| 

قال الأديب الإسباني خوان غويتيسولو الذي ناهض الديكتاتور فرانكو: "إبعادي لم يكن إبعاداً جسدياً لأسباب سياسية، بل كان إبعاداً فكرياً، مجتمعياً، جنسياً، وأيديولوجياً". أما الممثلة ذات الأصول الإيرانية غلفيته فراهاني فقالت: "الإبعاد كالموت، لا تعرفه حتى تخوض تجربته". من المستحيل أن يتم فصل التاريخ والثقافة والسياسة بعضها عن بعض في حالات الاحتلال والديكتاتوريات والدول القمعية.

من النكبة إلى الآن: تعدّدت الطرق، والتهجير واحد
من البديهي أن يكون الإبعاد القسري والنفي الجسدي ومحاولات النفي الفكري والشعبي بعض أدوات المنظومة الكولونيالية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الداخل والخارج. إذ درجت العادة على إبعاد الناشطين والمقاومين والسياسيين من داخل الأرض المحتلة إلى خارج فلسطين، وقد تطوّر ذلك إلى مرحلة تأكيد نفي الفلسطينيّ ككل ومنعه من دخول فلسطين، حتى وإن كان يحمل جنسية أخرى؟
وسياسة الإبعاد لم تكن وليدة اللحظة، فالنكبة الفلسطينية هي "ترانسفير" وإبعاد قسري إثر مجازر عديدة، ومن ثم إقرار قانون النازحين بعد النكسة الفلسطينية الذي سحب حقّ الإقامة من مئات آلاف الفلسطينيين الذين لم يكونوا في الأراضي الفلسطينية آنذاك.
واستمرت عمليات إبعاد الفلسطينيين. ففي العام 1992، أبعدت إسرائيل 415 من قادة حركتي "حماس" و "الجهاد الإسلامي" كعقاب على مقتل جندي إسرائيليّ. وبعد اتفاق أوسلو، رفضت إسرائيل عودة العديد من القيادات الفلسطينية. ومنذ بدايات الإنتفاضة الثانية، أبعدت إسرائيل عشرات النشطاء الفلسطينيين إلى قطاع غزة، حيث هدفت الى إيهام المجتمعين الدولي والعربي بأن غزة مدينة محرّرة (1). وفي العام 2003، أبعدت اسرائيل 26 ناشطاً إلى قطاع غزة و16 ناشطاً إلى دول أجنبية. وفي العام 2011، أبعدت إسرائيل 206 أسرى إلى تركيا وقطر والأردن وقطاع غزّة، ضمن صفقة "وفاء الأحرار" (2). وحتى الساعة، لم تتوقف سياسة الإبعاد الإسرائيلية بحق سكان مدينة القدس والمصلين في المسجد الأقصى. فعمليات الإبعاد القسري مستمرة (3) أسبوعيّا. ولم تقتصر سياسة الإبعاد على النشطاء السياسيين والعسكريين في الداخل المحتلّ، بل امتدت لتشمل طبقة أوسع بهدف منع الفلسطينيين من دخول فلسطين وإبعادهم عن فلسطين، بمن فيهم حملة الجوازات الأجنبية.

قصص الإبعاد: إقصاء الطبقات والاتجاهات
في العام الماضي، حاول فنان الغرافيتي الفلسطيني ماهر الخطيب، الذي يحمل الجنسية الدنماركية، زيارة فلسطين المحتلة. مُنع من الدخول. احتجزته السلطات الإسرائيلية لأيام رغم كونه من لاجئي لبنان ومواطناً دنماركياً وليس له اسم أو رقم في السجلات المدنية، ثم تم ترحيله ومنعه من دخول فلسطين المحتلة نهائياً. بعدها، كتب مقالة في أكبر صحيفة دنماركية موجهاً سؤالاً لسفير دولة الاحتلال في كوبنهاغن عن ماهية سياسة الإبعاد والسياسات العنصرية ضد الفلسطينيين وخصوصاً حملة الجوازات الأجنبية (4).
في بدايات العام الحالي، وضمن عملي الأكاديمي، كان من المفترض أن أقوم بزيارة الى الأراضي المحتلة في هضبة فلسطين الوسطى، أو ما يطلق عليها "الضفة" الفلسطينية حالياً. وبعد احتجاز دام أكثر من سبع ساعات وتحقيق من قبل كل الأجهزة العسكرية والمدنية في إسرائيل، جاءني ضابط الأمن، قائلاً لي: "أنت ممنوع تدخل دولة اسرائيل ويهودا والسامرا عشر سنوات". لم أحاول أن أستوضح الأمر، بل قلت له: "وهل يحق لي زيارة فلسطين؟". فقال لي: "لا توجد فلسطين". لم أجبه لأن النقاش مع المحتلّ في أمرٍ كهذا لن يجدي نفعاً. سلّمني ورقة المنع والإقصاء وقد كتب فيها أنه تم منعي من الدخول بحسب قانون إسرائيلي يعود للعام 1952، لأنني أشكل خطراً على النظام والأمن العام.
بعد أشهر قليلة، مُنعت الروائية الفلسطينية الأميركية سوزان أبو الهوا من دخول فلسطين المحتلة على الرغم من أنها تحمل الجواز الأميركي وتقوم بنشاطات إنسانية للأطفال داخل مخيمات فلسطين. وللمفاجأة، لم تعر سفارة أميركا الكاتبة وشكواها أيّ اهتمام. أُبعدت سوزان أبو الهوا ليست لأنها ناشطة أو كاتبة، وإنما لأن والديها فلسطينيان (5). بعد أقل من شهرين، مَنعت سلطات الاحتلال الأكاديمي الدكتور عمرو الصوراني من دخول فلسطين للعمل في جامعة بيرزيت كأستاذ في قسم الهندسة المدنية. وعلى الرغم من أن الصوراني يحمل الهوية الفلسطينية والبريطانية ودرس في جامعة بير زيت قبل ذلك، إلا أن منعه جاء لأسباب سياسية (6). وفي شهر أكتوبر /ت2 الماضي، منع الاحتلال الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى الذي يحمل الجنسية الروسية من دخول فلسطين تحت حجج أمنية واهية. في الصيف الماضي، حاول البروفسور جورج خوري، وهو فلسطيني يبلغ من العمر 70 عاماً ويدرس التاريخ وعلم الأديان في جامعات أميركا، عاد بعد 40 عاماً إلى فلسطين لزيارتها كسائح أميركي ضمن بعثة حج دينية. احتجزت سلطات الاحتلال جورج واعتقلته ثم رحّلته الى سان فرانسيسكو (8).
وبعد الهبّة الجماهيرية الأخيرة والاعتداءات المتكررة على المقدسات الفلسطينية في القدس وإلصاق تهم بالشباب المقدسي من أجل تصفيتهم ميدانياً، حاول بنيامين نتنياهو دفع أحد مشاريع الصهيونية الأولى إلى الأمام لجهة اقتراح ترحيل أهالي القدس، وخصوصاً مخيم شعفاط، وسحب الهويات المقدسية. ومقترح القرار هذا هو عبارة عن عملية "ترانسفير" وإبعاد وجودية لهؤلاء بغية حرمانهم من الحقوق المناطة بهذه الهوية، تمهيدًا على الأرجح لقرارات أخرى تهدف لترحيلهم جغرافيًا لمدن فلسطينية داخل أراضي تخضع للسلطة الفلسطينية (9).
هذه بعضٌ من الحالات التي نشرها الإعلام، إما لقدرة أصحابها للوصول الى وسائل الإعلام أو لوجود متابعين كُثر لهم. جميع من سبق ذكرهم هم كتاب ومثقفون ولهم أصوات مسموعة في دوائرهم الأدبية ومجالاتهم العلمية. وهنا، أذكر قول الروائي الكوبي المُبعد جوليرمو كابريرا تينفانته: "أكتب في المنفى عن بلادي لأني لا أستطيع أن أعود إليها". فكتاباتنا ليست لأننا فقط نحب فلسطين ولكن لأننا لا نستطيع أن نصل إليها، وأن نكتب فيها من داخلها.
إلا أن الإبعاد لا يقتصر على الفلسطينيين حصراً، إذ تمنع سلطات الاحتلال الناشطين الأجانب وحتى العاملين في مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الدولية من الدخول الى فلسطين، بل تطردهم في معظم الحالات. ما يدل على نية إسرائيل بعزل الشعب الفلسطيني وإبعاده قسراً عن المحيط العربي والدولي (10). ربما تختلف أسباب الإبعاد المختلقة، لكن الهدف الكولونيالي يبقى ثابتاً، وهو تجريد الفلسطيني من حقه في أرضه والتواصل مع كيانه.

إعادة التفكير في مصطلح الإبعاد
يفيد تعريف الإبعاد بأنه قيام جهة قوية عسكرياً وتنفيذياً بطرد جماعات أو أفراد من منطقة جغرافية إلى أخرى وحرمان الطرف الضعيف من ممارسة حقوقه السياسية والاجتماعية والإنسانية. ولكن في الحالة الفلسطينية يتطور مفهوم الإبعاد ليشمل منع الفلسطينيين من الدخول إلى فلسطين بقرار سياسيّ ومنعهم /ن من الخروج ومنعهم /ن من التواصل مع المتضامنين مع قضيتهم /ن. وهو إقصاء وجودي جسداً وهويةً. وهنا، يجب أن نفكك قضية الإبعاد تفكيكا أعمق للنظر إليها عن قرب. فسياسة الإبعاد الإسرائيلي لا تتم فقط باتجاه خارج البلاد. بل هي سياسة مكونة من عدة طبقات، أوضحها هو منع الفلسطيني وإقصاؤه عن فلسطين. سياسة الإبعاد هي امتداد لسياسة تقطيع الأوصال وتقسيم المناطق الفلسطينية. فتقسيم فلسطين الى: الداخل، الضفة، غزة، والقدس، ثم محاولات عزل سكان هذه المناطق المقسّمة داخلياً أيضاً عن بعضهم البعض إلا من خلال تصريح يصعب الحصول عليه، هي واحدة من أدوات تنفيذ سياسة الإبعاد لشعب بأكمله. وبعد اتفاق أوسلو، تشبثت دولة الاحتلال بأسلوبها القديم، وأسّست لأداة جديدة من أدوات الإبعاد بتقسيم الأراضي الفلسطينية الى مناطق "أ" و "ب" و "ج" وبموافقة فلسطينية رسمية. فمن خلال تلك التقسيمات، تمكّنت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من التحكم بحركة المواطنين وإبعادهم وفصلهم عن امتدادهم الديموغرافي والثقافي. ما يضيف معاني إبعاد إلى المفهوم الثابت أو النفي الجغرافيّ البعيد عن مكان السكن أو الولادة.

تنحية وإقصاء خارج الإطار: حرب على المثقفين
أحد أهداف سياسة الإبعاد الصهيونية يقضي بضبط التأثير المباشر للمثقفين والأكاديميين الفلسطينيين على أقرانهم من الشباب الفلسطيني، وإضعاف تواصل الرمزية الثقافية والأكاديمية الفلسطينية في الأراضي المحتلة. والإبعاد هنا لا يشمل فقط الإبعاد الجسدي ولكن الملاحقة الثقافية والملاحقة الأكاديمية عبر أدوات الاحتلال الإعلامية وماكينتهم الديبلوماسية ومؤسساتهم واللوبي الصهيوني في العالم الغربي. وقد ينجحون نوعاً ما في ملاحقة بعض المثقفين الفلسطينيين أو التأثير على سمعتهم الأكاديمية، ولكن في الأغلب باتت تلك السياسات ترتد ضد المؤسسات الصهيونية والداعمة لها. ومثال ما حدث مع الأكاديمي الفلسطيني ستيفن سالايتا الذي طرد من عمله كمحاضر في جامعة "الينوي" بسبب مواقفه ضد جرائم الاحتلال الإسرائيلي. ولكن عكس ما توقع اللوبي الصهيوني، فقد ارتد فصل الأكاديمي إلى عاصفة ضد الجامعة أجبرت رئيستها على الاستقالة، تاركة الجامعة أمام المحاكم الأميركية وحملات المقاطعة الاميركية والدولية (11).
إن هوس الاحتلال بالتواصل الجسدي والثقافي والهوياتي الفلسطيني مع أرضه يعكس قلق المشروع الكولونيالي بشكل كبير، من سقوط النسيان أو التناسي في علاقة الشعب الخاضع للاحتلال مع الأرض وثقافاتها.

من المكانيّ إلى الزمانيّ: تحوّل الارتباط
يجب عدم النظر إلى الإبعاد كجزء من عملية الترانسفير الديموغرافي لسكان البلاد الأصليين وإسكان مهاجرين يهود محلهم، ولكن يجب توسيع أفق دراسة الإبعاد كجزء من الحرب التي شنتها إسرائيل على الكلّ الفلسطيني، بما فيه الثقافة الفلسطينية عامة. وهنا أقصد عمليات الإقصاء الممارسة ضد الفلسطينيين في الشتات بمنعهم من دخول فلسطين والتواصل الحضاري والثقافي والمكاني لإعادة رسم الذكريات والعنصر المعنوي وإسقاطه على العنصر المكاني، ما سيحقق تكامل الهوية والانتماء وليس مجرد ذكريات مطبوعة انتقلت من الأب أو الجد للأحفاد.
ليس من السهل التفكير في النتائج النفسية والاجتماعية والاقتصادية للإبعاد عن الوطن والأهل والارتباطات المعنوية والزمانية والمكانية. ولكن الأمر الواقع المحكوم بالقوة الكولونيالية لا يمكن تغييره في بعض الأحيان، حتى وإن استخدم الفلسطينيون الأدوات القانونية داخل الكيان أو خارجه. ولكن يمكن تحويل سياسة الإبعاد إلى إحدى أدوات مناهضة العنصرية والكولونيالية الصهيونية لفلسطين. فتشكيل جماعات من المثقفين المبعدين وتشكيل دوائر ثقافية باسمهم سيكون له صدى في القنوات الثقافية والسياسية في العالم. أعمال إدوارد سعيد يجب أن تُكمّل، في مسائل الهوية والشتات. فما كتبه سعيد كأحد مبعدي ومهجري الجيل الأول، يحتاج إلى إضافات تؤسس لتيار أكاديميّ في دراسات الإبعاد والهجرة ضمن الحلقات والمجتمعات الأكاديمية الغربية، تتمحور حول دراسة الحالة الفلسطينية، على غرار دراسات الشتات اليهوديّ.
أضف إلى ذلك النوادي الثقافية للشباب الفلسطيني في البلاد الغربية. في السويد مثلاً، أنشأت مجموعة من الشباب نادياً ثقافياً مختصاً في قراءة الأدب الفلسطيني يؤمه الجيل الثاني من المهاجرين، فيلتقون دوريا في استوكهولم وجوتيبوري ومالمو، أكبر المدن السويدية التي تضم تجمعات كبيرة للاجئين الفلسطينيين. ما علينا فعله هو دعم تلك المبادرات الفردية وتعزيز الارتباط المعنوي والزماني والمكاني إن أمكن مع المبعدين من الجيل الثاني والثالث، وعدم السماح للذاكرة الفلسطينية بأن تكون هي المحدد الوحيد للارتباط الفلسطيني بالأرض والتاريخ.