلى لقاء شفيق الحوت؟
نعم، صحيح. كنا يومذاك نقترب من 15 أيار 1960. اتصلت بـ"مجلة الصحافة" وسألت الأخ محسن أبو ميزر عن بعض مؤلفات الحصري لقراءتها ثانية، فمكتبة العائلة كانت لا تزال في الصناديق منذ مجيئنا من عمّان، فأجابني بأنه لا يعلم ، لكنه دعاني إلى مكتبه مساء ذلك اليوم، حيث بإمكاني أن أستمع إلى ندوة صحافية عن 15 أيار كي تنشر في جريدة "الصحافة"، وكان قد دعا إليها عددا محدودا من الأساتذة والكتّاب، وذكر لي كلا من وليد الخالدي ومنح الصلح. وذهبت. وابتدأ الخالدي بالحديث، وبعد نحو نصف ساعة دخل شاب يملأه العنفوان، واعتذر بسرعة عن تأخره بسبب عمله في "مجلة الحوادث". وكان هذا هو شفيق الحوت. لم تعجبني طريقته بالاعتذار، ولكن، عندما قدّم مداخلته، لفتني فكره السياسي الواضح وثقافته العالية وجرأته غير العادية. بعد ذلك، تعدّدت لقاءاتنا، وإن بقيت كلها في إطار المناسبات العامة. فكنا نلتقي مثلاً في "مطعم فيصل" حيث كان يجتمع عدد كبير من الصحافيين والمثقفين. كما التقينا مرة أيضاً في "النادي الثقافي العربي"، وكان عنوان المحاضرة "اليسار والقومية العربية"، وكان هو المحاضِر.
أما اللقاءات التي أوصلت بنا إلى الزواج فقد بدأت عبر صديقٍ مشترك هو الشاعر الشهيد كمال ناصر. وقد حدث هذا بعد الانفصال بين مصر وسوريا. كان يجمعنا نحن الثلاثة غضب شديد وألم عميق مما جرى. أهكذا تنتهي الوحدة؟ وفي أحد الأيام، اتصل بي كمال وطلب مني مرافقته إلى "دار الصياد". وفي صباح اليوم التالي، صدرت "جريدة الأنوار" وعلى صفحتها الرئيسية العنوان العريض بالأحمر: نائب بعثي أردني سابق يستنكر الانفصال . وكان من الطبيعي أن يثير هذا العنوان غضب مؤيدي الانفصال وغضب العروبيين ايضا الذين انتهجوا الصمت. وكنا نحن الثلاثة مقتنعين بأن حزب البعث وغيرهم من العروبيين لم يقوموا بواجبهم في حماية الوحدة. بعد ذلك، بدأ كمال ينشر مقالات في "مجلة الحوادث"، وكان يدعوني إلى المجلة لإبداء الرأي بها قبل نشرها. كنت أجلس وإياه في قاعة التحرير. وفي أثناء جلوسنا، كان يدخل علينا شفيق الحوت ويدعونا إلى مكتبه، حيث كنا نشترك بالنقاش. وكانت هذه اللقاءات هي بداية السكة التي أدّت إلى الزواج في ما بعد.
قبل أن أتعرف جيداً إليه، كنت أسمع من البعض أن شفيق شيوعيّ، فيما كان البعض الأخر يقول عنه إنه يميل إلى الفكر السوري القومي الاجتماعي. ولكن الحقيقة التي اكتشفتها في ما بعد انه كان يسارياً في تفكيره، وكان همّه الأول تحرير فلسطين.
تزوجنا في ربيع العام 1962، وأنجبنا حنين وسيرين وهادر. وأذكر هنا أنه عندما ولدت ابنتي الكبرى حنين، كتب سليم نصار في جريدة "الأنوار" خبراً يقول: "رزقت زمليتنا بيان نويهض بمولودة اسمتها جزائر". وكان في ذلك يشير بمرح إلى كتابتي 17 موضوعاً عن ثورة الجزائر في عام ٍ واحد.
لم يوقفني الزواج عن متابعة دراستي للعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، ولا عن متابعة نشاطي الحزبي في "حزب البعث"، وأنا قبل الانفصال كنت أصبحت مسؤولة عن "شعبة الشياح" التي كانت تضم ثمانين بعثياً معظمهم من العمّال. لكن هذه المرحلة لم تدم طويلاً، فبعد وقوع الانفصال شعرنا بضرورة توجيه النضال في إطار جديد، فأنشئت "شعبة فلسطين" التي كان المسؤول عنها الأخ توفيق الصفدي، وانتقلت أنا بحكم الواقع الجديد إلى شعبة فلسطين.
القلق والخطر مع شفيق الحوت
• بعد الزاوج، انتقلت من "حزب البعث" إلى العمل مع شفيق الحوت. أيّ تنظيم جمعكما؟
أسس شفيق الحوت مع عدد من أصدقائه المناضلين تنظيم "جبهة التحرير الفلسطينية ـ طريق العودة". اقتنعت بمبادئ هذا التنظيم، وانتميت اليه، وذلك بعد أن كنت قد تركت "حزب البعث" بنحو سنة، وكان عملي في إطار الشعبة النسائية التي كانت بقيادة سيدة عظيمة جداً هي الكاتبة والصحافية الفلسطينية سميرة عزّام، التي توقف قلبها عن الخفقان في أعقاب انكسار الجيوش العربية في حرب 1967.
• عشت لحظات من الخطر لا تنسى مع شفيق الحوت بعد تأسيس "منظمة التحرير الفلسطينية". ماهي أبرز محطات تلك المرحلة؟
كان شفيق الحوت من المتحمسين جداً لإنشاء "منظمة التحرير الفلسطينية". والحق يقال هنا أن شفيق هو من الأباء المؤسسين للمنظمة. وأذكر أن أحمد الشقيري كان قد زارنا في منزلنا أكثر من مرة لهذه الغاية. احترمت حماس زوجي جداً واندفاعه نحو هذا الهدف، ولكن، مع ذلك، كنت أشعر بالخوف من هذه الخطوة. وكان سبب خوفي هذا يعود إلى أنني لم أكن مطمئنة إلى "جامعة الدول العربية" على الرغم من ثقتي بجمال عبد الناصر وقادة الثورة في الجزائر.
بعدما أصبح مديراً لمكتب منظمة التحرير في بيروت، تفرّغ شفيق للعمل النضالي، واستقال من مجلة "الحوادث"، ولكنه لم يتوقف طوال حياته عن الكتابة التي كانت تسري بدمه.
من جهتي، كنت في تلك الفترة قد تركت العمل الصحافي واقتصر عملي الإعلامي على الكتابة الإذاعية التي من خلالها توثقت معرفتي بالإعلامي الكبير كامل قسطندي، وكان ذلك في العام 1966.
كان من أكبر الصعوبات التي واجهتنا معاً في حياتنا محاولات الاغتيال المتتالية التي تعرّض لها. كانت أولى هذه المحاولات في 17 شباط 1967، وقد جرت هنا على باب المبنى الذي أقطن فيه. كانت الساعة تشير إلى حوالي التاسعة مساء، كان شفيق عائداً إلى المنزل. وبعدما نزل من سيارته، أطلق عليه مجهولون النار، فأصابته إحدى رصاصاتهم، وكان ممكناً أن تكون قاتلة لولا رحمة الله. لم أسمع صوت الرصاص، ولم أعرف ماذا جرى إلا بعدما سمعت ضجة غير عادية على درج المبنى. فتحت الباب لأرى ماذا يحدث، وما أن شاهدتني جارتي نهلة صعب وكانت قادمة لتخبرني حتى صرخت: "قوّصوه للأستاذ شفيق". كانت هذه اللحظة من أصعب اللحظات في حياتي. وفجأة فتح باب المصعد، وشاهدت شفيق يمشي على مهل وهو ينزف ويتكئ على الجيران. وصل رجال الدرك، وهم من أخذوه بسيارة الجيب العسكرية الى مستشفى الجامعة الأميركية. ورافقتهم. وفي الطريق سأله أحد أفراد الأمن اللبناني إذا كان يتهم أحداً معيناً بهذه الجريمة، فأجابه بأنه يتهم المخابرات الأردنية.
وكان شفيق قبل تعرضه لمحاولة الاغتيال على خلاف مع رئيس "منظمة التحرير الفلسطينية" أحمد الشقيري وصل إلى حد طلب الشقيري منه ترك مكتبه في لبنان والذهاب إلى الهند، ولكن شفيق رفض هذا الطلب، كما أنه رفض مجرد الاحتمال بأن يكون الشقيري وراء عملية الاغتيال. ولم تكن هذه المحاولة هي الوحيدة التي تعرض لها خلال حياته النضالية، فقد تعرض لأكثر من محاولة أذكر واحدة منها بواسطة إطلاق صواريخ على مكتب "منظمة التحرير" في منطقة كورنيش المزرعة، من المبنى المقابل للمبنى الذي يقع فيه مكتب المنظمة. وكانت هذه المحاولة بتدبير من الموساد. يومها، كان شفيق في مكتبه، ولكن العناية الإلهية أنقذته.
بعد استقالة أحمد الشقيري من رئاسة "منظمة التحرير"، خلفه ياسر عرفات. وعلى الرغم من الصداقة الشخصية ومرحلة النضال الطويل المشترك التي كانت تجمع شفيق الحوت بياسر عرفات والتي كانت إحدى أبرز محطاتها مرافقة زوجي له إلى نيويورك في العام 1974 لما ألقى عرفات خطابه الشهير على منبر الأمم المتحدة، فقد كان أبو عمار حريصاً على الا يصل الحوت وامثاله إلى المراكز الحساسة التي كان يعتبرها حكراً على من يقولون له "نعم" في كل الحالات. وكان شفيق صريحاً وشفّافاً في مذكراته عن علاقته بالأخ القائد ابو عمار، وبغيره من القادة والإخوة.
كمال عدوان وأبو حسن سلامة
• خلال أبحاثك، قابلت عدداً كبيراً من القيادات الفلسطينية. من منهم ترك في نفسك وعقلك انطباعات واضحة؟
لا متسع للحديث عن الجميع. لكن مثلا، لا أنسى مقابلتي مع الأخ أبو يوسف النجار او الأخ أبو إياد، ويصعب الحديث عن الأثر في نفسي فكلهم كانت لي سابق معرفة بهم، غير أنني لا أنسى السؤال الأهم بالنسبة لي وكان عن السبب الرئيسي الذي دعاهم إلى الانتماء للثورة. هنا قال لي الأخ كمال عدوان بأنه كان يعمل في إحدى دول الخليج، وكان يعيش في بحبوحة مادية، حتى أنه كان يحتار أين يقضي فصل الصيف. إلا أنه قرر ترك كل شيء من أجل الثورة احتراماً لنفسه ولفلسطينيته. وبدوره، روى لي الأخ أبو حسن سلامة أنه عندما كان صغيراً، أحاط به أولاد شريرون وسألوه عن جنسيته، فخاف منهم وقال لهم: "أنا سوري". ولذلك قال لي بأنه انتمى للثورة وهو يعلم انها لن تحرر حيفا، لكنه لا يريد لابنه أن يتعرض لما تعرض له هو فينكر هويته الفلسطينية. وقال لي بأنه يكفيه بعد الثورة بأن ابنه يفتخر بأنه فلسطيني.
• كيف أثّرت الحرب الأهلية في لبنان عليك؟
مع كل سيئاتها كان للحرب الأهلية في لبنان شيء إيجابيّ وحيد عليّ، وهو كونها أزالت كلّ خوف من نفسي، بحيث بتّ لا أقلق وأنا أشاهد شفيق يستقل سيارته وحيداً من دون أيّة مرافقة أو حراسة، ويذهب ليلاً إلى منطقة الفاكهاني للقاء ياسر عرفات. كما جعلتني لا أصاب بالهلع كما كنت سابقاً عندما أسمع صوت الرصاص، فالقذائف العشوائية التي قتلت الأطفال علمتني أن الموت لا هروب منه، لم الخوف إذا؟ وخلال الفترة التي اقفلت فيها المدارس تحوّلتُ إلى معلمة لأولادي في المنزل. ومع استمرار الحرب، قرّرت عدم تفويت سنة دراسية أخرى على أولادي، فأخذتهم إلى ألمانيا الديموقراطية أولاً حيث امضوا فترة في معسكر خاص بالشباب، ثم انتقلت بهم إلى القاهرة حيث استطعت تسجليهم في المدرسة الألمانية هناك. السنة التي أمضيناها في القاهرة سمحت لي أيضاَ بأن أستفيد من مكتباتها للاطلاع على المراجع الضرروية لي في رسالة الدكتوراه . وساعدني في ذلك الصديق أحمد صدقي الدجاني. كان الدكتور الدجاني يحاضر في المعهد العالي التابع لجامعة الدول العربية، فأعارني بطاقته المكتبية، ما سمح لي باستعارة الكتب، وبالاطلاع على الكتب المحفوظة في الخزائن التي لا يُسمح لأي كان بالاطلاع عليها، وهكذا تسنى لي إكمال كتابة رسالة الدكتوراه.
حكاية قسم الدراسات العليا بالجامعة اللبنانية
• لنيلك شهادة الدكتواره قصة..
صحيح. في العام 1969، صدر قرار عن رئاسة الجامعة اللبنانية يقضي بانشاء قسم الدراسات العليا في كلية الحقوق والعلوم السياسية، ففي السنة الأولى افتتح صف دبلوم "القانون العام" أمام طلاب الحقوق والعلوم السياسية، بينما افتتح في العام التالي صفان واحد لدبلوم "القانون الخاص" للحقوقيين، والثاني لدبلوم "العلوم السياسية". في تلك الفترة قرّرت التفرغ لدراستي وعائلتي. تركت النشاط في العمل النسائي في "الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية"، وكذلك النشاطات الأخرى، ووضعت نصب عيني الحصول على شهادة الدكتوراه لا من أجل الشهادة، بل من أجل التفرغ بعدها للتعليم الجامعي وللكتابة.
موضوع رسالتي للدكتوراه "القيادات والمؤسسات السياسية الفلسطينية 1917 ـ 1948". وكان أبرز معاون لي في أثناء تحضيري للرسالة هو أستاذي المشرف الدكتور أنيس الصايغ. عندما بدأت أفتش عن المصادر والمراجع، وجدت أن المصادر والمراجع المتوفرة لا تغطي نسبة 20 في المئة من الموضوع. وبالمقاييس العلمية يتحتم على الطالب البحث عن موضوع آخر. طلبت من أستاذي المشرف الدكتور أنيس الصايغ مهلة سنة للبحث عن المزيد من المصادر والمراجع إيماناً مني بأن فلسطين تستحق المغامرة بالعمر كله، فما بالنا بسنة واحدة. ووافق الدكتور الصايغ. وهنا أقول بانه كان لعملي الصحافي السابق تأثيره على دراستي الأكاديمية، فأنا ابتدأت البحث عن المراجع من خلال إجراء المقابلات مع السياسيين والمناضلين الذين عاصروا مرحلة الانتداب، وأمدّني هؤلاء بما كان كل منهم يحتفظ به في مكتبته الخاصة، كما اعطوني أسماء معارف لهم. كان من أبرز الذين قابلتهم المفتي الحاج أمين الحسيني، كما قابلت العشرات من القياديين والمسؤولين، ولا أنسى من بينهم الأستاذ أكرم زعيتر ويومياته الخاصة التي أعارني إياها، كما أنني لا أنسى والدي الذي أمدّني بكل ما في مكتبته وأوراقه الخاصة، فضلا عن مقابلاتي المتواصلة معه.
أما المصدر فائق الأهمية فكان مجلدات جريدة "الجامعة العربية" التي كان يصدرها الأستاذ منيف الحسيني لسبع سنوات، تبتدئ سنة 1927، وهو ابن شقيقة الحاج أمين. كيف أنسى يوم أعطاني العم منيف المجلدات كلها مرة واحدة، فوضعها الشباب في صندوق السيارة. وكان شعوري وأنا اقود السيارة من منزل الحاج أمين الحسيني في المنصورية عائدة الى بيتي، بأنني أحمل ثروةً كبيرة لا تقدّر بثمن.
• لنتحدث قليلاً عن مرحلة التعليم الجامعي.
في العام 1978، نلت شهادة دكتوراه الدولة في العلوم السياسية، وبدأت مرحلةً جديدة من حياتي. أحببت طلابي كثيراً، وسعيت دوماً لأسير على نهج أساتذة كبار تتلمذت على أيديهم، من أمثال إدمون نعيم وبطرس ديب وأنور الخطيب، كما لا أنسى من صغار الأساتذة عمراً والكبار قدراً يومذاك صلاح الدبّاغ. من المؤسف أن بعض قيادات الأحزاب الوطنية اللبنانية وكذلك بعض قيادات المنظمات الفلسطينية اعتقد أن وجودي في الجامعة اللبنانية سيكون مفيداً له في تمرير بعض الأمور. وأذكر، في إحدى المرات، حضرت إلى المنزل، وكان زوجي مجتمعاً مع ضباط من مجلس قيادة الكفاح المسلّح الفلسطيني، وكانوا قد أتوا إلى منزلنا للمراجعة بشأن ضابط زميل لهم في مجلس القيادة رسب في مادة القضية الفلسطينية التي كنت ادرّسها. رفضت رفضاً قاطعاً تعديل النتيجة، وكان شفيق معي في هذا الرأي. وكان كلّ ما فعلته هو أني قابلت التلميذ الضابط، وشرحت له أسباب رسوبه، فعاد في دورة الخريف لتقديم الامتحان ثانية.
مشاهد من حصار بيروت
• كيف عشتم مرحلة حصار بيروت في العام 1982؟
شكّل الاجتياح الإسرائيلي مفاجأة غير متوقعة. كانت المنطقة التي نسكن فيها "وطى المصيطبة" عرضة للقصف طيلة فترة الحصار الإسرائيلي لبيروت. فيها مقر "الحركة الوطنية"، وعلى بعد أمتار منه مكتب "منظمة التحرير الفلسطينية" على كورنيش المزرعة. اتخذنا القرار بترك المنزل ريثما تهدأ الأحوال. سكنا اولاً في منزل شقيقتي نورا. بعد ذلك، انتقلنا إلى منطقة ساقية الجنزير حيث سكنا في شقة قدّمها لنا أحد الأصدقاء. في أثناء وجودنا في هذه الشقة، كان الأخ ياسر عرفات يتردد علينا باستمرار، كما كان يلتقي عندنا مجموعة من الأدباء والمفكرين والمثقفين، يتداولون في شؤون المرحلة، منهم محمود درويش وابراهيم أبو لغد. كما زارنا أيضاً عدد كبير من الصحافيين الأجانب للحصول على أحاديث من شفيق.
وفي تلك الفترة توفي والدي في 25 حزيران. وكان والدي قد بنى ضريحاً له في حديقة منزله في رأس المتن، وأوصى بأن يدفن فيه. كان الوصول إلى رأس المتن متعذراً في تلك الفترة، بسبب الحواجز الإسرائيلية وانقطاع الطرقات. بقي جثمانه في براد كلية الطب حوالي الأسبوع، إلى أن قام ابن عمنا عادل أبو الوليد بتأمين سيارة إسعاف تولت نقله إلى رأس المتن. أنا لم أتمكن من مرافقة الجثمان، ولكن، مع ذلك، شعرت بارتياحٍ في داخلي لأنني تمكنت من تنفيذ وصيته.
خلال الحصار أيضاً، كان جارنا في المبنى الذي سكناه في ساقية الجنزير وزير الشؤون الاجتماعية السابق الدكتور عبد الرحمن اللبان. وكنت أطلب منه أن يؤمن لي البنزين لسيارتي فكان سائقه يضع في سيارتي خمس ليترات أو أكثر قليلا. وأما شفيق فرفض إعطائي حتى القليل، لأن البنزين كان للمقاتلين فقط. وفي أحد الأيام شاهدت عناصر من "المرابطون" يعبئون البنزين في الساحة، ففرحت وعبأت خزان سيارتي. ولما أخبرت الصديق اللبان بدا عليه الانزعاج. وفي اليوم التالي، أرسل سائقه يطلب مني إعارته بعض البنزين لسيارته. تفاجأت بأن السائق أفرغ سيارتي من الوقود. وانتهت الحرب. وذات يوم سألت اللبان عن سر تصرفه، فأخبرني أنه هو من طلب من سائقه ذلك. سألته: لماذا؟ ولمحته يتبادل النظرات مع شفيق وفهمت انهما كانا متفقين على ذلك. وأجابني اللبان: "شو أنا مجنون حتى خلّيكي تضلّي تروحي وتجي بالسيارة تحت القصف؟! إنت شخص ما فيه إلا يروح على كل محل تعرّض للقصف". تأثرت جداً لهذا الكلام الصادر عن شخص كان ذا قيمة أخلاقية وعلمية مميزة، وفوق ذلك كله كان شخصاً وفياً لأصدقائه.
بعد الاتفاق على خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، صرت أذهب يومياً برفقة صديقاتي جاكلين إنكليسز إلى منطقة الملعب البلدي، لوداع المقاتلين. كانت معنويات هؤلاء مرتفعة جداً، ولم تقوَ عليها كلّ طائرات إسرائيل التي دكّت بيروت على مدى ثلاثة أشهر. ولا أنسى منظر أخوين صغيرين بالزي العسكري كان كلما سأل صحافي احدها عن مكان توجهه يعطيه جوابا مختلفا، وبلهجة عسكرية.
"لم نخبر بعضنا إلى أين نحن ذاهبان"
• اخبرينا عن المواجهة مع الاسرائيليين في منزلك؟
بعد خروج المقاتلين، عدنا إلى منزلنا في منطقة وطى المصيطبة، وبدأنا بإصلاح ما خرّبه القصف الإسرائيلي. وكنا وحدنا، فالأولاد قد غادروا إلى المانيا، إذ كانت ابنتي حنين تريد الالتحاق بالجامعة، وأخذت معها سيرين وهادر للمكوث عند أصدقاء هناك حتى تفتح المدارس. وفي يوم زارنا صديق أجنبي وزوجته، ثم دوى انفجار رهيب، فغادرا مسرعين، غير أنهما عادا الى الاتصال وأكدا لنا خبر اغتيال بشير الجميل، مع النصيحة بمغادرة المنزل. عند الفجر، توجهنا أنا وشفيق إلى أصدقائنا في ساقية الجنزير. قضينا ليلة في ضيافتهم، ثم غادرنا عند الصباح كلّ في طريقه من دون أن نخبر بعضنا إلى أين نحن ذاهبان. عدت أنا إلى المنزل، بينما توجه هو إلى أحد الأصدقاء كما علمت لاحقاً.
لم يكد يمضي وقت طويل على وصولي المنزل حتى جاء جارٌ لنا في الحيّ، وأخبرني بأن الإسرائيليين سألوا عن منزل شفيق الحوت، وكانوا يحملون معهم خرائط للمنطقة. قال إنهم لا بد قادمون. وكان الأمر متوقعاً. ويومها، كان معي في البيت أبناء زياد الحوت شقيق زوجي ووالدتهم هناء، فطلبت منهم الذهاب إلى منزلهم حتى لا يتعرض الصغار لأي اعتداء من الجنود الإسرائيليين. لكن هناء أجابتني بصوت صارم: "مستحيل أن أتركك وحدك".
وفجأة... سمعنا طرقاً عنيفاً على الباب. أربعة عسكريين على رأسهم ضابط سألني بلهجة جافة: "هل شفيق الحوت هنا؟"، فأجبته بالنفي. وبعد ثوانٍ من الصمت، دخل المنزل ومعه جنوده. وسألني بلهجة متغطرسة: "هل من العادة أن يهرب رجالكم؟". فأجبته بهدوء: "أنت تعلم أن موعد مناقشة القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة قد اقترب، وزوجي بحكم موقعه في منظمة التحرير يحضر كلّ هذه الدورات".
بعد ذلك، فتشوا المنزل، فتشوا الرفوف والملفات القديمة وفتشوا كل الغرف. وقبل أن يغادروا التفت إليّ قائدهم وعاد يسألني بصوت متغطرس: "أتشهدين على أننا كنا متحضرين معك؟". صدقاً ارتبكت لهذا السؤال: أي حضارة يتحدث عنها هذا الشخص وأنا أرى أمامي هذا السلك الناسف الذي يرتفع عن الأرض على مدخل بيتي، والذي يكفي لنسف شقتي بأكملها. وبعد لحظات، وجدت نفسي أقول له: "لقد كنتم أكثر تمدنا معي مما كنت أتصور، ولكنني لم أكن معكم في بيوت أخرى لأعرف كيف تتصرفون".
• أنجزت توثيقاً دقيقاً لمجازر صبرا وشاتيلا. ما هي ظروف هذا العمل؟
عندما بدأت أسجّل شهادات ذوي الضحايا قبل نهاية العام 1982، كان هدفي توثيق هذه الشهادات التي تتكلم عن نفسها، حتى أن فكرة نشرها لم تكن واردة بالنسبة إليّ على الإطلاق. كان همّي الأكبر إنسانياً بالدرجة الأولى، لم أكن أدرك في البداية أهمية جمع أسماء الضحايا، فقد كانت أخبار المجزرة تصمّ الأذان وتعمي العيون.
بدأنا العمل أنا ومجموعة من الصديقات حالما خرج المحتل من بيروت. كان همّنا هو التواصل قدر الإمكان مع ذوي الضحايا. وأخذ الأهالي يتكلمون عن مأساتهم. أغضبني جداً "تقرير كاهان" الذي صدر في إسرائيل عن المجزرة، في شباط 1983، وقرأته في جريدة "السفير". شعرت أنه احتوى على الكثير من المغالطات والحقائق المحرّفة، وقد ثبت لي في ما بعد أن تقرير كاهان كان يستند إلى التقرير السرّي الذي أصدره المحقق اللبناني في مجازر صبرا وشاتيلا القاضي أسعد جرمانوس. وكان القاسم المشترك بين التقريرين هو الاستناد الى مزاعم غير حقيقية بأن المخيمات كانت تضم 2500 مقاتل. وبينما كان "تقرير كاهان" يشير علناً إلى مسؤولية "القوات اللبنانية" عن المجزرة، كان تقرير أسعد جرمانوس ينفي ذلك. فكان هدف العمل الذي قمت به هو، أولاً، إثبات أن ما جرى هو مجزرة وليس معركة. وخلال عملي، انتبهت إلى ثلاث مسائل في غاية الأهمية:
المسألة الأولى تفيد بأن أحداث المجزرة ومآسيها أعمق وأبعد من كلّ ما كان ينشر علناً أو يقال همساً. المسألة الثانية تتعلق بالتحوّل المذهل في أحوال بيروت. فهذه المدينة تحولت من حال الصراخ والبكاء ونشر صور المجزرة على الصفحات الأولى للصحف إلى حال الصمت المطبق. لم تعد سياسة السلطات اللبنانية خافية على أحد، وهي سياسة التعتيم الاعلامي الكلّي على المجزرة. المسألة الثالثة تتعلق بالجنود الاسرائيليين الذين فتشوا بيتي، فما زال سؤال قائدهم لي يرن في أذني: اتشهدين أننا كنا متحضرين معك. إزاء هذه المسائل الثلاث، اتخذت القرار بالشروع في مقابلات مطولة مع ذوي الضحايا قبل فوات الأوان، ومهما تكن العقبات.