| 

استيقظ الشاب شوكت ريان من نومه صباحاً، وفتح الصنبور ليغسل وجهه، فلم تنزل منه ولو قطرة واحدة من الماء. هذا المشهد المتكرّر جعل آلاف الفلسطينيين القاطنين في بلدة قراوة بني حسان في غرب سلفيت، يفتقدون قطرة ماء تطفئ عطشهم. يقول ريان لـ "السفير": "تفاجأنا في الأيام الأولى من شهر أغسطس / آب من هذا العام بانقطاع المياه عن كل البيوت والأحياء، رغم ارتباط بلدتنا بشبكة المياه الاسرائيلية. ما يعني أنه يفترض بانقطاع المياه أن يكون نادر الحدوث، ما ألحق أفدح الضرر بنحو ستة آلاف فلسطينيٍ من سكان بلدة قراوة بني حسان".

الاحتلال يتحكّم بعدد الأكواب
يشرح أهل المنطقة أن انقطاع المياه جاء من دون سابق إنذارٍ، واستمر لأسبوعين. توجّهوا إلى صمّام شبكة المياه لمعالجة الخلل، لكن قوات الاحتلال كانت بانتظارهم ومنعت طواقم البلدية من فتح الصمام وضخ المياه. يشرح ريان أن قطع المياه، إلى ضرره المباشرة على المستهلكين، عطّل أيضا مئات المنشآت في البلدة التي تعتمد على التجارة اعتمادا رئيسيا. فبلدة قراوة بني حسان تضم 300 منشأة صناعية وتجارية، تتنوع ما بين وُرش حدادةٍ ومناجرٍ، بالإضافة إلى مصانع الحجر والرخام ومشاغل الألمنيوم. ويشير ريان إلى أن معظم المنشآت الصناعية تعطّلت لأيامٍ طويلة نظراً لاعتماد عملياتها التشغيلية على المياه اعتمادا أساسيا.
رئيس بلدية قراوة بني حسان عزيز عاصي شرح لـ "السفير" الأسباب التي تقف خلف انقطاع المياه عن المناطق الفلسطينية الواقعة في المنطقة الغربية من محافظة سلفيت، في وسط الضفة: الاحتلال الاسرائيلي يخصّص منذ تأسيس السلطة الفلسطينية حصة مائية لثلاثة تجمعات فلسطينية متجاورة هي قراوة بني حسان، وسرطة، وبديا. ويبلغ مجموع الحصة 160 كوباً في كلّ ساعة. إلا أن الاحتلال، بحسب عاصي، "قلّص الحصة المائية فجأة لتصبح 100 كوب في الساعة من دون سابق إنذار، ومن دون تقديم الأسباب الحقيقية خلف ذلك". ولفت إلى أن الاحتلال رفض الإفصاح عن الأسباب في بداية تواصله مع السلطة الفلسطينية حول المسألة، لكنه في النهاية تذرّع بأن "حصة التجمعات الفلسطينية الثلاثة كانت أكبر مما تستحقه، فتم اقتطاع 60 كوباً منها".
في المقابل، يبدي رئيس البلدية عزيز عاصي استهجانه الشديد لادعاءات الاحتلال "الباطلة"، مؤكداً أن حصة المياه الأصلية لم تكن كافية أساساً لأنها لا تراعي الزيادة الطبيعية لعدد السكان. كما يوضح أن الحصة الأصلية البالغ حجمها 160 كوباً أتت بناء على ما نص عليه اتفاق أوسلو المبرم بين السلطة الفلسطينية والاحتلال في العام 1994. لكن الاحتلال لم يلتزم بها: "إذا كانت الحصة الأصلية غير كافية ولا تلبي متطلبات الفلسطينيين من المياه غرب سلفيت، فيمكن للمرء تخيّل حجم المعاناة بعد التقليص"، يقول عاصي.

مستوطنات مرتوية
يستهل الصحافي معين ريان حديثة بتأكيد ما كان يفترض أنه بديهي وهو أن "المياه شريان الحياة، وحصول كلّ إنسان عليها هو حقٌ أساسي كفلته كل المواثيق والقوانين والأعراف الدولية". ويقارب مسألة ازدواجية المعايير والممارسات العنصرية الإسرائيلية عبر ملاحظة بسيطة: "إذا نظرت إلى البيوت الفلسطينية في أيّ مدينةٍ أو قريةٍ أو مخيم، فستجد خزان مياهٍ كبيرا يعلو سطح البيت خوفاً من انقطاع المياه، بعكس المستوطنات الإسرائيلية حيث لن تجد أيّ بيتٍ يحمل خزان مياه، لأن المياه لا يُمكن أن تنقطع ولو لدقيقة واحدة عن المستوطنين الإسرائيليين". ويؤكد ريان أن حصة المياه التي قلّصها الاحتلال من القرى الفلسطينية في غرب سلفيت ستكون بلا شك من نصيب المستوطنات الاسرائيلية الخمس المجاورة، وهي: رفافا، وياكير، وكريات نيتافيم، ونوفيم، وبركان.
ويشرح الصحافي ريان أن "الخزانات البلاستيكية لا تحلّ أزمة المياه في التجمعات السكانية الفلسطينية إذا ما استمر انقطاعها لأكثر من أربعة أيام، ما جعل أهالي بلدة قراوة بني حسان يبحثون عن حلٍ بديل يتمثّل بالعودة إلى الطرق التقليدية الشاقة عبر تعبئة المياه في غالونات بلاستيكية من ينابيع المياه الطبيعية في الجبال والمناطق النائية إلى البيوت، أو عن طريق بعض آبار جمع مياه الأمطار الموجودة داخل البيوت القديمة. ثم جاءت خطوة تعبئة الخزان الرئيسي للبلدة بالمياه عبر صهاريج من تجمعاتٍ فلسطينية مجاورة لم تنقطع عنها المياه. وكان جلّ هذه الحلول مؤقتاً يفي بالغرض لأيامٍ قليلة فقط". أما أحياء البلدة التي تقع في المناطق المرتفعة فقد استغرق وصول المياه إليها وقتاً أكثر من المناطق المنخفضة حتى خلال فترات إعادة ضخ المياه من الصمام الرئيسي الذي يتحكم الاحتلال به.
تضمّ مستوطنة "بركان" الجاثمة على صدر أراضي المواطنين في غرب سلفيت، أكبر منطقة صناعيةٍ إسرائيلية في الضفة الغربية، حيث تقدّر مساحتها بتسعمئة دونم. وهي تحوي أكثر من ثمانين مشغلاً ومنشأة صناعية مختلفة الأغراض والمنتجات، تعتمد نسبة كبيرة منها على استهلاك المياه الكبير في صناعاتها. ما يرشحها لنيل المياه على حساب حصص الفلسطينيين الحيوية، من حين إلى آخر.
إن السيطرة على مصادر المياه والتحكم بها يعدّان من الأهداف الأساسية التي حققتها سلطات الاحتلال منذ سيطرتها على بقية الأراضي الفلسطينية في العام 1967. ويذكّر الباحث في شؤون الاستيطان خالد معالي بأن السلطات الاسرائيلية قد سبق لها أن أصدرت عدداً من القرارات الهادفة للاستيلاء على المياه الفلسطينية، من أشهرها: الأمر العسكري رقم 92 الذي نقل السلطة على المياه للقائد العسكري الإسرائيلي للمنطقة، والأمر العسكري رقم 158 الذي يمنع البناء غير المرخص للبنى التحتية للمياه. ويشرح معالي أن "الأمر الثاني منع حفر آبارٍ ارتوازية أو تصريف الينابيع أو مدّ خطوط الأنابيب وحفر آبار جمع مياه الأمطار أو صيانة الآبار"، موضحاً أن كلّ هذه التعقيدات والقرارات أرغمت الغالبية العظمى من الفلسطينيين على شراء المياه من شركة "ميكيروت" الإسرائيلية.
يستهلك المستوطن الإسرائيلي في الضفّة الغربية، بحسب معالي، تسعة أضعاف ما يستهلكه المواطن الفلسطيني من المياه. وللدلالة على ذلك، يشير معالي إلى تقريرٍ نشره موقع "واللا" العبري في بداية شهر يونيو / حزيران المنصرم، ورد فيه أن المستوطن يستهلك ثلاثمئة ليتر من المياه يومياً، أما الفلسطينيّ فيستهلك ما بين بين 37 و63 ليتراً في اليوم. إلى ذلك، فإن عدداً من التجمعات الفلسطينية يفتقد شبكة المياه، بعكس المستوطنات التي تتصل جميعها بالشبكة. ويؤكد معالي أن "منظمة الصحة العالمية" قد أوصت بأن يكون الحدّ الأدنى لاستهلاك الفلسطيني للمياه 100 ليتر يومياً.