| 

حرصت آلة الدعاية الإسرائيلية، وباعتراف مسؤولين وضباط سابقين وكتّاب بارزين، على المبالغة بتصوير قدرات أجهزة مخابراتها، وبنت أسطورة حول "الموساد"، جعلت منه "جهاز المخابرات القادر على كلّ شيء".
قدّموا الهدف من المبالغة على أنه تعزيزٌ لقدرة إسرائيل على الردع. ولتحقيق هذه الغاية، أبقت إسرائيل إخفاقات أجهزتها الاستخبارية بعيدة عن العيون.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج إخفاقات منظومة الاستخبارات الإسرائيلية في مجال الحرب السرية.
في هذا العدد، سنعرض قصة يسرائيل بيئير، وهو جاسوسٌ اخترق النخبة العسكرية الإسرائيلية. في المقالات التالية، سنتطرق لإنجاز سجّلته المقاومة الفلسطينية على "الموساد" في أوروبا، ثم سنروي حكاية سقوط ضابطٍ رفيع في فخّ أعدّته له المخابرات السورية. ونختم السلسلة بالتطرق إلى إخفاق مشروع أداره "الشاباك" لاختراق فلسطينيي الداخل.

أنس أبو عرقوب
ولد يسرائيل بيئير في العام 1912 في النمسا لعائلة يهودية تخلّت عن دينها. وادعى زوراً أنه أنهى دورة ضباط في الكلية العسكرية التابعة للجيش النمساوي، وأنه خدم بعد ذلك كضابط في الجيش النمساوي.

لمّا لفت نظر الهاغاناه
نسب بيئير لنفسه إنجازات كثيرة ثبت أنها مجرد أكاذيب لاحقاً، من بينها ادعاء بأنه يحمل لقب الدكتوراه في الأدب المعاصر من جامعة فيينا، ومشاركته في القتال إلى جانب الجمهوريين الاشتراكيين في الحرب الأهلية في اسبانيا كقائد كتيبة برتبة كولونيل. عُرف عنه عشقه لقراءة كلّ ما يتعلق بالحروب والمعارك والقادة العسكريين المحنكين، ما منحه معرفة واسعة في القضايا العسكرية، رغم افتقاره لخبرة قتالية حقيقية.
هاجر بيئير إلى فلسطين في العام 1938، والتحق بالجامعة العبرية في القدس كطالبٍ باحث. مقالاته التحليلية المتخصصة بالشؤون العسكرية لفتت انتباه قادة منظمة "الهاغاناه"، فضمّوه لصفوفها.
رسوخ قدمه في التاريخ العسكري وتحليلاته العميقة للمعارك والحروب، أعطت قادة "الهاغاناه" انطباعاً أن يسرائيل بيئير قائد عسكري فذ، فقرّبوه من قيادة "البلماخ" (قوات الصاعقة التي شكلتها "الهاغاناه")، وبات بيئير صديق يتسحاك سديه، مؤسس "البلماخ"، ويغال آلون الذي شغل لاحقاً منصب رئيس الوزراء بعد تأسيس إسرائيل، ويسرائيل غاليلي الذي وصل إلى منصب قيادة أركان "الهاغاناه"، وكثيرين غيرهم.
"الهاغاناه" ضمّت إلى صفوفها بيئير، حيث عمل في قسم التخطيط في هيئة أركان المنظمة، وكتب مقالات حول الشؤون العسكرية والحروب، تمّ نشرها في "معرخوت"، وهي الصحيفة الناطقة باسم "الهاغاناه". وهكذا، كرّس بيئير نفسه كمحلل عسكري.
بعد إنشاء إسرائيل وتشكيل الجيش الإسرائيلي، منح بيئير رتبة عقيد وعُين مساعداً لضابط العمليات في الجيش يغآل يدين، الذي قاد الحرب في العام 1948. وبعد نهاية الحرب، عيّن بيئير رئيساً لقسم التخطيط والعمليات في هيئة الأركان، وهو مَن خطط لتدمير بلدة طبريا القديمة، وكان يطمع حينها بتعيينه نائباً لرئيس الأركان. لما رأى حلمه بعيد المنال، غادر الجيش في العام 1950، وتنقّل بين أحزاب عديدة ذات طابعٍ يساريّ، من بينها الحزب الحاكم آنذاك.

محلّل، مؤرّخ، وكاتم أسرار!
في أثناء عضويته في حزب مباي الحاكم، عمل كمحلل عسكري في صحيفة "دافار" كبرى الصحف العبرية في ذلك الوقت، وكانت تابعة للهستدروت (نقابة العمال). نشر مقالاته في صحيفة "معاريف" وفي "جيروزليم بوست" أيضاً، بالإضافة إلى كتابته عموداً دائماً حمل عنوان "موقع استطلاع" في شهرية "معرخوت" التابعة للجيش والمتخصصة بالشؤون العسكرية. ونشر أيضاً مقالات في صحف أجنبية.
أوصى شاول أفيغور، وهو من مؤسسي وزارة الجيش، رئيس الوزارء دايفيد بن غورين في العام 1955 بتكليف بيئير بكتابة التاريخ الرسمي لحرب العام 1948. ولتنفيذ هذه المهمة، تم تخصيص غرفة خاصة لمكتب بيئير بجوار مكتب وزير الجيش، ما عزّز الانطباع بأنه كاتم أسرار قادة الجيش ويملك صلاحية الاضطلاع على أخطر الأسرار.
ولكن، سجّل المؤرخون العسكريون الإسرائيليون حادثة تظهر أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موشي ديان لم يكن مرتاحاً لوجود بيئير. ففي أثناء وقوفه برفقة شمعون بيريز، قبيل عقد اجتماع في وزارة الأمن يضمّ وفداً يترأسه بن غورين يتجهّز لمغادرة تل أبيب إلى باريس حيث من المقرّر التوقيع على اتفاق تحالف سريّ مع فرنسا، خاطبه ديان قائلاً: "ماذا يفعل هذا الجاسوس هنا؟". في نهاية العام 1956، عمل بيئير محللاً عسكرياً في صحيفة "هآرتس".

وأخيراً، جاسوسٌ سوفياتي
كان سيرغي لاسييف يعمل مراسلاً لوكالة الأنباء السوفياتية "تاس"، ولكن مهمته الحقيقية كانت العثور على أشخاص نافذين يقبلون بالعمل كجواسيس. في نهاية العام 1956، التقى يسرائيل بيئير في بيت صحافيّ إسرائيليّ، ثم دعاه للقاء في السفارة السوفياتية. هناك، كان في انتظاره فلاديمر سكولوف، مسؤول الاستخبارات العسكرية السوفيتية (جي أر يو) في إسرائيل، الذي شخّص نقطة ضعف بيئير: يتملّكه الحقد والغيط لأنه لم يحصل على ترقية في الجيش، لا سيما وأنه يشعر بأنه عبقري في الشؤون العسكرية. عزف سكولوف على وتر اعتزاز يسرائيل بنفسه، وقال له: "إنك عبقري، خرتشوف يقرأ مقالاتك بعد ترجمتها للروسية، وهو معجَب جداً بعبقريتك، وهو يتساءل لماذا بن غوريون لا يستعين بموهبتك. خرتشوف يتعلم كثيراً من قراءة مقالاتك، وأنا أريد أن تكتب مقالاً لن ننشره، ولكن سيتم تسليمه فقط لخرتشوف. سأعطيك في البداية 400 دولار نقداً بدلاً عنه". ووافق بيئير على العرض.
حصل سكلوف على المقال، وتم تحديد مكان آخر سريّ للقاء الثاني، في مقهى في تل أبيب. بعد ذلك، بدأ بيئير بالعمل كجاسوس بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى. فهو يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات السرية المتعلقة بالجيش وعلاقات إسرائيل العسكرية بالمحيط، خصوصاً تركيا.
في العام 1959، أسست "جامعة تل أبيب" كرسياً للتاريخ، ترأسه يسرائيل بيئير. الافتتاح تمّ برعاية رئيس الوزراء بن غوريون، ورئيس أركان جيشه حاييم لسكوف، ما خلّف انطباعاً لدى الكثيرين في إسرائيل بأن بيئير هو كاتم أسرار بن غوريون.
أبراهام ولفنسون، قائد وحدة مكافحة التجسس في جهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك" الذي ألقى القبض على يسرائيل بيئير، يؤكد أن كشفه تم صدفة، وإنما جاء ثمرة مراقبة تحركات فلاديمير سكولوف.

نهاية قصّة بيئير
علم "الشاباك" أن سكولوف ينوي الاجتماع بعميل من الوزن الثقيل يعمل في وزارة الأمن، في إحدى ساحات تل أبيب. وكاد "الشاباك" أن يرتكب خطأ فادحاً، لمّا فكّرت وحدة التعقّب بالاستعانة ببيئير، عبر الطلب منه السماح لعناصرها باستخدام شقته المطلة على الساحة في عملية الرصد. ولكن، لما تبيّن لهم أن بيئير يجلس في تلك الساحة، حاملاً حقيبة، يدخّن بشراهة، ثارت الشكوك حوله.
حضر سكولوف إلى الساحة، بعد عملية تمويه لم تنطل على "الشاباك". أخذ الحقيبة من بيئير، وانصرف على عجل بعدما أعطاه حقيبة مماثلة. ثم حضر مجدداً إلى الساحة، وأعاد له الحقيبة الأولى.
كانت الحقيبة تحتوي على خرائط وصور لقواعد عسكرية تابعة لحلف الـ "ناتو" بنتها شركة "سوليل بونيه" الإسرائيلية في تركيا. يسرائيل حصل على تلك الوثائق من مقرّ الشركة في تل أبيب، بعدما أخبر المسؤولين فيها أنه يُجري بموجب مهمته في وزارة الأمن بحثاً حول مساهمة الشركة في خدمة الجيش. أخبروه بأنهم يبنون قواعد عسكرية في تركيا، فطلب منهم الوثائق للاطلاع عليها، وتعهّد بإرجاعها بعد دراستها.
نسخ سكولوف الوثائق في السفارة السوفياتية قبل أن يردّها الى بيئير، الذي عاد إلى منزله حاملاً الحقيبة. وفي الليلة ذاتها، داهم "الشاباك" منزله، وعثروا على الحقيبة. تحت تأثير الصدمة، اعترف بيئير بالتجسّس لمصلحة السوفيات.
اعتقال بيئير تم في 31 مارس/آذار 1961، ولكن أعلن عنه في 16 أبريل / نيسان. وفوجئ الناس في إسرائيل بأمر اعتقاله. صحيفة "هعولام هزيه" عنونت صفحتها الأولى يومها: "اعتقال كاتم أسرار بن غوريون"، فيما كتبت صحيفة "يديعوت احرنوت": "مؤرخ الجيش متهم بالتجسّس". أما صحيفة "معاريف" فجاء في عنوانها: "العشرات من رجال الأمن خضعوا للتحقيق بعد اعتقال د. بيئير المتهم بالتجسس". أدانت المحكمة بيئير بالتجسس لمصلحة الاتحاد السوفياتي، وقضت بحسبه خمسة عشر عاماً. توفى في سجنه في العام 1966 عن سنّ 54 عاماً.