| 

كادر من الفنانين المسرحيّين الشباب يقرّر تأسيس مسرح جديد في حيفا، عماده التجريب والبحث والعمل الجماعيّ. تجربة مميّزة يجب أن تثبت نفسها وسط معطيات غير سهلة أبداً.

الصحافة، والرغبات المستقلة
أثار المؤتمر الصحافيّ الذي عقده "أنسمبل خشبة" يوم 27 أيلول المنصرم، أفكارًا عديدة كان أبرزها لديّ السؤال الكبير والهامّ حول غياب الصحافة الثقافيّة في المشهد الفلسطينيّ عمومًا. إذ يخال المرء أنّ افتتاح مسرح سيجذب الصحافيّين ووسائل الإعلام للحضور؛ فهناك عناصر شتى يمكن أن تثير الفضول والرغبة: ضيافة ومشروب، طاقات جديدة، حوارات ومقابلات. لكنّ الصحافة لم تأتِ بجحافلها، على الرغم من تأكيد الكثيرين حضورهم /ن. فهل يمكن تأسيس حركة مسرحيّة أو ثقافيّة أياً كانت، من دون صحافة ونقد؟
هذا ما ستحاول مبادرة "خشبة" فحصه والعمل في ضمنه. ومن ضمن المعطيات الأخرى غير المشجّعة لهذه التجربة الفتيّة، غياب الجمهور بالأعداد التي تكفي لتأسيس "حركة"، وإعادة دور المسرح كحالة فكريّة وتجريبيّة تكون جزءًا من الثراء الثقافيّ والعمل الإنتاجي في أيّ بلد. المسرح حاضنة للتجريب والتصويب والخطأ والصواب. وكونه كذلك، فإنّه ما يزال يشكّل حلقة أساسيّة ولازمة في مسيرة التطوير الثقافيّ في أيّ مكان وزمان. وهذا ما يريده أعضاء أنسمبل "خشبة"، بالاستناد إلى ما تحدّثوا عنه في المؤتمر الصحافيّ. فالممثل هنري أندراوس استعرض تطوّر الفكرة ولمّ الشمل بين الأعضاء المؤسّسين، ثم تحدّث أيضًا عن التساؤل الخاصّ بقدرة الناس على احتمال التجريب في عصر السرعة. ومن جهته، قال المخرج بشار مرقص إنّ تأسيس بيت فعليّ للمجموعة في مبنى المسرح الجديد هو أمرٌ في غاية الأهميّة، إذ إنّ توفير هذا الإطار يعفي المجموعات المسرحيّة الضيفة من نسبة تقارب الستين في المئة من تكاليف الإنتاج المسرحيّة. وتحدّث أيضًا عن السعي الدائم لخلق التوازن بين "رغبتنا بالعمل ورغبات الجمهور".
وقالت الممثلة والمصوّرة خلود باسل طنّوس إنّ تخطيط الإستراتيجيّة الفنيّة يستند إلى "القلب والروح"، لا إلى النقود، رغم وعيها التامّ لضرورة تجنيد الأموال. وتطرّقت إلى معضلة أنّ "ثقافتنا كلّ الوقت تابعة لمؤسّسات أكبر منّا، وليس هناك تفكير مستقلّ يتعلق بسؤال الإرادة". ويلائم هذا الحديث توجّه "خشبة" إلى العمل المشترك مع مجموعات وأفراد من المجال المسرحيّ وغيره، ورغبتهم باستضافة إنتاج أعمال مسرحيّة في "البيت" الذي أسّسوه، مجّانًا، ومن دون التزام من الفرق الضيفة.

"بيت / مختبر"
يمكن تلخيص التوجّه المسرحيّ لأنسمبل "خشبة" بالتالي: موسم سنويّ يتمّ تحت غطاء ثيمة (موضوعة) متغيّرة، وعنوان الثيمة للموسم الأول الحالي الذي افتُتح في 1 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري هو "حيفا". وقد جاء العمل الأول، "ست بالأفّة"، ليفتتح موسم حيفا، وهي مسرحيّة بطلتها شادن قنبورة (بمشاركة خلود طنّوس)، أشبه بمونولوج طويل لشادن تروي فيه قصّتها الشخصيّة (في حيفا) التي تختلط بقصّة عائلتها المهجّرة من قرية البصّة. تقول شادن: "لقد انطلقنا من الذاكرة، من هويّتي، وبالأمور التي مررتُ بها وعشتها وكيف أثّرت عليّ. هذه ذاكرة بجانب ذاكرة، هي ليست لي مباشرة: هذه ذاكرة جدّتي وعائلتي وأنا نسجتها مع ذاكرتي، ولم أعد أفرّق بين الاثنتيْن".
في المادة الإعلانيّة التي أصدرتها المجموعة، جاء تعريف أهداف ومبادئ "خشبة" كالتالي: "يهدف مسرح خشبة (...) إلى أن يتحوّل إلى بيت/ مختبر للفنانين الفلسطينيين، بحيث يصبح مساحة للتجريب والخلق والبحث، ولعرض أعمالهم بحريّة، ساعياً بهذا إلى تشكيل حركة فنية جديدة تتحدّى التقاليد السائدة وتعزز إدماج المجتمع المحليّ فيها، وتسهم في الحفاظ على مركبات الهوية الفلسطينية كاللغة والمكان والثقافة، من خلال إنتاجاته وعروضه وورش عمله. سيكون مسرح خشبة بيتاً يطور فيه الفنانون الفلسطينيون أشكالا وأساليب جديدة ومغايرة في المسرح والفنون؛ لتنتج من ذلك ولادة أيديولوجيا فنية حديثة، تعتمد على التعاون والتجريب والدعم المشترك".
في المؤتمر الصحافيّ، تساءلنا عن التوتر الذي قد يحضر في سعي المبادرين لأن يكونوا مسرحًا رائجًا وبين كون المسرح "جانرًا" نخبويًّا غير شعبيّ. مرقص يشرح: "نسعى لبناء علاقة شخصيّة مع الناس وأن يتحوّل المسرح إلى جزء من حيواتهم. نحن لا نعمل من أجل 200 مثقف في حيفا. نحن نؤمن بأنّ للمسرح تأثيرًا على المجتمع ولو على المدى البعيد. لقد شهدنا منذ اللحظة الأولى التفافًا كبيرًا ممّن آمنوا ودعموا المشروع. نعم، لدينا فنتازيا بأن تتنافس الناس على حجز التذاكر". أمّا بخصوص التوتر الذي قد يكون بين أعضاء المجموعة كأفراد منتجين مع أنَوات كبيرة، وعملهم كمجموعة واحدة، فيعترف جميع أعضاء المجموعة بأنّ هذا التوتر قائم وبأنّ التوتر والزعل والخناقات هي جزء من العمل الدائم. ولكنهم يقولون إنّ ما يميّز هذه المجموعة هو كون كلّ فرد منها يعمل أيضًا مستقلا في أعمال ليست تابعة للمسرح الجديد. يقول مرقص: "اكتشفنا تدريجيًّا أنّ كلّ واحد منّا كان يبدأ العمل في مشروع جديد كان يبدأ بجلب سائر أعضاء المجموعة إلى هذا العمل".

العمل الأول
لم يكن العمل الأوّل "ستّ بالأفّة - عشاء مسرحيّ" متكاملًا، لكنّه عمل جدير بالتأمّل والتفكير، وهذه نتيجة ممتازة لكلّ فعل إبداعيّ. ما يمكن أن يُؤخذ على هذا العمل النص المونوتونيك (الرّتيب) الذي يفتقد في معظم أجزائه التصاعد الدراميّ، وهذا أمر بالغ الأهميّة في مسرحية مبنيّة على مونولوغات طويلة لشخصيّة واحدة. أمّا ما يُحسب له فهو الأداء الممتاز لشادن قنبورة كممثلة، والقرارات الفنيّة التي اتخذها المخرج في تصميم الفضاء المسرحيّ وافتتاحيّة المسرحيّة التي كان فيها من السحر الكثير. أمّا الدور "الصغير" الذي أدّته خلود طنوس فكان جميلًا، وكان حضورها مُبهجًا ومسهمًا لأبعد حدّ في الحالة المسرحيّة. يذكر أن المسرحيّة تستند إلى الذاكرة الشفويّة للسيدة كاملة خياط قنبورة، وعن قصص من حياة الممثلتيْن.
• ستّ بالأفّة. درامتورجيا وإخراج: بشار مرقص. باشتراك: شادن قنبورة وخلود طنوس. سينوغرافيا: مجدلة خوري. كولاج موسيقيّ: وديع شحبرات. تصميم إضاءة: فراس طرابشة. إنتاج: مسرح "خشبة".

حيفا: الموسم والمكان
يدخل طاقم المسرح والفنانون الأصدقاء إلى مختبرٍ يسأل سؤالا بحثيًا واحدًا ويخرجون بأعمال جديدة. انطلاقًا من تلاصق هويتنا بالمكان، وتلاحم العمل الثقافي معه ومع المجتمع الذي يسكنه، اختار المسرح أن تكون مدينة حيفا عنوان الموسم العريض، على أن يعيد البحث فيها وفي ذاكرتها وتاريخها وقصصها شيئًا من اعتبارها ومركزيتها الفلسطينية التي تواجه التهديد باستمرار. خرج المسرح لهذا الموسم بعملين مسرحيين: "ست بالأفّة" و "سنة الثلجة"، ومعرض فني صديق للفنان الضيف هيثم حداد.
إلى جانب هذه الإنتاجات، يعمل المسرح على التبادل الفني مع فرق صديقة، ستدخل بيته لتخرج بإنتاجات جديدة. كما يستضيف موسمه عروضًا في مجالات فنية مختلفة، بالإضافة إلى ورش عمل منتقاة من حقول فنية متنوعة، تطمع في إدماج المجتمع المحيط وكشفه على الفنون المختلفة. وبهذا، يؤمن المسرح بأنه من خلال نموذج العمل هذا وتكثيف العروض في موسم، سيسهم في تحويل الإنتاج الفني الفردي والتلقائي إلى حراك جماعي مدروس له تأثير أكبر على المجتمع.
(من المادة الدعائيّة للمسرح)