| 

خلف شاشة الحاسوب، يتسمّر الشاب عبد الرحمن، مُعظم ساعات اليوم، لا يبرح مكانه إلا للضروريّات فقط. يراقب عدّة رموز وشيفرات إلكترونيّة أعدّها مُسبقاً، تُشبه المصيدة تماماً، لكنّ الفريسة هنا هي شركات الاتصالات العالميّة التي يعمل على اختراقها وقرصنة خطوطها التي لا مفر من أن تقع بين يديه بعد عدّة محاولات يُجريها. تتم عمليّة تخزين وبيع الرصيد المقُرصن فوريّاً، وبطريقة الكترونيّة. وفي اليوم التالي، يحصل على ماله بكل "أريحيّة".

كيف أصبحوا 20 ألف قرصان؟
قرصنة المكالمات الصوتيّة عبر الانترنت، أو ما يُعرف في غزّة بـ "سرقة الآي بيهات"، بدأت تشقّ طريقها بالتزامن مع فرض الحصار على القطاع، وعزله تماماً عن العالم الخارجي في صيف العام 2007. لكنّ أصحاب تلك "الصنعة" الغامضة لم يتمكنوا من الاحتفاظ بسرّها طويلاً، خاصة في مجتمعٍ ما زالت تحكمه الروابط الاجتماعيّة والعائليّة. فبدأت تنتقل من شخص إلى آخر، حتى بات عدد المشتغلين فيها يزيد على 20 ألف فلسطيني، بحسب بعض التقديرات.
بعد عدّة محاولات للاقتراب من عالمٍ لطالما ظلّ بمنأى عن وسائل الإعلام والملاحقات الأمنيّة، وافق الشاب عبد الرحمن (23 عاماً) على التحدّث إلى "السفير"، شرط الحفاظ على سريّة هويّته. يقول عبد الرحمن: "نحن نسرق دولاً عُظمى، وليس أشخاصاً عاديّين"، رافضاً الاعتراف بأنّ عمليّة القرصنة التي يقوم بها هي جريمة يُحاسب عليها القانون. وفي الوقت ذاته، لا يشعر بأيّ خشية من الملاحقة الأمنيّة في هذا الصدد، خاصة أن غزّة لا ترتبط بأيّ اتفاقيّات دوليّة على مستوى ملاحقة قراصنة الإنترنت.
بحسب عبد الرحمن، ترجع قصّة قرصنة خطوط الاتصالات الدوليّة مع شباب غزّة إلى العام 2007، لمّا نجح شاب موهوب، وهو مُحترف في برمجة الحاسوب من مدينة رفح في جنوب القطاع، في اختراق إحدى شركات الاتصالات الدوليّة، لمصلحة استخدامه الشخصي. أراد التواصل مع عائلته المُقيمة في دولة الإمارات، من دون تكبّد الكلفة الماديّة. وبعد حصوله على فائض من الخطوط عن حاجته، بدأ يوزّع خدمة الاتصال الدولي على أصدقائه بالمجّان.
من شاب إلى آخر، انفرط حبل "السبحة" التي لا تُقدّر بثمن. وما إن وصل الخبر مكاتب الاتصالات الدوليّة في قطاع غزّة، عمل صاحب إحدى المكاتب في رفح على استثمار موهبة الشاب الذي اخترق خطوط الاتصالات. تعاقد معه على أن يوفّر لزبائن المكتب خدمة إجراء المكالمات الدوليّة بأسعار أقل من تلك التي يتم تداولها في المكاتب الأخرى، على أن تُقسّم الأرباح بين صاحب المكتب والقرصان.
أما المرحلة الثانية من هذا "البزنس"، وهي الأشد احترافاً، فقد ظهرت في العام 2009، لما سافر أحد طلاب غزّة إلى الجزائر لدراسة تكنولوجيا المعلومات، لكنّه تورّط هناك في قضايا قرصنة عبر الانترنت، واضطر إلى الفرار والعودة إثر اكتشافه وملاحقته قانونياً. كان قد احترف قرصنة خطوط الاتصالات في أثناء دراسته في الخارج. وبعد عودته، امتهن القرصنة على نطاق واسع، حتّى باتت تُدر عليه أرباحاً خياليّة تُقدّر بملايين الدولارات. ومن ثم ارتبط اسمه بالقرصنة والثراء الفاحش في غزّة.

هكذا يعملون، وهكذا يقبضون
يشرح عبد الرحمن طريقة عمل قراصنة الاتصالات في قطاع غزّة، راهناً: "نقوم برصد خطوط الاتصالات الصوتيّة الدوليّة عبر الانترنت بواسطة برامج مُعيّنة وبرمجيّات خبيثة ننظمها بأنفسنا. ويتوجّب علينا ألّا نُفارق شاشة الحاسوب لمراقبة الخطوط. فإذا وقع خطٌّ ما في الشرك الذي نعدّه، نقوم على الفور بتحويل مساره نحو لوحة برمجيّة خاصة يمتلكها كلّ قرصان، وتستضيفها إحدى شركات الاستضافة بشكلٍ قانونيّ، لنخزّن فيها رصيد الاتصالات الذي قرصنّاه، ومن ثم نقوم ببيع هذا الحساب إمّا عبر الانترنت أو لمكاتب الاتصالات في غزّة بأسعار رمزيّة".
في حال وقوع أحد خطوط الاتصالات في أيدي القراصنة في غزّة، فإنّ الرصيد الموجود فيه ينتقل عبر الانترنت إلى اللوحة البرمجيّة، إلى حين اكتشاف شركة الاتصالات المُقرصنة للثغرة الموجودة فيها. لكن ذلك لا يُلغي المبلغ أو الدقائق التي تمت قرصنتها. عند اكتشاف الثغرة، يتوقّف الخط عن درّ الربح والدقائق، فيحتفظ القرصان بما تم سحبه، ومن ثم يقوم ببيعه بطريقته الخاصة. يلفت عبد الرحمن "السفير" إلى أنّ "هناك عدداً لا بأس به تعلّم طريقة القرصنة في غزّة، وبدأ يمتهنها كعمل أساسي".
أمّا عن طريقة تحويل الأموال ووصولها إلى القطاع المحاصر فيشرح القرصان أن شركات الاتصالات التي تستضيف اللوحات البرمجيّة للقراصنة في غزّة تعمل على تحويل قيمة الدقائق المُستهلكة ورفعها على هذه اللوحة، على حساب أحد التجّار الفلسطينيين في الخارج، غالباً في الصين، بعد إبرام اتفاق بين القرصان والتاجر. ويحصل التاجر على نسبة مُعيّنة من كلّ مبلغ يتم تحويله إلى حسابه في الخارج، فيسلمها للقرصان في غزّة.
بغرض طرح بعض الأسئلة على أحد التجّار الذين يتعاملون مع القراصنة في غزّة، لم يكن أمامي من طريق سوى انتحال شخصيّة قرصان اتصالات، بعدما أخبرني عبد الرحمن بأن التجّار، وأغلب الذين يعملون في هذه المهنة، يرفضون الحديث إلى وسائل الإعلام، خوفاً من الملاحقة القانونيّة والأمنيّة. أجريت اتصالاً هاتفيّاً بتاجر يُكنّى بـ "أبو راشد"، أخبرته بأنّ هناك مبلغاً ماليّاً أريد استلامه من غزّة، مُستعلماً عن الطريقة والآليّة التي سنتبعها، والنسبة التي سيخصمها من إجمالي المبلغ.
قال التاجر إنّه، بعد الاتفاق، وتحويل المبلغ من شركة الاستضافة التي تستضيف اللوحة البرمجيّة الخاصة بتخزين الرصيد المُقرصن فيها إلى رقم حسابه في الصين، سيصل إشعار إلى بريدي الإلكتروني يُفيد بتحويل المبلغ من قبل الشركة المستضيفة للوحتي البرمجية إلى حسابه. وفي الوقت ذاته، يصل التاجر إشعار بريديّ بقيمة الأموال التي دخلت حسابه. بعد ذلك، يصلني بمكتب صرافة يتعامل معه في قطاع غزّة لأستلم المبلغ منه، بعد خصم عمولة نسبتها 20 في المئة من إجمالي المبلغ المحوّل.
القراصنة في غزّة يعتبرون التجّار الذين يتعاملون معهم في مسألة تحويل الأموال إلى حساباتهم شركاء أساسيين في العمل. من دونهم، سيواجهون صعوبات جمّة في توصيل الأموال الهائلة التي يقرصنونها إلى غزّة. وغالباً ما تعمل مكاتب الصرافة التي يستلم القراصنة أموالهم منها، بعد الاتفاق مع التجّار، كسوقٍ سوداء. هذه الطريقة الميسّرة نوعاً ما في استلام الأموال شجّعت رواج عمليّات القرصنة في قطاع غزّة.
قبل تلك الطريقة التي يعتمد عليها القراصنة منذ العام 2010 تقريباً، كان استلام الأموال أكثر صعوبة من العمل بحد ذاته. إذ كانت تبقى الأموال في حسابات المصارف خارج قطاع غزّة، وكان من الصعب استلامها نقداً. فلجأ عددٌ من القراصنة إلى شراء بضائع عبر الانترنت ثم شحنها إلى مصر، ثم تهريبها عبر الأنفاق الّتي كانت تربط رفح المصريّة برفح الفلسطينيّة إلى قطاع غزة. وأصبحت هناك علاقة واضحة بين التهريب عبر الأنفاق والقرصنة الإلكترونيّة. كذلك، ارتبطت القرصنة والأنفاق بعقار الترامادول المخدّر، وهو ينتشر في أوساط العاملين في "الآي بيهات"، إذ يستخدمه بعضهم ليتمكّن من العمل لساعات أطول.

ازدهارٌ بلا قانون يلاحقه
تُقدر بعض الإحصائيّات السابقة المبالغ التي يجنيها القراصنة في قطاع غزّة بحوالي خمسة ملايين دولار شهريّاً. ويجني الفرد منهم أسبوعيّاً مبلغاً يتراوح ما بين 5000 و100.000 دولار أميركي. ويقدّر عدد العاملين في قرصنة المكالمات في القطاع بحوالي 20 ألف شخص، منهم من موظّفي السلطة المستنكفين عن العمل، ويتوقّع أنّهم يوميّاً يشهدون حالة ازدياد مستمرّ، إذ لا ينضب السوق من زبائن جدد.
يرفض هؤلاء القراصنة تعليم مهنتهم إلى أيّ شخص، حتّى ولو كان صديقاً لهم، أو قريباً. لا يعلمونها إلّا لأقربائهم المُقرّبين جداً، وأصدقائهم الذين يعتبرونهم كأخوتهم. هنا، يُخبرنا شقيق الشاب عبد الرحمن، الذي يعمل معه، أنّ أحد أصدقائه عرض عليه مبلغاً مالياً يُقدّر بعشرين ألف دولار مُقابل تعليمه سرّ المهنة، إلّا أنه رفض ذلك، مبرراً: "لو علّمته، لا أضمن من سيعلّم بعده، ويمكنه أن يخرّب علي شغلي.. العشرين ألف دولار بطلعهم في يومين ثلاثة بكل سهولة!".
بعد سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزّة في صيف العام 2007، تحوّل قطاع غزّة إلى بيئة خصبة لاتساع القرصنة. ويستغل القراصنة عدم التواصل بين الأجهزة الأمنيّة التي شكلتها حركة "حماس" والإنتربول الدولي لمصلحتهم. وكذلك، على المستوى المحلي، لا توجد تشريعات قانونيّة تكافح جرائم القرصنة في قطاع غزّة، نتيجة حداثة هذا النوع من الجريمة، في مقابل قانون فلسطيني تقليدي ينظم الاتصالات يعود إلى العام 1936.
في محاولات تطوير قانون العقوبات الفلسطينيّة، نشرت وزارة العدل الفلسطينية في أيلول /سبتمبر 2004 ورقة بحثية أعدّها رئيس إدارة الأبحاث والدراسات القانونيّة في الوزارة، المستشار الدكتور عبد الكريم الشامي، بعنوان: "جرائم الكمبيوتر والإنترنت في التشريع الفلسطيني". قدّمها للأمانة العامة لوزراء الداخلية العرب، وناقش فيها عدم وجود تشريع خاص يتعلّق بجرائم الكمبيوتر والإنترنت في فلسطين عموماً، "ولكن تمكن ملاحقة هذه الجرائم عن طريق تطويع نصوص قانون العقوبات الفلسطيني، بحيث ينطوي تحت لوائها بعض الجرائم المتعلّقة بالكمبيوتر كنصوص جرائم السرقة والنصب وخيانة الأمانة والإتلاف وغيرها".
ويعتبر قطاع غزة بيئة خصبة لنشاط الجريمة الالكترونية نتيجة لعدم وجود أدوات متطورة لمكافحة هذا النوع من الجريمة، سواء على مستوى القوانين المحليّة المعمول بها، أو على مستوى الخبرة لدى أفراد أجهزة الأمن. أضف إلى ذلك عدم قدرة ضحايا الجرائم الالكترونية على التقدم بدعاوى قضائية لملاحقة القراصنة الالكترونيين، بالإضافة إلى وقوع هذه الجرائم في فضاء رقمي تصعب متابعته ورصده.
أمام هذا الواقع الالكتروني المترامي الأطراف وغياب التشريعات القانونيّة، بات العمل في قرصنة خطوط الاتصالات الصوتيّة، المهنة الأكثر شيوعاً وربحاً وسريّة في قطاع غزّة، خاصة بين العاطلين عن العمل. ما أن تظهر بسرعة غير اعتياديّة علامات الغنى الفاحش على أحد العاطلين عن العمل حتّى ينتشر بين الناس حديث عن أنّه يعمل في سرقة خطوط الاتصالات. لقد شكّل هؤلاء القراصنة في غزة نادياً اجتماعيّاً صغيراً، يصعب اختراقه.