| 

لم أخطّط لأن تنتهي تلك الليلة بهذه الطريقة:
دعا الحراك الشعبي في الداخل الفلسطينيّ للمشاركة في التظاهرات الاحتجاجية في البلدان والقرى العربيّة، من أجل رفض سفك الدماء بحق أبناء شعبنا في القدس والضفّة جرّاء ما حدث ويحدث من صدامات مع المستوطنين وعناصر الاحتلال.
إحدى التظاهرات أقيمت في حيفا.
صادف ذلك اليوم، يوم التظاهرة، "عيد العرش". وهو عيدٌ يُنسب إلى اليهود، من أبرز مميّزاته أنّه يشكّل يوم عطلةٍ لعاملةٍ فلسطينيّة مثلي. وقد خصّصتُ ذلك اليوم تحديدًا لقراءة كلّ ما يجري ويحدث من تطوّرات في جميع أرجاء فلسطين، وأيضًا، من أجل الاستعداد للمشاركة في التظاهرة.
خرجنا عند الساعة السادسة مساء من عكّا، متّجهين إلى حيفا، في مركبتنا الخاصّة.
كانت تظاهرة مشرّفة، حيث أنّنا نشعر بالفخر لرؤية وجوهٍ جديدة وطاقاتٍ جديدة تسعى لتبصم مجتمعةً في أهمّ شوارع حيفا:
نحن هنا باقون!
بعد انتهاء التظاهرة، توجّهنا إلى المركبة كي نعود إلى عكّا، وأذكرُ أنّ إحدى صديقاتي سألتني حينها: "عنجد مروّحة إسّا؟". أجبتها: نعم، ومن ثمّ شعرت بعدم الإستكفاء من العودة مباشرة إلى البيت.
ما أن وصلنا إلى مخرج حيفا، سألت أصدقائي: "عبالكم نروح عَ سخنين نحضر اللعبة ضد فريق بيتار؟".
وهنا بدأت قصّتنا:
"اتحاد أبناء سخنين": هو فريقٌ يمارس رياضة كرة القدم في مدينة سخنين.
صنع الفريق انجازًا تاريخيًّا لكونه أوّل فريق عربيّ فلسطينيّ في دولة الكيان الصّهيوني، يرتقي إلى درجة الممتاز.
في تلك الليلة، تبارى فريق "اتحاد أبناء سخنين" ضدّ فريق "بيتار - القدس".
"بيتار القدس": هو فريق كرة قدم إسرائيليّ معروف بعنصرية مشجّعيه، يُمثّل اليمين الإسرائيلي المتطرّف.
لمّا وافق أصدقائي على الذهاب لمشاهدة المباراة في سخنين التي تبعد ما يقارب الخمسين دقيقة في السيارة عن موقعنا، عادت إليّ الحيويّة. شعرت وكأنّي في طريقي لتحرير القدس، وشطب اسم "بيتار" من معجم الأسماء.
وصلنا إلى مدينة سخنين، وكانت الشوارع فارغة من كلّ شيء سوى سيارات الشرطة الاسرائيليّة الحاضرة في استقبالنا عند كلّ مدخلٍ ودوّار.
بدأ البحث عن كيفية شراء تذاكر لمشاهدة المباراة، في المقاهي والحوانيت المجاورة للملعب. لم نجد بطاقات.
قلت لصديقي: "هات نروح عالملعب، بلكي لقينا غاد. ما أجيناش هون عالفاضي".
وقد كنتُ خائفة من أن نخسر مشاهدة المباراة، إذ راودني شعورٌ أنّي سأخسر حفلة تحرير فلسطين.
لحظات قبل الوصول إلى "ستاد الدوحة" حيث تجري المباراة، وصلت إلينا الأضواء والهتافات تشعل الأنفاس.
سألنا صاحب موقف السيارات إذا ما زال بإمكاننا شراء التذاكر، وأجابنا الرجل بنعم، وتوجّه إلى صديقي قائلًا: "أركُض لحّق حالك".
تبسّمنا، وباشر صديقي الركض نحو البائع الغامض، وبقينا نحن خارج الملعب نستمع إلى الهتافات العالية، وننتظره ليعود بأيدٍ تحمل بطاقات الدخول.
عاد مبتسمًا بعد حين، وهرع إلينا حاملًا البطاقات المنتَظَرة.
- امتلكتني سعادة من تجاوزت أوّل خطوة في تحرير الأرض -
كانت أجواءٌ من التّوتر تسود المنطقة المحيطة بـ "استاد الدوحة". الكثير من الحواجز، أكثر من مئتي عنصر من أفراد الشرطة والوحدات الخاصة "اليسام" المختصّة بتفريق المتظاهرين والتعامل مع المخلّين بالنظام، فرقتان من الخيّالة، وشاحنة لتفريق المتظاهرين بالمياه الساخنة.
دخلنا إلى الملعب.
(كانت تلك هي المرة الأولى التي أشاهد فيها لعبة كرة قدم بشكل مباشر).
وقفت لثوانٍ معدودة أشبع نظري من هذا الجوّ الجميل.
كانت أعلام فلسطين ترفرف في مركز المباراة. وهذا ليس ببديهي في الأرض المحتلة في 1948.
منذ لحظة دخولنا الملعب، بدا جلياً للجميع أنّ الرياضة تحلّ كأمر ثانويّ في هذه المباراة، وأن السياسة قد ترأست أهميّة الحدث.
لا أذكر أني شعرت يومًا بقلق مستمر لمدة 90 دقيقة في سابق حياتي مثلما شعرت به في المباراة.
كان الشعور جميلا ومرعبا في آنٍ واحد، وقد نسيت لفترة زمنيّة معيّنة لا تحسب أني أشاهد مباراة، وأني لستُ في حربٍ لإرجاع أراضينا سالمة.
كيف لي أن أتذكر أنّي كذلك، وليس هناك أي شيء يذكّرني بملامح المباراة غير طابة تتدحرج من مكانٍ إلى آخر وتبعد عني بعدًا شديدًا؟
أحرز فريق "بيتار" هدف التقدّم الثاني، وكنت أشعر بالخسارة الشديدة. ولكني لم أمح البسمة عن وجهي. وعلى الرغم من الخسارة، شعرت بالفخر والسعادة في هذه التجربة الملأى بالمشاعر بين أفراد شعب.
كيف انتهت المباراة؟
انتهت المعركة بفوز "بيتار القدس" على فريق "اتحاد أبناء سخنين" على أرض ستاد الدوحة، وسط خيبة أمل آلاف الجماهير العربيّة.
أنا أعلم جيدًا أن خيبة الأمل كانت ستكون مختلفة وأقلّ حدّة لو كان هذا اللقاء بين الفريقين في فترة زمنيّة أخرى.
وما أدركته هو أنّ هذه المباراة كانت من أهمّ ما شهده فريق "اتحاد أبناء سخنين" والشعب الفلسطيني في الداخل، والبعيد منه عن الهوى الرياضيّ.
والجدير ذكره أنّ فريق "بيتار القدس" فاز حينها للمرة الأولى على "اتحاد أبناء سخنين"، بعد 9 سنوات من الخسارة.
أمّا النهاية الأخرى التي كانت للمباراة فهي اعتقالات ورشق حجارة.
هذه النهاية الأخرى، لا علاقة لها بالفوز أو الخسارة، إنّما لديها علاقتها مباشرة مع حقيقة شعب يواجه الاحتلال ومسيرته المستمرة.
وأمّا أنا فأقسمت يمينًا أن أتواجد في هذا الملعب عندما تلتقي فلسطين ضدّ اسرائيل، يوم التحرير.
حتّى التحرير.