| 

لم تولد في بيت "أعطاها الأشياء بالمعلقة"، إنما اكتشفتها في ما بعد بداخلها. لم يقرأ لها والداها الشعر، لكن هنالك ما تم تخزينه داخلها وتكدس وامتلأ بالغبار، ومع الوقت والسنين والنضوج، بدأت باستيعاب وفهم تفاصيل من الدنيا، بأنّ هنالك حاجة أكبر في الحياة من مجرد الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة أو العمل.
في ذاكرتها ثلاث قصص من الطفولة ترتبط بالشعر. القصة الأولى لربما موروثة بالفطرة أو بالجينات أو من الذاكرة الشفويّة، فجدّها (والد أمها) كان شاعرًا. لم تعرف جدّها ولم تلتق به، لكن سمعت عن لسانه، من والدتها وخالاتها وأخوالها، شعره المحكيّ، الزجل، وعلق في ذاكرتها وحفظت منه أبياتاً. فمكتبته في مدينة أم الفحم احترقت، وبقي من قصائده بعض الأبيات التي حفظها أبناؤه وبناته.
القصّة الثّانية مرتبطة بوالدها، العمّ "أبو السعيد"، الذي حفظ قصائد من الشعر الكلاسيكيّ، كجزء من منهاج التربيّة القديم للأدب العربيّ، في الأربعينيات، وما قبل الاحتلال. حين كانت طفلة، كان والدها يردّد عليها بعض القصائد، حتى حفظتها.
أما القصّة الثالثة فهي شخصيّة. في مكتبة البيت الغنية بالكتب، كانت مجموعة "لا" للشاعر نزار قباني، وكان لون الكتاب أحمر. كانت تقرأ فيه حين كانت في الصف الأول، فهي كانت تقرأ وتكتب قبل دخولها إلى المدرسة. حفظت منه بعض القصائد التي لم تفهمها. وفي الصف الخامس ابتدائي، كتبت قصائد بالفحصى. "شعر ملوش معنى"، تقول. وكانت تقرأ بديوان المتنبي، ولديها دفتر كتبت فيه بعض الأبيات لقصائد حفظتها من والدها.
في مرحلة دارستها الجامعيّة، عادت الكتابة لتكون محور حياتها من جديد. فقد بدأت هي وصديقة لها بكتابة مقالات سياسيّة، تلتها نصوص شعريّة سياسيّة تصفها عزايزة اليوم بـ "النصوص التافهة". وتكاثرت النصوص، إلا أنّها ترى أنّ تلك المرحلة لم تحتضن مشروعًا شعريًا واضحًا.
في هذه الأيام، صدر للشاعرة الفلسطينيّة أسماء عزايزة ديوانها الثّاني "كما ولدتني اللدّيّة" عن دار الأهلية في عمّان، وهي مجموعتها الشعريّة الثّانيّة بعد "ليوا" الحائزة على جائزة الكاتب الشاب في حقل الشعر من "مؤسسة عبد المحسن القطان" في العام 2010.
اتفقنا أنا وصديقتي أسماء عزايزة أنّ نلتقي بعد دوام العمل، خلال أيام الأسبوع، لإجراء هذا الحوار، بمناسبة صدور ديوانها الثاني. خرجنا الخامسة عصرًا، وقررنا أنّ نجلس في أحد المقاهي التي نعرفها وتعرفنا. كان الجوّ ماطرًا. اخترنا طاولة عند طرف المقهى، بعيدًا عن سماعات المحل، بغية تسجيل الحوار صوتيًّا.
قبل أنّ أبدأ بسرد أسئلتي وحصد أجوبة أسماء حول علاقتها الأولى بالشعر، الجائزة، الفكرة الأولى لديوانها الثاني "كما ولدتني اللدّيّة"، وغيرها من الأحاديث، من الجدير التذكير بأنّي وأسماء صديقتان منذ العام 2004، أيّ ما يقارب الإثني عشر عامًا بعد قليل، وكان هذا الحوار لحظة انكشافٍ على تفاصيل وقصص لم نتطرق إليها في كلّ هذه السنين، على الرغم من قرب صداقتنا. ومثل هذه المحطّات، وهذه الحوارات، هي باب إضافيّ إلى الروح، تضيف جمالًا إلى عالم مليء بالخراب.

حاورتها: رشا حلوة
• متى شعرت بأنّ قصيدتك أصبحت مشروعًا؟
حصل ذلك تدريجيًا. فكرة التقديم للجائزة حمستني قليلًا. وكنت قد بدأت بالنشر قبلها أيضًا. من ثم بدأت وتيرة الكتابة تشتد. وقبل التقديم للجائزة، بدأت بتجميع قصائد الديوان. لكن فعليًا، أشعر الآن، وبعد ديواني الثاني، بأنه لدي مشروع شعريّ.
• بماذا ساهمت هذه الجائزة لك ولمشروعك الشعريّ؟
لم تكن مساهمة مباشرة من الجائزة نفسها. بل بالعكس، بعد "ليوا"، انقطعت عن الكتابة. وهذا الانقطاع بلوّر معالم الديوان الثاني. بدأت أُبحر في شخصية "الخضر". لكني لم أكتب فعلًا. لم يكن هنالك مشروع. لم تكن الجائزة هي التي جعلتني أشعر بالمشروع. إلا أنّ ما جعلني أصل إلى هنا هو الشعر نفسه، وما الجائزة إلا محطّة. ولم أكن لأخوض تجربة المنافسة في المسابقة لو لم أكن أريد هذا الطريق. والطريق له علاقة بشخصيتي أنا وتكويني والطريقة التي أحبّ أنّ أعبّر عن نفسي من خلالها. الجائزة أثرت، لكنها لم تكن سببًا رئيسيًا بقرار خوض مسيرة الشعر.
• هل ممكن أنّ نعتبر أن في "ليوا" شيئًا من سيرتك الذاتيّة أو تفاصيل حياتك اليوميّة؟
نعم. لكني لا أشعر بأنّ السيرة الذاتيّة يجب أنّ ترافق الديوان أو المشروع الأول وتختفي. بل هي سرّ الشّعر وجوهره، برغم أنها غير حاضرة بكثرة في ديواني الثّاني. أحبّ هذه المساحة. وأشعر بأنّها مرتبطة كثيرًا بطبيعة قصيدة النثر عمومًا، حيث أن كلّ منابعها الحسيّة والفكريّة والنفسيّة والشخصيّة تخرج من السيرة الذاتية. والسيرة الذاتية مكان صعب، صعب للإنسان أن يحفر به، وأسهل ما يمكن هو أن تبتعدي عنه. أعتقد أنّ هذا الأمر هو تحد بالنسبة إلي، كوني شخصاً يخاف من الموضوع الشخصيّ لأني أعتبره مطبًا. يمكن أن يأخذني لمكان فيه بوح زائد وانكشاف.. وأنا في الشعر لدي حديّة معيّنة، بالرغم من رغبتي بكسرها.
• من أين جاءت فكرة "كما ولدتني اللدّيّة"، والرغبة في الإبحار بنصّ فيه حضور أسطوريّ ودينيّ؟ ما هو المحفز لخوض هذه الرحلة؟
أخذتني كتابته مدة خمس سنوات. كانت هنالك محطّة أولى للبداية، لكن لم تكن الرحلة واضحة عندها. هذه المحطّة تُرجمت كقصيدة نُشرت ضمن "ليوا"، لكني قمت ببعض التغييرات. يعني غشّيت (تضحك). هذه القصيدة مرتبطة بالمكان. كلّ الديوان الجديد مرتبط بالجغرافيا. وارتباطه بالجغرافيا أظهر روابطه الدينيّة والتاريخيّة والنفسيّة. هذا المكان هو "ستيلا مارس" في مدينة حيفا، كنيسة مار الياس/ مار جرجس ومغارة بعل التي أصبحت في ما بعد مغارة "إلياهو" التي تحوّلت إلى شبه كنيس. وهي تعود إلى فترة ما قبل اليهوديّة، إلى الكنعانيّة، وهذا أمر مثبت.
كلّ الوقت، ربطني شيء خاص بتلك المنطقة. والكثيرون مثلي. طبيعتها جميلة. وفي فترة ما، كتبت قصيدة لها علاقة بهذا المكان وبـ "الخضر" (ولم أصل عندها بعد للمعلومة أن قصة "بعل" هي ذاتها)، فكان في رأسي الخضر ومار جرجس، وهو كنعانيّ سبق الديانات الثلاث والتوحيد لأنه مقاتل وليس قديسًا. فيه شيء سياسيّ أكثر من دينيّ، والسياسي مرتبط بالدين.
وبعد هذه القصيدة، بدأت أشعر بأنّ شيئًا ما يربطني بهذه الأيقونة. ومع الوقت، بدأت أقرأ عنه، وأكتب، وأتخيّل لو كان هنا الآن، ماذا كان ليقول. ومع مرور الوقت، تبلوّرت فكرة الديوان: "بعل" عاد ليقوم برحلة في فلسطين في العام 2015.
• هل يمكن أنّ نعتبر "كما ولدتني اللدّيّة" نصًا شعريًا سياسيًا؟
نعم. وبتعرفي شو؟ صار لدينا تخوّف من السياسيّة لتخوفنا من الكليشيه. أنا أؤمن بالقصيدة الشموليّة. بمعنى أنّ منابع مصادر الكاتب والشاعر هي شموليّة. هي من كلّ مكان، ومبنية على الثقافة العامة. وفي هذه الشموليّة، هنالك سياسة. فليكن. نحن، كفلسطينيّين، نخاف، وتخوفنا شرعيّ.
• لما نخاف؟
لأن النصّ السياسيّ ارتبط بالكليشيه. وبدلًا من أن نكسر هذا الكليشيه ونستمر بكتابة قصيدة سياسيّة، صرنا نخاف منها. نستطيع أنّ نقتل الأدوات والمعجم، لكن ما من شيء غير سياسيّ. كل شيء هو سياسيّ، جلستنا هذه سياسيّة. لكن "قتل الأب" أو قتل الشيء السابق، هو ليس قتل للثيمة والموضوعة. ومثلما قال بورخس، ليس هناك استعارة لم يكتب عنها البشر. أنت تقتل الأدوات والأسلوب ومبنى القصيدة، وتتمرد على معجم القصيدة، لكن لا تتمرد على الموضوعة.
• لنحكي عن التخوف بمستويين. الأول هو المتلقي/ الجمهور. هل كان لديك أي تخوف من أنّ القارئ سوف يستصعب فهم النصّ؟ والمستوى الثانيّ، ولأن النصّ جاء نتاج بحث في التاريخ الدينيّ والأسطوريّ، هل عندك اليوم تخوّف من هذه المساحة؟ ومن فكرة أنّك حاورتِ "نصًا مقدسًا"؟
بالنسبة إلى الشق الأول من السؤال، طبعاً. هذا كان تخوفي ورافقني حتى لحظات قليلة قبل طباعة الديوان. ووصلت إلى نتيجة، لا قناعة تامة فيها، لأن لا قناعة تامة بالشعر، ولكن هنالك شجاعة بالشعر، وهي مطلوبة. تخوفي لا يزال حاضرًا، لكن التخوف لا ولن يمنعني من كتابة ما أريد كتابته ونشره. ولكن أصبحت لدي ثقة بالنص وببعده التجريبيّ. ممكن أن يكون غامضًا، لكن مع بحث معين، لن يكون كذلك.. وهو غير عصيّ على الفهم. حتى القصيدة البسيطة واليوميّة، التلقي فيها يختلف من شخص لآخر، وهنالك من سيستصعب تلقيها. وهذه لذة الشعر، بأنّه لا يعطيكِ الأشياء جاهزة. هذه لعبته ولعبة اللغة والاستعارات وهنا كل مساحته.
أما إجابة الشق الثاني من السؤال فلا، لم أخف. ليس هدف الديوان أن يمسّ بالذات الإلهية ولا أن يمحي الديانات السماويّة ولا أن ينادي بالإلحاد. هو يأخذ من النص الديني ما يريد. النص الديني لنا جميعًا. كلّ ما فعله التاريخ وصنعه البشر وتم تأريخه، هو ملك الجميع. أتعامل مع النص الدينيّ كنص أدبيّ. ولا أحد يستطيع أن يجادل هذه الحقيقة. لو لم يكن النصّ الدينيّ نصًا أدبيًا، لما كُتب القرآن بهذه البلاغة، ولا التوراة بهذه الموسيقى. طيب إذا هيك، وبغض النظر عن كوني مؤمنة أم لا، على المؤمنين أن يتعاملوا معه كنص أدبيّ، لأنّهم يخشعون له ويقدسونه وتسحرهم جماليته.
ولأني أعتبره مشاعًا وملكاً للجميع، ولأني سخرته لأغراض ليس بغرض نفيّه، فهو موجود. هو جزء من تاريخي وتكويني وجغرافيتي وحاضري. أنا موجودة في حيفا وجالسة معك لأن التوارة كُتبت، نقطة. هذه نصوص كانت مفصليّة بتاريخنا، ومن حقي أنّ أعود وأبحث فيها لأنّها سبب وجودي وتؤثر على حياتي حتى يومنا هذا. أنا لا أتعامل مع التوارة على أنّه كتاب على الرفّ، هذا غيّر لي حياتي. بعد ما كتب اليهود التوارة، بعد خروجهم من مصر، وصار التوحيد ومن ثم المسيحية والإسلامية، وصلت إلى هنا الآن.
إنّ خروج اليهود من مصر، هي اللحظة التاريخيّة وسبب وجودي اليوم. لا الكارثة ولا النكبة فحسب. ولا يمكن أن أتعامل مع هذه اللحظة كأنها التاريخ وفقط. هي بدايتي، ومحطّة مفصليّة بحياتي كإنسانة وكفلسطينيّة.
• هل الحاجة لربط الدين والأسطورة والتاريخ بفلسطين العام 2015 نابعة من حاجتك لتقريب قصّة فلسطين والإنسان الفلسطينيّ من العالم؟
لا. كانت لدي حاجة لأن أقرّبها من نفسي. أؤمن بأن الشعر، وقبل ما يُنشر، هو بالأساس حوار مع النفس. لا بمفهوم التفريغ، أي أن أكون محمّلة وأريد أن أفرغ حمولتي. هناك فلتر يعمل كلّ الوقت، فيه نقد جمالي وفكري، هذا الفلتر بنته الذائقة، والذائقة لها علاقة بقراءتك وكل ما تكتشفينه في الشعر والحياة والتجربة. هذه العناصر التي تطوّر الذائقة وتجعل عملية الإنتاج مختلفة.
عندها، تتوافق عملية الإنتاج مع هذه الذاكرة. وفي هذه الحالة، يمرّ النصّ، حتى لو كان حوارًا مع الذات، على الرقابة الداخلية المبنية فيك من تراكماتك وثقافتك وتجربتك. لم أفكر بالعالم حين كتبت النصّ، بإنه شوفوا الفلسطيني كيف عايش. كانت هنالك مرحلة بحث وكتابة للديوان مرتبطة بتغييرات فكريّة عندي لها علاقة بالمنطقة، بدأت حين كنت مقيمة في رام الله. بدأت برؤية القضية من منظار أبعد، لأني كنت ناشطة سياسيّة حتى العام 2010. رافق تلك المرحلة نوع من العدمية غير الموجودة في النصّ الآن. بالعكس، من يقرأ النص سوف يرى دفاعًا شرسًا عن وجودنا ومنطقتنا. التغيير بالفكر السياسيّ تم بأني بدأت برؤية أنّ قصتي ليست مع إسرائيل، بل هي قديمة جدًا. الحاضر لا يرى الماضي، والناس في الحاضر لا يرون ماضيهم. لم يحتلنا اليهود هربًا من قتل هتلر، مش معقول.. هنالك ما هو أبعد وأكبر.
• ارتكازًا على ذلك، ما هو مشروع إسرائيل؟
إسرائيل مشروع دينيّ سخّرته الرأسمالية لمصالحها. بالأساس، هي مشروع ديني، لكن الدين صنع ليخدم السياسة آنذاك. قبل ما يكون اليهود ديانة، كانوا إثنية. هو مشروع إثني خلق الدين كي يحمي نفسه ويعطي نفسه شرعية. ومن ثم صار الدينيّ مشروعاً سياسيّاً هو دولة إسرائيل اليهوديّة.
• سوف يوقّع الديوان في عرض شعريّ يحمل اسمه، وضمن جولة في حيفا والناصرة والجولان المحتل ورام الله. وسوف تشارك فيها مجموعة من الفنانين والفنانات بالموسيقى والغناء والفيديو آرت. لماذا تقديم القصيدة إلى جانب وسائط فنيّة أخرى؟
هنالك أكثر من سبب لذلك. طوال الوقت، وقبل أنّ يجهز الديوان، كانت عندي رغبة بأنّ أُخرج الشعر من الورق. خاصة لأنّ العالم ذاهب باتجاه قنوات حديثة ومختلفة. نحن نحبّ أنّ نرى ونسمع، وهذا طبيعيّ وإنسانيّ. نحن نستمتع بحاسة النظر والسمع، لماذا يجب أن ننتقد الناس كونهم يفضّلون الرؤية والسماع على القراءة أحياناً؟ هذه حواسنا. والشعر فيه موسيقى وصورة، لماذا لا نخرجهما منه؟ الفكرة ليست ترجمة النصّ من خلال الموسيقى والصورة، إنما هما في حوار معه.
السبب الثاني هو أنّي أحبّ العمل الجماعيّ. الشعر والكتابة هما فنّ شخصيّ وإنتاج ذاتيّ ومغلق، ليسا كالمسرح والسينما. وهذا فيه إيجابيات وسلبيات. أنا أحبّ هذا المكان الحميميّ، أن أكتب مسودة لقصيدة وألا يراها أحد، هذه مساحة لن أتنازل عنها. ولكن هنالك متعة كبيرة بأن هنالك أشخاص يتشاركون أفكاراً تشبه أفكارك. أنّ تعرفي كيف يشعرون تجاه النصّ، ويعبرون عن الفكرة ذاتها بأدواتهم الفنيّة، فالفكرة ليست ملكي.
• أين يقع البحث في النصّ الأسطوريّ والدينيّ من الكتابة الشعريّة الفرديّة؟ ربما هو يحتاج إلى سنوات من التجربة والخبرة، بحيث يبدو انشغال شاعرة في الثلاثين من عمرها به اليوم غير مفهوم.
بالعكس، أعتقد أنّ مساحة التناص الشعريّ مع المكتوب الواضح، هي الأسهل. أتعبني هذا الديوان لأني انقطعت عنه وغرقت بالقراءة. لكنها ليست بالمنطقة الصعبة. أصعب منطقة هي الشخصيّ والوجوديّ والنابع من تجربتك الشخصيّة ومن ألمك وأملك وحلمك. أنا أعترف بأني لم أحفر بنفسي في هذا الديوان. اليوم أشعر بأني أحمل تجربة حياتيّة ممكن أن تخرج منها مادة شعريّة حلوة ومثيرة، على الأقل بالنسبة إلي.. لذلك، هي وجهتي المقبلة. منطقة الوجوديات هي الأصعب. وهي منطقة مخيفة شعريًا وليست سهلة. لكن الشطارة تكمن في أنّ تقوم التجربة الشخصيّة والقصص اليوميّة ببناء الاستعارة الوجوديّة الحاضرة في الهواء.
لكنْ عندي خوف هنا. أخاف أن توقعني البساطة بالركاكة. لكن أثق بالتجربة والذائقة كرقيب أول. بالنهاية، هذه المساحة تعنيني أكثر من "كما ولدتني اللدّيّة". وهذا ما أتحدث عنه أنا وأنتِ؛ عن الحبّ والسعادة، الكلمات الكبيرة والفضفاضة، لكننا نحكي عنها من خلال تجربتنا. ولهذا هي حقيقية ومربوطة فينا أكثر من "الخضر". صحيح في هذا الديوان هنالك شيء جماليّ واستعاريّ، لكنها ليست لعبتي. لعبتي في الدنيا أنّ أكتب عن حياتي، ليست حياتي المنعزلة، إنما حياتي التي تحتضن فيها كل ما هو وجوديّ، فلسطين والمكان والناس والوردة والشجرة، لأن حياتي هي أوسع منطقة لمادة شعريّة، لكن توظيفها هو السؤال والامتحان الحقيقي.
• لماذا تكتبين الشعر؟
عن جد بعرفش. كأنك بتسأليني ليش إنت أسماء؟ لا أعرف. لأني وُلدت لأمي وأبي وترعرعت هنا. لأني كلّ تاريخي وحاضري وكل ما حملته، أنا أسماء. ولأني كل هذا، أنا أكتب. لا أؤمن بجمل الشعراء مثل "أنا أكتب كي أعيش" أو "الكتابة ضد الموت". حياتي وانشغالاتي اليوميّة أهم. هي التي أعيشها. شعري هو المنطقة التي أصبّ فيها زبدة الحياة. هو ورقة وقلم، يصبح معناه أكبر، تمام. لكن ما أشعر به حين أستيقظ صباحًا، أهم من الكتابة كفعل. الشعر موجود داخلي ويرافقني ووجدته، كالورطة. وجدت نفسي هناك وسعيدة بهذه الورطة. هو جزء مني كأشياء كثيرة، أتقبلها وأتعامل وأتصالح معها وأطورها. مثل أن هنالك تكوينات داخلية لا تسألي عن سبب وجودها فيك. هي موجودة ونقطة. السؤال، كيف تتعاملين معها؟ كيف تتعاملين مع الشعر؟ أنشر أو لا أنشر؟ أنظّم أمسية أو لا؟ الشعر هو شيء داخلي. أؤمن أننا كلنا شعراء. الفرق بأن الشعر عندي هو ممنهج، كتاب وإنتاج ودار نشر. لكن الشعر، كفكرة وليس ممارسة وإنتاج، موجود بالبشر منذ الأزل.
• كيف كانت تجربتك مع النشر؟
عندي حزن على حالة النشر بالعالم العربيّ. ليس من تجربة شخصيّة، لكني أسمع من أصدقائي الكتّاب. سأتحدث الآن عن "دار الأهلية". هذه الدار تتميز بسهولة التعامل والاهتمام، لأنها تحترم الكاتب والكاتب/ة قبل النقود. هي قادرة على أنّ تعيش وتستمر من دون أن تستغل الكاتب/ة وتسرقه / كما يحدث في معظم دور النشر. وتجربة هذه الدار، وحقيقة عملها، تثبت أنّ الأمر قابل للتنفيذ وليس بالحلم المستحيل.
هذه الدار نشرت خلال عامين 100 عنوان فلسطينيّ، بين رواية وشعر ورواية فتيان /فتيات ودراسات، وهذا مشروع عظيم. كل حياتنا نعاني من النشر في فلسطين، وهنا لدينا نموذج جاء ليسد الثغرات ويعوض التاريخ الذي انبتر وانفصل عن العالم العربيّ، تاريخ أدبنا. إنّ المشروع الشعريّ الإنتاجيّ غير مفصول عن النشر. لذلك، أنا أعتبر أن دار الأهلية هي جزء من هذا المشروع.
// من "كما ولدّتني اللدّية"

ما الّذي جاء بكم إلى هذي التّلال؟
- "نحن رعاة غنمٍ
وقاطفو جمّيز"
كنّا في مواطننا نخز الثّمرة حتّى تسرع في النّضوج
ثمّ أخذَنا الرّبّ من وراء الغنم
وقال: "تنبّأوا".

حجارة الرُّجوم الّتي بنيتم بها معابدكم
بعد أن رأيتموها ساقطةً من الهواءِ
كنّا سقطنا قبلها شهبًا من نارْ

حلمنا عند المغيب بسلّمٍ منصوبةٍ إلى الأرضِ
ورأسها إلى السّماءْ
وكانت الملائكة تصعدُ
ثمّ تنزلُ
فأسميناها بيت الله
أطعناهُ
وتنبّأنا
بأرضٍ سخيّةٍ
تنزل فيها الثّمار إلى أفواهنا دون أن نقطفها
وتدرّ أغنامنا علينا لبنًا صافيًا دون أن نرعاها
وتسقط علينا كلّ يومٍ رُجومٌ جديدةٌ
نبني بها معابدنا ونسقفها بالقرميدْ
نختم تحتها تصاريح دخولٍ
ونحظى بنومٍ هادئْ

حين هممتُ بالخروجْ
سقطت منّي عباءتي
وسقط رمحي
وصهلت فرسي الّتي كانت غافلةً في جوفي

- لا تمضِ
لا تمسخنا
لا تنظر في نومنا ونحن نيامْ
فسوف لن تجد السّلالم منصوبةً
وشمسُنا الّتي توارت خلف التّلال لن تشرق ثانية
ستجدنا ننتحر بالرُّجومِ
أو يخزنا الثّمر في عظامنا
أو تبقرنا الغنمُ
فنهلكْ

- وأنا كذلك

ما أنا نبيٌّ ولا ابن نبيٍّ
إنّما راعي غنمٍ وقاطف جمّيزْ

وأريد أن أمضي
دون تصريحٍ من نبوءتكم
فقط
أريد أن أمضي
*****
- أيّها المسيحْ
اللّدُّ تأكلها النّار، ألا تشمّ دخانها؟

- لا أستطيع الفكاك من بابها
والدّجّال قد يأتي بعد حينٍ
فأقنص اللّحظة وأرديه

- وأنتَ يا جِرْجِسْ
اللّدُّ تأكلها النّار، ألا تسمع زفيرها؟

- أنتقي ما سَلِمَ من حطام كنيستي
لأبني من حجارتها جسورًا للعاشقينْ

- وأنتَ يا خَضْرْ
اللّدُّ تأكلها النّار، ألا ترى لهيبها؟

- أشاهد أهلها يقدّمون الشّموع والزّيوتَ
نذورًا في عيدي

أمّي
يا لِدِّيَّةً من نورٍ وطينْ

وأنتِ تطفئين النّار بكفّيك الطّريّتينِ
خذيني إلى رحمكْ

اللِّدُّ تأكلها النّارُ
وأنا تأكلني صفحات التّاريخِ
وتهوي عليّ الجغرافيا بخرائطَ لا تنتهي
وأبجديّة الحاضر تمدّ لسانها في وجهي

أعيديني نطفةً
لا تعرف حربًا ولا وعدًا
ولا رمحًا ولا عرشًا
ولا سماءً تلدُ
ولا أرضًا تَدْفِنُ
بل رحمًا آمنًا
من مائكْ
يا لِدِّيَّةً
من نورٍ وطينْ

*****

على ضفّةٍ مشيتُ
وكانت بنات أريحا
يُرضعن البحر حليبهنّ البنفسجيَّ
ويرصّعن بشهواتهنّ صخور الملحِ
ويطرّزن للقمر مخدّةً كي ينامْ

لماذا مات بحركم؟
لأنّه سار خلف أجسادنا

لماذا فُلِقَتْ صخوركم؟
لأنّنا بسطنا ظهورنا فوقها فشكّلنا تعاريجها

لماذا قُنِصَ ضوء قمركم في غفلةٍ من اللّيل؟
لأنّنا ارتكبنا معه الخطيئةَ
فشذَذْنا عن مسارات الحواجز العسكريّةِ
ودخلت بصيرتُنا إليه دون تصاريحْ

على ضفّةٍ مشيتُ
وكانت بنات أريحا
يغنّين:
لم نشبع من الخبزِ
حتّى نرحل عن أجسادنا
وعن طيننا
وعن الأرض الّتي عجنته

ولكنّ الهواء يُمْطِرُنا بالـ M16
وترمينا رؤوس التّلال بالكبريتِ
فنهلك كلّ يومٍ كأنّنا
ألف سدومْ
تجفّ أثداؤنا وشهواتنا
وتَغْرُبُ أقمارنا

أريحا
لا تسدلي عليّ عتمتكِ
فأنا مَيْتٌ كبحركْ
وأريد أن أحيا
كي أمشي مع بناتكِ
خطوةً واحدةً
تحت ضوئكْ