| 

كان يفترض بالحافلة أن تتحرك من حيفا عند الرابعة عصرًا في يوم الخميس 8 الجاري، باتجاه مدينة الناصرة التي ستحتضن التظاهرة القطريّة بعنوان "القدس تنادي"، عند السادسة مساءً. لكن الحافلة الآتية من قرية كفرياسيف مرورًا بقرية الجديدة، كانت قد أخّرت انطلاقها قليلًا، لتصطدم في مثل هذه الساعات بأزمة السير تجتاح البلاد.
عُلم عن التظاهرة بعدما انتشرت الدعوة عبر موقع "فايسبوك"، مرفقة ببيان صحافيّ عنوانه: "يدنا الفلسطينيّة الموحّدة تلاطم مخرز القمع الإسرائيلي". وقد كُتب فيه: "ردًا على هذه الدمويّة، نفض أبناء شعبنا عن أنفسهم تراب القبر ونهضوا رافعين رؤوسهم، بالمقاومة، لحياة حرّة وكريمة. أما نحن، في النقب والمثلث والجليل، فقد آن لأكفّنا أن تُلاطم مخرز الظلم – أن نصدّ عن أخوتنا العدوان، وأن نحمي مستقبلنا، أولادنا وبيوتنا وأحباءنا ومجتمعنا. ذلك لأنّ كلاب الموت المتفشية والمتزايدة لا تتوقف عنصريّتها العمياء في حدود مستوطنات الضفّة، إنما لحقت وستلحق بنا في بئر السبع واللد وأم الفحم وعكّا وترشيحا".
بعد نشر الدعوة، نشرت أسماء القرى والمدن والمناطق التي ستنطلق منها الحافلات، مرفقة بأرقام هواتف منسّقيها الذين عملت إسرائيل على اعتقالهم، وأخضعت بيوتهم لحملات تفتيش، بالإضافة إلى أوامر التحقيق مع مجموعة من النشطاء في اليوم السابق لموعد التظاهرة. شملت الاعتقالات ثلاث فتيات، لكن، هذه المرّة، لم تعتقلهن إسرائيل وحدهنّ، بل اعتقلت أباءهن معهنّ!
انتظرنا الحافلة لحوالي الساعة من الزمن في الموقع المتفق عليه لوصولها. ومع توافد الناس، كان من الواضح أنّ الحافلة لن تتسع لهذا العدد، خاصة أنّها وصلتنا تحوي متظاهرين أقلّتهم من القرى. على الفور، نشط عدد من الحضور في اتصالات لتأمين بعض الأماكن في السيارات الذاهبة إلى التظاهرة. وبين الاتصالات الهاتفية والستاتوسات الفايسبوكية، فاز الجميع بوسائل تقلهم إلى التظاهرة.
في المقابل، بدأت ترد بعض الاتصالات لتفيد بأنّ الشرطة الإسرائيليّة انتشرت عند كلّ مداخل مدينة الناصرة، لتمنع الحافلات الآتية من مناطق الأراضي المحتلة العام 1948 المختلفة من الدخول. ومع تحرك حافلة حيفا والسيارات، نُشرت في صفحة التظاهرة وصفحات متنوعّة على "فايسبوك" أخبار مفادها أنّ الشرطة بدأت تعيد الحافلات إلى البلدات التي جاءت منها. كان أول هذه "الستاتوسات": "الاحتلال يمنع الباصات أن تتوجه إلى الناصرة للمشاركة في المظاهرة. الباصات الي بتنمنع، ترجع عبلادها وتتظاهر في بلادها".
إلا أنّ الحافلات لم تعُد إلى بلادها، بل ذهبت باتجاهين آخرين، إذ أقيمت تظاهرة في أم الفحم وأخرى في طمرة. ومَن نجح بالوصول إلى الناصرة، التقى بأهلها هناك. إلا أنّ اللقاء لم يتم في الموقع المتفق عليه منذ البداية، حيث تواجد عدد كبير من "قوات الشرطة الإسرائيليّة الخاصة". فقرّر المتظاهرون أنّ ينقلوا التظاهرة إلى مكان آخر، فمشت المسيرة في الشارع الرئيسيّ للمدينة.
لم أستقل الحافلة للذهاب إلى التظاهرة. صديقي "حمّودي" جاء بسيارته، وسافرنا سوية برفقة صديقة أخرى وصديق. على الرغم من أزمة السير، وصلنا عند السّادسة والنصف تقريبًا إلى الناصرة. وجدنا موقفًا للسيارة، وكنا قد لمحنا التظاهرة تمشي. ركضنا باتجاهها. العدد ليس كبيرًا نسبيًا كما هو متوقع لتظاهرة قطريّة، وذلك بسبب منع حافلات البلدان الأخرى من الوصول. لكن العدد لم يكن هاماً، إنما وجوه المتظاهرين والمتظاهرات كان الأهم. معظمهم في مستهلّ العشرينيات من العمر، وربما أقل. يرتدون الكوفية الفلسطينيّة، ويحملون أعلام فلسطين. هنالك مجموعتان تهتفان، وأحيانًا تصبح يتوحّد الهتاف. تارة يقود الهتاف شاب وتارة أخرى تقوده شابة. هتفوا: "علّي علم الثورة علّي / على كلّ الأرض المحتلّة"، "فلسطين بلادنا / مش بس الضفّة وغزّة"، و "فلسطين عربيّة/ من الميّة للميّة"، وغيرها.
وصلت التظاهرة إلى منطقة "العين". استمرّت الهتافات لدقائق. عند الأدراج القريبة من "العين"، وقفت مجموعة من "قوات الشرطة الإسرائيلية الخاصة". بعد دقائق معدودة، بدأت هذه "القوات" برمي قنابل الصوت باتجاه المتظاهرين. وبدأ الركض باتجاهات الشارع الرئيسي المختلفة. صديق وصديقة إلى جانبي، ركضنا سوية باتجاهٍ ما. لم أعرف إلى أين سيذهب صديقي، لكنّي أمسكت بحقيبته الزرقاء التي على ظهره وركضت خلفه. ركضنا بين العواميد القصيرة التي على رصيف الشارع وقفزنا تارة فوق أكياس رمل موجودة على الرصيف أيضًا، إلى أنّ وصلنا إلى "مكانٍ آمن". خلفنا، كانت فتاةٌ قد أصيبت بقنبلة صوتيّة في ظهرها. وكنا قد علمنا عن إصابة امرأة مباشرة في قدمها بقنبلة صوتيّة أيضًا.
بعد قليل، قرّرنا أنا وأصدقائي أن نعود إلى منطقة "العين". لكننا لم نمشِ كثيرًا قبل أن تعود الشرطة إلى إلقاء القنابل الصوتيّة. عندها، افترقت عن أصدقائي باتجاه منزلٍ قريب. كانت هنالك فتاة تبكي. وقفت إلى جانبها قليلًا إلى أن جاءت أختها، ومن ثم خرج صاحب البيت إلينا يدعونا للدخول: "تفضّلوا عمّي، فوتوا ارتاحوا شوي.. وبس تهدا، بترجعوا تطلعوا". أجبته: "الله يسعدك عمّي.. كلّه تمام". ومن ثم قال: "أنا والله طلعت مخصوص أقول للناس يفوتوا ع البيت يتخبّوا". استمرّ "العمّ الجميل" بدعوتنا إلى بيته. شكرته بدوري، ولحقت بأصدقائي.
في المنطقة التي وصلنا إليها، كانت الأمور قد هدأت قليلًا. لكن، في الجهة الأخرى للشارع، وبالقرب من "الحارة الشرقيّة"، أو كما يلفظ اسمها أهل الناصرة: "الحارة الشركية"، كانت الأوضاع مشتعلة. بعد قليل، اتصل بي "حمّودي" ليطمئن علينا. هو، كان في الجهة الأخرى. تحرّكنا من مكاننا باتجاهه. في الطريق، كنا نلتقي بأصدقاء وصديقات، تارةً نسلّم على بعضنا باليد وتارة بالأحضان. "للسلام في التظاهرات نكهة خاصة، لا مثيل لها في أي مكان أو موقف آخر"، كنتُ أقول لنفسي، وابتسم.. هذا الموضوع يحتاج بحثاً مطولًا.
وصلنا إلى منطقة "العين" من جديد. كان الوضع هادئًا هناك. على أطراف الشارع، ما زالت "قوات الشرطة الخاصة" واقفة. فجأة، سمعنا أصوات قنابل غاز مسيل للدموع تنطلق من جديد. الشرطة التي كانت في منطقة "العين"، ركضت باتجاه الصوت. ونحن بدورنا ذهبنا في الاتجاه ذاته. حين وصلنا، كانت حاويتا زبالة تحترقان والكثير من الغاز في الهواء. وفي الطريق أيضًا، كان بعض أصحاب المحال يطلبون من الشباب العودة كي لا يتم القبض عليهم.
هاتفني "حمودي" ليخبرني أنه ينتظرنا إلى جانب السيارة. لم يكن ممكناً أخذ الطريق الأسرع إليه بسبب الغاز. صعدنا الدرج المؤدي إلى منطقة السوق كي نأخذ الطريق الالتفافيّ. ونحن نمشي، سمعنا فجأة مقطوعة موسيقيّة كلاسيكيّة تخرج من مدرسة ما. كانت الساعة عندها حوالي 20:45. ضحكنا أنا وأصدقائي. صديقي الذي كان يمشي معنا قال إن المشهد سوريالي. ووافقته الرأي.
اقتربنا من السيارة. كان "حمّودي" يجلس إلى الرصيف بانتظارنا. بعض الحاويات ما زالت مشتعلة. قبل أن نركب السيارة، دخلنا أنا وهو إلى دكّان لشراء زجاجات مياه. في الداخل، لمحنا خطّاطاً يجلس وحده ويكتب. تحدّث "حمّودي" إليه ومدح خطّه وفنّه وروحه. وحين خرجنا، جاءنا صاحب المحل قائلًا، بلا سياقٍ واضح: "ما بحرّكنا إلا شوية محبّة". على الرغم من انعدام السياق، إلا أنّ مقولته أعجبتني، ووافقته إياها... وعدناه أن نعود إليهم في التظاهرة المقبلة.
خرجنا من الناصرة باتجاه حيفا. المواجهات والاعتقالات ما زالت مستمرة. فور وصولنا إلى حيفا، بدأ المطر بالهطول. اتفقنا أنّ ما تركته التظاهرة في قلوبنا، رغم كلّ محاولات الاحتلال بمنعها، ورغم نجاحه في إعادة الحافلات، هو أكثر رومانسيّة وجمالًا وخيرًا من المطر.