| 

على مدار السنوات الماضية، أثبتت الفصائل الفلسطينيّة أنها لا تخرج بموقف موحّد أو واضح تجاه أي شيء يُستجد على الساحة. وبالنظر إلى الهبّة الجماهيريّة الحاليّة، أو كما يحلو للبعض تسميتها بـ "الانتفاضة الثالثة"، فإن أيّ من الفصائل التي كانت تتوقّع انتفاضة، خاصة في الضفّة، لم توضّح لشعبها ماهيّة الانتفاضة المرجوّة، والأهداف المتوخّاة منها، أو حتّى الأشكال الكفاحية التي يفضّل اعتمادها، من حيث الإمكانيّات والجدوى، بناءً على دروس الانتفاضتين السابقتين.
البعض حكى بالانتفاضة بغرض التهديد بها، والبعض الآخر لقطع الطريق على خيار آخر في إطار الصراعات على السلطة، وثمة من أرادها بلا قدرة على ترجمة مرادها. مثلاً، "حركة فتح" في الضفّة معنيّة ببعض الحراكات الشعبيّة المحدودة التي تُمكن السيطرة عليها، لكن الرياح أتت بما لا تشتهي سفن "فتح". أما حماس فأرادت انتفاضة في الضفّة بأيّ شكل لإضعاف مكانة غريمتها هناك. باقي الفصائل التي لديها الرغبة في انتفاضة ثالثة، لم تعدّ الخُطط أو البرامج التي تمكنّها من المساهمة في إدارة الموقف وقت اندلاع الانتفاضة، كما هي الحال الآن.
وبرغم خطابات وبيانات التأييد التي تصدرها الفصائل العاملة على الساحة الفلسطينيّة، وبرغم مشاركة هذه التنظيمات بتظاهرات تدعو إليها بين الحين والآخر نصرةً للأقصى، إلّا أنّ التحرّكات والتجمّعات والعمليّات تتمّ اليوم بقرارات فرديّة، أو ضمن مجموعات صغيرة، من دون أيّ تنسيق مع الفصائل.
مع ذلك، يمكن التنويه هنا بأن ثمة نوعاً من نضوج في إدراك الفلسطينيين لحدود إمكانياتهم، ولأشكال الكفاح الممكنة لهم، على الصعيدين الشعبي والفصائلي. وفي هذا الإطار، يُحتسب لخالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لـ "حماس" كلامه عن ضرورة احتفاظ الفلسطينيين بالتفوّق الأخلاقيّ في صراعهم مع إسرائيل، لجهة عدم استهداف المدنيين على نسق عدم استهداف "حماس" للمدنيين خلال حرب غزة الثالثة.
وبالنظر إلى تركيبة "مُنظّمة التحرير الفلسطينيّة"، فهي تضم 13 فصيلاً، تضاف إليها حركتا "الجهاد الإسلامي" و "حماس"، اللتان ترفضان الدخول في "منظمة التحرير" لغاية الآن. وتعتبر تنظيمات "فتح" و "حماس" و "الجهاد الإسلامي" والجبهتين "الشعبية" و "الديموقراطية" و "حزب الشعب" التنظيمات الأكبر العاملة على الساحة الفلسطينيّة، ولم تطرأ تغييرات كبيرة في تركيبة هذه الفصائل التي تأسست في الستينيات والسبعينيات، ونادراً ما حصل تجديد في قيادتها، فيما تراجع تأثير بعضها على الأرض.
تتراوح أعمار قيادات هذه الفصائل بين 55 و80 عاماً، بينما المجتمع الفلسطيني شاب نسبياً. وبحسب "جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني"، تبلغ نسبة الفلسطينيين الذين تجاوزت أعمارهم 60 عاماً حتى العام الماضي 4.4 في المئة من الشعب، في حين أن نسبة الشباب والفتية ما بين 15 عاماً و29 عاماً تصل إلى 30 في المئة من مجموع السكان في الضفة الغربية وغزة البالغ حوالي 4.5 ملايين نسمة.
يُضاف إلى هذا التباعد العمري، خيبة الأمل التي يشعر بها الشباب الفلسطيني نتيجة فشل الفصائل الفلسطينية التقليدية في الاستجابة لرغبات الشارع في إنهاء الانقسام الداخلي القائم منذ العام 2006، وفي إيجاد حلول للمشاكل المعيشية اليومية للمجتمع، لا سيما لفئة الشباب التي تعاني من فقر ونقص في فرص العمل وانسداد في الأفق. ويردد العديد من الشباب المشاركين في التظاهرات شبه اليومية التي غالباً ما تتطور إلى مواجهات وإطلاق رصاص، أنهم ينشطون بصفة فردية أو ضمن مجموعات طلابيّة، وليسوا مدفوعين من أي فصيل.
"مُفجّرو الهبّة يرون أنّ الفصائل الفلسطينيّة شاخت، وأصبحت عائقاً أمامها"، يشرح الكاتب والمحلل السياسي سليمان النبيل لـ "السفير"، ويكمل: "في حال استمراريّة الهبّة الفلسطينيّة في وجه الاحتلال الإسرائيلي على هذه الوتيرة، وبهذا الشكل، فمن المتوقّع تشكيل أطر شبابيّة مُنتفضة لإدارة الهبّة تتجاوز كل الفصائل الفلسطينيّة العاملة على الساحة، كما تتجاوز تلك الحزبيّة، وتنتصر للقدس وفلسطين، لا للأحزاب والفصائل". ويلفت النبيل إلى أنّ هناك إدراك عميق من الشبان الفلسطينيين أن أي تأطير فصائلي لهذه الهبّة الجماهيريّة سيعمل على تقييدها، وإرجاعها إلى فصيل بعينه. لذلك، من يقود المواجهات ضد الاحتلال، ويواجهونه بصدور عارية، هم شباب وشابات غاضبون /ات، لديهم /ن أحلام، وعيونهم /ن على المستقبل. ويذكر الكاتب هنا مثالاً على الانتخابات التشريعيّة الفلسطينيّة التي جرت في العام 2006، ليقول إن المُنافسة فيها انحصرت بشكل أساسي بين حركتي "فتح" و "حماس"، برغم عدم اقتناع الكثير من الفلسطينيين بأيّ منهما.
ومن اللافت أن المشاركين في تظاهرات غزّة لا يهتفون ضد الاحتلال فحسب، بل ضد استمرار الانقسام الفلسطيني الذي يحمِّلون مسؤوليته للفصائل الفلسطينية، وبشكل خاص حركتي "فتح" و "حماس". وأظهر شريط فيديو تم تداوله على شبكة الانترنت شابة من "جامعة النجاح" في مدينة نابلس، وهي تصرخ بالمشاركين لعدم رفع أيّ علم في التظاهرة باستثناء العلم الفلسطيني، تعبيراً عن رفض الانقسام القائم بين الفلسطينيين في الضفة وغزة.
وينزعج قياديون فلسطينيّون من الحديث عن غياب دور الفصائل، مع إقرارهم بأن قطاعات واسعة غير مُؤطّرة سياسياً تشارك في التظاهرات. ويقول المنسق العام للقوى والفصائل الفلسطينية واصل أبو يوسف إنه "من الصحيح أن بداية الهبّة جاء من شباب صغار، لكن هذه الهبّة ليست معزولة عن الفصائل. ممكن تكون مشاركة الفصائل مش مئة في المئة، لكنها مشاركة".
إلّا أنّ الطلاب الجامعيين ماضون في فرض أنفسهم على حساب قياداتهم التقليدية. وقد أقدم طلاب جامعيون قبل أيام على نصب طاولة مدّوا عليها الكوفية الفلسطينية في منطقة مواجهة مع جيش الاحتلال شمال البيرة، معلنين أنهم سيفرضون على حكومة الاحتلال التفاوض مع الجيل الشاب على هذه الطاولة.
بموازاة رفض غالبيّة الشباب المُنتفضين في الضفّة تأطير الهبّة وتسييسها، تراهم يتساءلون في الوقت عينه عن دور الفصائل الفلسطينيّة، خاصة العسكريّة منها، في دعم الهبّة، والشدّ على أيدي شباب الانتفاضة. وهم في غزة يوجّهون أسئلتهم بشكل مُباشر لحركتي "حماس" و"الجهاد".
لكن، قياديّو الفصائل الفلسطينيّة في قطاع غزّة يمتلكون حسابات مختلفة إذ يدركون أن إسرائيل تريد جرّ جبهة قطاع غزّة إلى مواجهة، من خلال الضغط على الفصائل العسكريّة في غزّة في استعادة لسيناريو عدوان 2014. فقد أتى العدوان إثر الهبّة الاعتراضية على إحراق مستوطنين إسرائيليّين للشهيد الطفل محمد أبو خضير. في هذه التجربة، يمكن لإسرائيل أن تنفذ عدواناً شاملاً على غزّة، في حال قرّرت الفصائل دكّها بالصواريخ ردّاً على الانتهاكات في القدس والضفّة.
وليس ذلك رأي الفصائل الفلسطينيّة وحدها، أو حتّى سكّان غزّة الذين يتخوّفون من عدوان جديد وهم لم يبنوا منازلهم المُدمرة بعد، بل هو تحليل يتبناه الكثير من المحللين السياسيين والأكاديميين. إذ يرون أن الفصائل الفلسطينيّة في غزة تتعامل بذكاء مع الاستفزازات الإسرائيليّة، لجهة عدم إطلاق صواريخ من قطاع غزّة صوب إسرائيل، قاطعةً بذلك الطريق على محاولة نقل كرة النار إلى قطاع غزّة. لكن ذلك لم يمنع الشبان الغاضبين في غزّة من التظاهر بالقرب من خطوط التماس، تضامناً مع أشقائهم في الجزء الشمالي من الوطن، حتّى ولو كانوا يلقون بأنفسهم إلى الموت!