| 

• المشهد الأول:
يوم الغفران
صادف يوم 23 أيلول /سبتمبر 2015 ما يسمّى يوم "كيبور"، أي يوم الغفران اليهودي. وهو يعدّ، بحسب التقاليد اليهودية، يومًا للتغيير الشخصي أو لتغيير العالم، وهو أيضًا اليوم المتمم لأيام التوبة العشرة بحسب الديانة اليهودية. يُكَرَّس هذا اليوم، الذي تُمنع فيه الحركة بصورة كاملة، للصلاة والعبادة فقط، فتُمنع حركة السيارات وإشعال النار والعمل والكتابة. إلى ذلك، يُعدّ هذا اليوم يوم صيامٍ، ويُمنع فيه الاغتسال وانتعال الأحذية الجلدية، وتُمنع أيضًا ممارسة الجنس في هذا اليوم الخاص.
في هذه المناسبة، ينصاع العلمانيون اليهود بشكلٍ لافت إلى الإجراءات المفروضة، ويتقيدون بعدم الحركة والخروج إلى الشوارع واستخدام مركباتهم، وينشغل الفتيان والصبية بإلقاء الحجارة على السيارات التي تحاول المرور، وخصوصًا في الأحياء والمدن المختلطة.
لاعتبارات الانسجام في الدولة العبرية، قد يُستوعب، وعلى مضض، التزام علمانيي الدولة العبرية بما تفرضه بقوة الجماعات المتدينة، وجبروت النص الديني بحدّ ذاته. أما أن تُغلق الضفة الغربية وقطاع غزة بالكامل بأمرٍ عسكري ويُمنع الفلسطينيون من التنقل والتحرك ويُغلق معبرهم الوحيد إلى العالم (معبر اللنبي - جسر الملك حسين على نهر الأردن) فهو أمر مستغرب ومستهجن. وكأن هذا اليوم فلسطينيّ بامتياز، حيث تتعطل أجزاء كبيرة من مصالح الناس وأعمالهم في الضفة الغربية. ولمزيدٍ من الإيضاح فإن فلسطينيي الضفة الغربية جميعهم، كما هو الوضع في الجليل والمثلث والنقب، لا يستطيعون السفر خارج البلاد بالمطلق خلال هذا اليوم. تُقفل سائر المعابر البرية والجوية، ويحظر عليهم أيضًا التنقل بين المدن والقرى إلا تلك التي لا تقطع أوصالَها المستوطناتُ وهي قليلة جدًا. ومن يحاول التنقل بسيارته خلال هذا اليوم، يتعرض للضرب أو إلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة من قبل المستوطنين والمتدينين اليهود. وقد يتعرض للإيذاء، ولن يجد من ينقله إلى المشافي لحرمة هذا اليوم. ويمرّ المشهد طبيعيًا في الشارع الإسرائيلي، بحيث لا يُعاقب الفاعلون.
ونظرًا إلى الأوضاع المتفاقمة التي تعيشها مدينة القدس منذ أكثر من عام، فقد جرى فرض إغلاق شامل لجميع أحياء المدينة العربية وغير العربية (جرى إغلاق مداخل بعض القرى العربية بمكعبات إسمنتية)، بأمرٍ من شرطة الاحتلال، بحجة عدم المسّ بمشاعر المتدينين اليهود الذين يحيون هذا اليوم على طريقتهم. وبكلّ تأكيد، فإن الحجج الأمنية دائمة الحضور.
يجري التعامل مع يوم الغفران بطريقةٍ خاصة، لكن هذه الإجراءات بمجملها تُطبّق على الأعياد اليهودية الأُخرى. فتُغلق الضفة الغربية وقطاع غزة بالكامل، وتقلّص ساعات العمل على المعابر الحدودية.

• المشهد الثاني
حكومة نتنياهو واليمين تطلق يد الجيش والقضاء
في صيف العام 1985، كنتُ قد بلغت من العمر أربعة عشر ربيعًا. اقتحمت قوة من جيش الاحتلال منزلي في المخيم، وهذا أمر اعتيادي ليس بالنسبة إلي فقط وإنما أيضًا إلى باقي أفراد العائلة. فغالبًا ما يأتي الجيش لاعتقال أحد أشقائي. الأمر غير الاعتيادي في تلك المرة تجسّد في أن أمْر الاعتقال لم يكن بحق شقيقي الأكبر الذي فتح الباب لهم، أو بحق شقيقي الثاني الموجود أصلاً في السجن، أو بحق شقيقي الثالث الموجود خارج البلاد.. لقد أتى أمر الاعتقال بحقي أنا. تفاجأ الكلّ، أمي وشقيقتي وشقيقي الأكبر الذي هيّأ نفسه لاعتقالٍ آخر. أيقظني شقيقي من النوم وقال لي: الجيش يريدك أنت. شعرت بخوفٍ كبير سرعان ما تجلّت ملامحه على وجهي قبل خروجي برفقة الجنود إلى السيارة العسكرية، مقيّد اليدين. ما لبثت أن بوّلت لا إراديًا، ما وضع الجنود الذين يعتقلونني في حالة هرج ومرج، وضِعت بين الغضب الذي أحسّ به وبين المسخرة التي لم أفهمها لأنني لا أجيد لغتهم.
قضت محكمة عسكرية في مدينة نابلس بأن أقضي عقوبة السجن الفعلي مدة شهر، ودفع غرامة مالية قدرها مئة دينار أردني (يعدّ مبلغًا كبيرًا في حينها)، أو السجن شهراً آخر ما لم تُدفع الغرامة. أما التهمة فكانت رشق الحجارة على السيارات العسكرية الإسرائيلية وسيارات المستوطنين. وعندما سمحت إدارة السجن بزيارة الأهل، زارتني أمي، فبكيت طالبًا منها أن تدفع الغرامة.
بعد مضي ثلاثة عقود على اعتقالي الأول، لا تزال أصابع جنود الاحتلال متأهبة للضغط على الزناد لاقتناص راشقي الحجارة، كما حدث مع الشهيد ليث الخالدي قبل شهرين. ولا تزال محاكم الاحتلال، العسكرية منها والمدنية، تنطق بأحكامها الظالمة على الفتية والأطفال بعقوبات السجن والغرامات المالية. أما جديد أيلول /سبتمبر 2015 الفلسطيني فهو قرار الحكومة الإسرائيلية بتوسيع تعليمات إطلاق النار، وتشديد العقوبات على راشقي الحجارة وذويهم، والبحث عن مخارج ومسوّغات قانونية وسياسية لهذه القرارات عديمة الجدوى، إذ إن تنفيذها لن يردع الأطفال المقدسيين وأطفال الضفة الغربية عن الاستمرار في انتفاضتهم. فهل يذكر وزراء حكومة نتنياهو (جزءٌ منهم كان طفلاً حينها) الأمر الذي أصدره إسحق رابين في سنة 1988 عندما كان وزيرًا للدفاع، بكسر أيدي وأرجل راشقي الحجارة في الضفة الغربية وقطاع غزة؟ هل يذكرون شروع وحدات الجيش الإسرائيلي الموجودة في الأراضي المحتلة بتنفيذ هذا القرار؟ والسؤال هنا: هل أوقف هذا القرار انتفاضة الحجارة وقتها أم زادها إرادةً واشتعالاً؟ هل ردعت الأحكام القاسية الفتية راشقي الحجارة عن الاستمرار في احتجاجهم ورفضهم للاحتلال وجبروته؟
أهل القدس المنتفضة يتعرّضون ليلاً ونهاراً، وتحديدًا منذ حرق الطفل محمد أبو خضير أيّ قبل نحو عام، لأبشع الممارسات العنصرية من قبل حكومة الاحتلال وأدواتها المتنوعة (بلدية، شرطة، جيش، مخابرات والمستوطنون طبعًا). ومع ذلك، فإن الأطفال دون الخامسة عشرة لا يزالون أطفالاً ربما يجرؤون على رشق الحجارة على سيارات الشرطة الإسرائيلية ومراكزها والمشاركة في تظاهرات ورشق الحجارة والزجاجات خلالها، لكن أجسامهم وعواطفهم وتركيبهم النفسي لا يزال غضًّا لا يحتمل قسوة السجن وأوضاعه الغريبة عن بيئتهم الطبيعية كأطفال. ثم إن السجون الإسرائيلية هي أمكنة للقهر والتعذيب، ولا تفرّق بين كبير وصغير، طفلٍ ومسنّ.

• استنتاجات من أيلول الفلسطيني
ما دام الحديث يدور عن راشقي الحجارة وعن المحاكم وعن إطلاق يد الجيش على "المشاغبين" راشقي الحجارة، وما دام العدل من صفات الحكم والمحاكم، فهل يتساوى راشقو الحجارة الفلسطينيون الذين يسعون إلى نيل حريتهم وحرية شعبهم وإلى الخلاص من الاحتلال وإرثه الثقيل، مع ما يسمى بـ "شبيبة التلال" من المستوطنين وأبنائهم الذين يرشقون العرب بالحجارة والزجاجات في القدس، ومفارق الطرق في الضفة الغربية؟ هل يجري الحكم عليهم بالأحكام نفسها التي تفرض على شبيبة الانتفاضة الفلسطينيين؟ الجواب: لا. فحكومة المستوطنين الإسرائيلية تغطي وتشرّع أعمال هؤلاء الصبية. ولإثبات ذلك، لا بدّ من طرح سؤال عمّا حلّ بقتلة عائلة الدوابشة. هل جرى اعتقالهم؟ هل مثلوا أمام المحاكم الإسرائيلية بتهمة القتل العمد لعائلة كاملة؟
كما لليهود أعيادهم وأيامهم المقدسة، كيوم الغفران، فللمسلمين والمسيحيين في هذه البلاد أيامهم المقدسة، من أعياد الأضحى والفطر والفصح وشهر رمضان، إلى عيد المولد النبوي وعيد الميلاد. هل يُفرض على المستوطنين احترام حقوق مناسبات غيرهم الدينية؟ وهل يُسمح للمسلمين والمسيحيين بالتوجه إلى المدينة المقدسة للصلوات ولإحياء مناسباتهم الدينية؟
إنها حقًا مفارقات يجدر التوقف أمامها.