| 

في الرابع والعشرين من شهر آب، بدأ التصعيد الإسرائيلي بقوة السلاح من أجل تقسيم الأقصى زمانياً. في ذلك اليوم، فرضت قوات الاحتلال أوقاتا معينة لدخول المصلين إلى المسجد الأقصى، فيما سمحت للمستوطنين باقتحام الأقصى، ما أدّى إلى ازدياد الصدامات والمواجهات بين المرابطين وجنود الاحتلال.
ويقوم التقسيم الزمانيّ على تخصيص أوقات معينة لدخول اليهود إلى الأقصى، حُدّدت بين الساعة (7-11) صباحا وبين (1:30- 3) عصراً. وفي فترة أعياد اليهود، يخصّص الأقصى بالكامل لهم، بالإضافة إلى منع رفع الأذان.

زماني، فمكاني، فهيكل
تحدث ضابط إسرائيلي رفيع إلى إذاعة جيش الاحتلال قائلاً إن الظروف الأمنية الجديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة والعوامل الإقليمية والعالمية ساعدت على بدء التقسيم الزماني. وأوضح أن الظروف الأمنية سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة تشير إلى عدم نية الفلسطينيين الخوض في تصعيدٍ ضد الاحتلال، ردّا على تقسيم الأقصى ورفع وتيرة الاقتحامات اليومية.
وادعى أن القيادة السياسية الفلسطينية في الضفة الغربية تبذل جهوداً كبرى لمنع تنظيم احتجاجات في المدن الفلسطينية ومناطق التماس، فلا تسفر عنها مواجهات في الحجارة مع الاحتلال. إلى ذلك، ادعى أن "حماس" التي تسيطر على قطاع غزة تعهدت بعدم إطلاق الصواريخ نحو القدس، وفقا لأقواله. وعلى الصعيد الإقليمي، ترى إسرائيل أن الدول غارقة في حالة فوضى والرأي العام في مصر وسوريا وبقية الدول العربية مشغول في الحروب والصراعات الداخلية.
نتيجةً لهذه الظروف، وفي أثناء تقسيمها للأقصى زمانياً، اتخذت سلطات الاحتلال عدّة خطوات تصعيدية، منها رفع وتيرة الاعتقال الإداري بحق المرابطين والمرابطات لتقليل عددهم، لا سيما أنهم يعدّون خطّ الدفاع الأول، ولربما صار الوحيد، في التنغيص على اقتحام المستوطنين للمسجد. فاعتبرهم الاحتلال "تنظيماً محظوراً"، رغم أن الحقيقة خلاف ذلك، فهي تجمعات عفوية. كما تم وضع العديد من المرابطين ضمن القائمة السوداء لمنعهم من الدخول إلى المسجد الأقصى، لمدة تتراوح بين 15-90 يوماً. وعمدت شرطة الاحتلال إلى فرض قيود على دخول الرجال إلى الأقصى. إلى ذلك، أصدرت سلطات الاحتلال أوامر بتشديد العقوبات على راشقي الحجارة والزجاجات الحارقة إذ سمحت لجنودها بإطلاق الرصاص الحيّ عليهم. كما قررت تشديد عقوبات رمي الحجارة بالسجن أربع سنوات على الأقل مع فرض غرامات مالية.
في خضم تلك التغيّرات، ازداد الخوف بين الناس من قيام الاحتلال ببدء التقسيم المكاني في حال نجح بتثبيت التقسيم الزمانيّ. ما يُذكّر بمجزرة الحرم الإبراهيمي التي نفذها باروخ جولدشتاين بتواطؤ مع الجيش والمستوطنين في يوم الخامس والعشرين من شباط 1994. على إثرها، شكلت إسرائيل لجنة "شمغار"، وأوصت بتقسيم الحرم إلى جزءين تخصّص نسبة 60 في المئة منه لليهود ونسبة 40 للفلسطينيين المسلمين.
وتأجج هذا الخوف لما كشفت صحيفة "هآرتس" عن مخطط إسرائيلي هدفه تنفيذ الفصل في المسجد الأقصى قبل نهاية العام الحالي، من خلال تقسيمه مكانياً بعدما تمكن الاحتلال من تقسيمه زمانياً.
وأفاد المخطط بأن الاحتلال "يجد في ظروف المنطقة فرصة مناسبة لحسم التقسيم المكاني للأقصى وتنفيذ مشروعه الذي شرع به فعلياً، وصولاً إلى الهدف الاستراتيجي المتمثل في السيطرة على كامل المسجد وبناء الهيكل المزعوم مكانه".
بناء عليه، طالب قاضي قضاة فلسطين محمود الهباش الدول العربية والإسلامية بضرورة التحرك لحماية المسجد الأقصى. وأوضح الهباش في حديث مع "السفير" أن إسرائيل استفادت من حالة الانقسام الفلسطيني، كما حالة الإنشغال العربي، في ظل دعم أميركي لا متناهي لإسرائيل.
لكنه حذّر من استمرار إسرائيل في نهجها الذي سيؤدي إلى اندلاع حرب دينية "إذا استمرت في استفزاز مشاعر المسلمين وانتهاك حرمة الأماكن المقدسة. ستندلع حرب دينية حينها، وستتحمل إسرائيل والعالم تبعاتها، لأن هذه الحرب ستدخل كل بيت".
وعلى الرغم مما تشهده فلسطين من أزمات داخلية وعدم اهتمام عربي، إلا أن الهباش رأى أن على إسرائيل الحذر من الشعب الفلسطيني وحده: "فالانتفاضة تأتي فجأة. والانتفاضتان الأولى (الحجارة) والثانية (الأقصى) لم تكونا بحاجة إلى قرار لاندلاعهما".

الدور العربي.. والأردن
لطالما اهتم العرب بالقضية الفلسطينية وأولوا اهتماماً خاصاً للقدس. إذ أنشئت "منظمة التعاون الإسلامي" في العام 1969 من أجل حماية القدس، غير أن انشغال الدول العربية بهمومها يعطي أفضلية للأردن في الدفاع عن القدس، باعتباره الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية وفقاً لاتفاقية وادي عربة (1994) واتفاقية عقدها مع السلطة الفلسطينية للإشراف على المسجد الأقصى.
خلال الاقتحامات المستمرة للأقصى وبدء سياسة التقسيم الزماني، طالبت الأردن بإنهاء هذه السياسة، وحذّرت من مواصلة الاقتحامات. وكان واضحاً أن إسرائيل لم تكترث لذلك، إذ لم يتغير شيء على الأرض. وتعقيباً على ذلك، قال قاضي قضاة فلسطين إن الأردن وفلسطين وحدهما لا يستطيعان مواجهة الخطر الإسرائيلي. لذا، طالب الدول العربية والإسلامية بأن تشارك في حماية المقدسات، على المستويين السياسي والمادي. وفي السياق، اجتمع وزراء دول "منظمة التعاون الإسلامي" بشكل طارئ في الأول من أيلول /سبتمبر الماضي، واتخذوا قراراً حذروا فيه إسرائيل من مغبة الاعتداءات المستمرة على المسجد الأقصى، وأدانوا محاولات إسرائيل فرض ما يسمى بـ "جبل الهيكل" على الحرم الشريف الذي يضم المسجد الأقصى.
كما دعا القرار مجلس الأمن إلى التحرك السريع والفعال لإلزام إسرائيل بإلغاء الإجراءات غير القانونية التي تقوم بها.

السيناريوهات الممكنة
توقّع تقريرٌ صدر عن "مؤسسة القدس الدولية" أن يسيطر الاحتلال على منطقتين، الأولى: الجهة الغربية وهي منطقة باب المغاربة قرب حائط البراق حيث يقيم عنده اليهود طقوسهم التلمودية بذريعة أنه حائط المبكى. أما المنطقة الثانية فتقع في الجهة الشرقية لجهة باب الرحمة التي صادر الاحتلال جزءا منها، وهي منطقة يؤدي اليهود طقوسهم التلمودية فيها وتقع قرب قبة الصخرة. ورأت المؤسسة أن الاحتلال قد يشرع بتقسيم الأقصى بشكل رسمي من خلال قرار يصدر عن الكنيست أو أن يكثف من اقتحاماته للأقصى في محاولة منه لفرض التقسيم وجعله أمراً واقعاً، أو أن تتجدد الهبة الشعبية لنصرة الأقصى. وحينها، ستتعامل إسرائيل مع ظروفها وتداعياتها.
وهناك سيناريو آخر يربك إسرائيل وأجهزتها الأمنية، وقوامه العمليات الفردية التي صارت تبرز كلما تصاعدت وتيرة الانتهاكات الإسرائيلية والمستوطنين سواء في القدس أو في الضفة الغربية. فبعد أكثر من شهر على الانتهاكات المتواصلة بحق الأقصى، عادت العمليات الفردية لتشتعل في الضفة الغربية والقدس. وخلال الأيام الأربعة الأولى من تشرين الأول، قُتل أربعة مستوطنين، اثنان منهم قرب نابلس، والآخران في البلدة القديمة في القدس المحتلة، ناهيك عن زيادة عدد ملقي الحجارة والزجاجات الحارقة على قوات الاحتلال. وتأتي العمليات الفردية مع تراجع دور غالبية الفصائل الفلسطينية التي انتهجت السلمية في مقاومة الاحتلال، وفي ظل غياب عربي فاعل لإنقاذ القدس والاهتمام بالقضية الفلسطينية.
الجدير بالذكر أن العمليات الفردية يعرفها الفلسطيني منذ الانتفاضة الأولى، لكنها عادت بقوة قبل نحو عام عندما زادت تهديدات ودعوات المستوطنين لاقتحام الأقصى. وكانت أبرزها محاولة الشهيد معتز حجازي في نهاية تشرين الأول /أكتوبر 2014 اغتيال الحاخام يهودا جليك، بسبب اعتدائه المستمر على الأقصى.