| 

يندفع الشاب سمير رزق، بكل ما أُوتي من قوّة، ليقذف قنبلة بدائيّة أعدّها للتوّ صوب برج مُراقبة، بالقرب من موقعٍ عسكريّ إسرائيليّ، شرق بلدة عبسان الكبيرة في جنوب القطاع. يرمي بها غير آبهٍ لجنود الاحتلال المُتمركزين خلف سواتر رمليّة شاهقة، مُدجّجين بالعتاد والسلاح، يصوّبونه تارة تجاه الشبّان المُنتفضين الذين جاءوا للتعبير عن سخطهم من ممارسات الاحتلال بحق الفلسطينيين في القدس والضفّة الغربيّة، وتارة أخرى يلقون قنابل الغاز السام، في مسعى لتفريق التظاهرات.
رزق كاد يفقد وعيه أكثر من مرّة جرّاء استنشاقه الغاز السام والمُسيّل للدموع، في أثناء مشاركته في المسيرات التي تتظاهر على خطوط التماس شرق قطاع غزّة وشماله. استغّل زجاجة عصير فارغة، أضاف إليها بعض قطرات البنزين، ليصنع قنبلة يدويّة سريعة الاشتعال. يؤكد أنّ "الانتفاضة الفلسطينيّة الثالثة بدأت فعليّاً في أرجاء فلسطين كافة، دفاعاً عن المسجد الأقصى، ولن تستطيع إسرائيل إيقافها بأيّ حال من الأحوال".

تظاهرات القطاع
في العادة، تخرج التظاهرات في قطاع غزّة بطابع سياسيّ، إمّا احتجاجاً على الأوضاع المعيشيّة المترديّة أو اختناقاً من حالة الانقسام المرير. لكن، مع اندلاع هبّة الضفّة والقدس، لم ينتظر سكّان هذه المدينة المُحاصرة دعوة أيّ من الفصائل الفلسطينيّة للخروج في مسيراتٍ عفويّة من كافة أزقّة القطاع، لتلتقي في النهاية عند خطوط التماس الشرقيّة والشماليّة للقطاع. والهدف: رجم المحتلّ الإسرائيلي بالحجارة وقنابل المولوتوف.
الشبّان في هذه المنطقة الحدوديّة الواقعة شرق محافظة خان يونس، أتوا مجموعات مُتفرقة من بلدة عبسان الكبيرة التي لا تبعد عن السياج الحدودي سوى عشرات الأمتار فقط، مشياً على الأقدام، بعضهم ملثم بالكوفيّة الفلسطينيّة، وآخرون يحملون الأعلام الفلسطينيّة، ويحاولون بين الحين والآخر رفعها على السياج. يقولون: "جئنا لنصرة شباب الانتفاضة في القدس والضفة الغربية.. نريد أن نقاتل حتى بالحجارة والزجاجات".
بشكلٍ شبه يومي، تشهد مناطق التماس في القطاع تظاهرات شعبيّة سرعان ما تتحوّل لمواجهات مع الجنود الإسرائيليين المتمركزين في أبراج المراقبة العسكريّة المُحصّنة على طول الحدود الشرقيّة والشماليّة. وهي الأبراج والمواقع التي أقامها جيش الاحتلال عند انسحاب قواته من قطاع غزّة في العام 2005. ولا يتردد جنود الاحتلال في إطلاق النار وقنابل الغاز على مئات الشبان والفتية الذين يتجمّعون قرب الأبراج العسكريّة الإسرائيليّة.
تتركّز المواجهات اليوميّة في أربع مناطق حدوديّة من قطاع غزّة: الحدود الشرقيّة لبلدة عبسان الكبيرة جنوب شرق القطاع، شرق مُخيّم البريج وسط القطاع، شرق حي الشجاعيّة، وشمالاً حيث معبر بيت حانون/إيرز الإسرائيلي المُخصص لعبور الأفراد من القطاع إلى الضفّة الغربيّة. وقد عمدت القوات الإسرائيليّة مؤخراً إلى إقامة سواتر رملية قبالة مناطق الاحتكاك الأربع، كي تحمي الجنود من الحجارة والمولوتوف التي يقذفها الفلسطينيّون.
عدا عن المواجهات التي تندلع بشكل يومي قرب خطوط التماس، فإن ليوم الجمعة وقعاً خاصاً في غزّة. فيه، ينطلق الشبّان بعد صلاة الظهر مُباشرة نحو مناطق التماس مع الداخل الفلسطيني المحتلّ عند حدود قطاع غزّة، للمشاركة في التظاهرات الأسبوعية التي بات يُطلق عليها اسم "جمعة الغضب"، في صورة قريبة جداً من تظاهرات قريتي بعلين ونعلين الأسبوعيّة في الضفّة الغربيّة.
ما أن تطأ القدم إحدى مناطق التماس المُشتعلة في القطاع، خاصة في يوم الجمعة، يصبح من الصعب رؤية جندي إسرائيلي، فهم باتوا يتحصّنون جيداً داخل الأبراج العسكريّة، كلّ ما يظهر منهم فوهات الرشاشات الآليّة، لكن، كان في الإمكان رؤية شاب من هنا أو فتى من هناك يقع أرضاً نتيجة الإغماء جرّاء استنشاق قنابل الغاز أو الإصابة بطلق ناري.

العلم الفلسطيني على موقع عسكريّ إسرائيليّ
هذه التطورات الدرامية على جبهة غزّة، وضعت قيادة الجيش الإسرائيلي في حيرة من أمرها في كيفية التعامل مع خطوط التماس المستجدة في القطاع والتي انضمّت إلى دائرة المواجهات. هنا، طرح قادة الجيش الإسرائيلي سؤالاً: ماذا سيحدث لو نجح مئات الآلاف من الفلسطينيين في تجاوز السياج الحدودي شرق قطاع غزّة؟ وبعدما نجح الشبّان فعلياً في ذلك، وجدت إسرائيل نفسها أمام سيناريو هو الأخطر في هذا السياق بالنسبة إليها، وعليها التحضير لمواجهته.
خلال الأيام الفائتة، نجح عشرات الشبّان الذين شاركوا في مسيرات حاشدة في اقتحام السياج الحدودي الفاصل بين قطاع غزّة والأراضي المحتلّة، شرق مخيّم البريج في وسط قطاع غزّة، قبل أن يُجبرهم الاحتلال الإسرائيلي على العودة إلى غزّة تحت وابل من الرصاص الحيّ. تم اعتقال أربعة من المُقتحمين الذين نجحوا في تحطيم السياج الحدودي ورفع العلم الفلسطيني على أحد المواقع العسكريّة الإسرائيليّة.
إسرائيل اعتبرت هذا التطوّر المُتوقّع في المواجهات "السيناريو الأسوأ" بالنسبة إلى إدارة المواجهات المندلعة ضدّها، من جهة حدود قطاع غزّة، خاصة أن المنطقة تشهد حالات من التوتر والمواجهات تمتد لأيّام. وبشكلٍ يومي، يتظاهر الفلسطينيّون بالقرب من الحدود، ويرجمون الجنود والجيبات العسكريّة بالحجارة، ما أسفر عن استشهاد سبعة عشر من قطاع غزّة، وإصابة المئات، وفق إحصائيّة لوزارة الصحة في غزّة نُشرت نهاية تشرين الأول / أكتوبر الماضي، فيما لم تُسجّل أي إصابة في صفوف الإسرائيليين على حدود القطاع.
بالنسبة إلى الشبان المُشاركين في التظاهرات، فهم يجدون في محاولة تحطيم الحدود الإسرائيليّة واقتحامها، ولو لأمتار قليلة، محل مفخرة وشجاعة. إلى ذلك، فإنّ غالبيّة هؤلاء الشباب يافعين، رفضوا الأوضاع الاقتصاديّة المتردية في قطاع غزّة، ونفروا للحدود عند أول فرصة أتتهم للتعبير عن غيظهم ومقتهم للأوضاع. قهرٌ وغيظٌ لم يستطيعوا التعبير عنهما داخل قطاع غزّة، وإفراغ طاقتهما في وجه حكومة "حماس" المُسيطرة على القطاع منذ أحداث صيف العام 2007، ليفرّغوا غضبهم ضد المحتلّ الإسرائيلي الذي يفرض حصاراً مُشدداً على قطاع غزّة منذ ثماني سنوات.
ولم تتأخر الفتيات الفلسطينيّات في الخروج في تظاهرات حاشدة، والاتجاه بها إلى الحدود الشرقيّة والشماليّة لقطاع غزّة، أمام المواقع والأبراج العسكريّة الإسرائيليّة. وتشهد تلك التظاهرات التي تخرج بشكل يومي تواجداً كثيفاً للفتيات، يلقين الحجارة والزجاجات الحارقة تجاه قوات الاحتلال المتمركز على الحدود. تشرح سميّة عبد الهادي مشاركتها في المسيرات الغاضبة بأنّ الفتيات الفلسطينيّات في الضفّة الغربيّة عرّضن حياتهن للخطر، وخرجن يواجهن قوات الاحتلال الإسرائيلي، ما لا ينقص الفتيات في قطاع غزّة.

البوابة على تكتك
في كثير من الأحيان، هناك بعض المنطق في الجنون. على الأقل، هكذا يُبرر الشباب في غزّة تجرؤهم على مسافات قريبة جداً من الحدود الشرقيّة للقطاع، وعلى مرمى بنادق جنود الاحتلال الإسرائيلي، غير آبهين لرصاص القناصة ولا لقنابل الغاز. تُرى، ماذا ينتظرون غير شعورهم بالفخر والشجاعة لتحطيم الحدود؟ أحد المُشاركين في هذه التظاهرات، سألته: لماذا تُخاطر بحياتك وتقذف جندياً يختبئ وراء دبابة أو برج مُحصّن بحجر، وأنت تعلم جيداً أنه لن يُصيبه؟ قال: "أنا جاي أتصاوب، وآخذ راتب جريح من السلطة!".
الشاب المتخرّج منذ عامين من كليّة الإدارة والاقتصاد، يأس من محاولات البحث عن فرصة عمل كريمة في قطاع غزّة. لذلك، لم يُلقِ بالاً لاحتماليّة استشهاده لا إصابته فحسب، كما يتوقّع. وعلى الرغم من محاولات أمن "حماس" منع المُتظاهرين من الوصول إلى مسافات قريبة من الحدود، إلا أنّ ذلك لم يمنع عشرات الشباب من انتظار مغيب الشمس، واقتحام بوابة موقع عسكري إسرائيلي شرق مُخيّم البريج قبل أيّام.
هيأ الشباب أنفسهم. حملوا معهم مقصّات حديد، وتوجّهوا صوب البوابة الالكترونيّة بلا خوف. حطّموها، ودخلوا في الموقع الإسرائيلي لأمتار عدّة، قبل أن تُطلق قوات الاحتلال النار عليهم، وتعتقل أربعة منهم، وتُجبر البقيّة على العودة إلى قطاع غزّة، حاملين معهم أجزاء كبيرة من البوابة التي دمّروها، نقلوها على "تكتك" إلى داخل المُخيّم. ما جعل الجنود في حالة صدمة حقيقيّة من "الجرأة المُفرطة" التي أظهرها الشباب أمام الدبابات والبنادق والمواقع والترسانة الإسرائيليّة!
بالإضافة لما سبق، فإنّ العديد من الشباب في قطاع غزّة حاولوا خلال العام الماضي التسلل من قطاع غزّة صوب الأراضي المحتلّة، عبر الحدود الشرقيّة للقطاع، على أمل الوصول إلى الداخل المحتل، وإيجاد فرصة عمل هناك، على غرار آبائهم الذين كانوا يعملون داخل إسرائيل قبل أن تمنعهم الأخيرة إبان انتفاضة الأقصى. عدد كبير منهم نجح في ذلك، واعتقل أمن "حماس" عدداً منهم عند الحدود وأعادوهم إلى القطاع. فيستغلّ بعض هؤلاء الشباب حالة الفوضى التي تحدث عند الحدود الشرقيّة للقطاع هذه الأيّام، على أمل الولوج إلى الداخل المحتل، من دون أن يراهم الجنود المُنشغلين في التصدي للجماهير التي تتظاهر على الحدود يومياً.

قلق من الشباب وعليهم
تتوجس غالبيّة سكان قطاع غزّة من تظاهر الشباب بالقرب من الحدود الشرقيّة والشماليّة، وعلى مقربة من الأبراج والمواقع العسكريّة الإسرائيليّة، على اعتبار أنهم يتظاهرون في أراضٍ زراعيّة مفتوحة تتيح لجنود الاحتلال التلذذ في قنص المتظاهرين وقتلهم. ما ترجمه وقوع عشرات الإصابات، بينما لا تستطيع سيارات الإسعاف الوصول لتلك المناطق، نظراً لخطورتها من جهة ووعورتها من جهة أخرى. يشرح مُسعفٌ من جمعيّة "الهلال الأحمر الفلسطيني" لـ "السفير" إنهم لا يستطيعون التقدّم بسيّارات الإسعاف صوب مناطق التماس لنقل المُصابين خلال المواجهات، ما يدفع بهم إلى السير على الأقدام باتجاه مناطق المواجهات، ومن ثم نقل الجرحى محمولين، مشياً على الأقدام، إلى سيارات الإسعاف التي تنتظرهم في منطقة قريبة.
على مستوى آخر من القلق، يوضح الكاتب السياسي في صحيفة "الأيام" (الصادرة من رام الله) طلال عوكل إن "الفتية والشبان في قطاع غزة يشعرون بالحماس أمام الهبّة الفلسطينية، ما يدفعهم نحو خطوط التماس لمواجهة الجيش الإسرائيلي" في مشهدٍ لا يروق للمعنيين السياسيين والعسكريين في غزة، فـ "إسرائيل تريد أن تبقى جبهة غزة هادئة، هي لا تريد تصعيداً، وحتى حركة حماس التي تسيطر على القطاع، غير معنية بأن تتدهور الأمور. لكن هؤلاء الفتية يرون أن هذه هي وسيلتهم الوحيدة للتعبير".
العديد من المسؤوليين والأكاديميين في قطاع غزّة ناشدوا الشباب المتظاهرين عدم التوجّه إلى حدود قطاع غزّة، والاكتفاء بالتظاهر في الأماكن العامة، وعدم المخاطرة بأرواحهم قرب خطوط التماس.. لاسيّما وأنها بعيدة جداً ومُحصّنة، ويعتبرها الاحتلال خطوطاً عسكريّة حمراء، ومناطق مُغلقة، ويراقبها بتوتّر شديد، إذ لا تطال حجارة المتظاهرين فعليّاً إلا كاميرات المُراقبة.
ولكن، لا يتدخل عناصر الأمن والشرطة الفلسطينيون المتواجدون بكثافة قرب خطوط التماس في قطاع غزّة بما يجري، خاصة أنهم يعلمون أن الشباب جاءوا إلى هنا غاضبين من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في القدس والضفة الغربيّة. يقول أحد عناصر قوّات الضبط الميداني، بعدما طلب عدم نشر اسمه: "نحن لا نستطيع منع الشبان الغاضبين من التظاهر بالقرب من السياج الحدودي لأنّ ذلك سيعكس صورة سلبيّة عن الأمن في قطاع غزّة، وكيفية تعامله مع المتظاهرين.. نحن نعمل على ضبط العملاء الذين يحاولون التسلل إلى إسرائيل، لكن لا نمنع التظاهر بتاتاً".