| 

تتنافس الجهات التي تنتهك حريات الإعلاميين ووسائل الإعلام المحلية في فلسطين، وتأتي في مقدمتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتليها في الرقابة أجهزة الأمن الفلسطينية في الضفّة الغربية وسلطة "حماس" في قطاع غزّة. شهد عام 2015 ارتفاعا غير مسبوق في حجم الاعتداءات على الصحافيين. ففي أيلول الماضي، وجهت منظمة "مراسلون بلا حدود" رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي تطالبه بفتح تحقيقات تضع حدّاً للانتهاكات المرتكبة ضد حرية الإعلام، ردّاً على مهاجمة الشرطة الإسرائيلية لعشرات الصحافيين في أثناء تغطية الاشتباكات التي شهدتها ساحة الأقصى. وتعرّض مصورا "وكالة فرانس برس" لاعتداء وحشي من قبل الجنود الإسرائيليين في حادثة أخرى في الضفة الغربية.
وثّق "المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية - مدى" في حزيران الماضي وحده، 48 حالة اعتداءٍ وانتهاكٍ ضد الحريات الإعلامية في الضفّة الغربية وقطاع غزّة. وبحسب "مدى"، مارست السلطة الفلسطينية 27 انتهاكاً، بينما ارتكبت سلطات الاحتلال الإسرائيلي 21 انتهاكاً.
الجدير بالذكر هنا أن الأراضي الفلسطينية احتلت المرتبة الثانية، بعد سوريا، كأكثر المناطق "فتكاً" بالصحافيين، بحسب التقرير السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود" الصادر في العام 2014. وكان ذلك معبّراً بشكل خاص خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع، الذي أودى بحياة تسعة صحافيين وعاملين في الإعلام، بحسب تقرير "مراسلين بلا حدود" و"لجنة حماية الصحافيين". ويرتفع الرقم ليصبح 17 صحافياً شهيداً، بحسب مصادر فلسطينية مختلفة منها نقابة الصحافيين الفلسطينيين.
كما دمّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي مقار 19 مؤسسة إعلامية في قطاع غزة، بحسب "الهيئة المستقلة لحقوق المواطن"، فضلاً عن عمليات التشويش واختراق البث التي تعرّضت لها ثماني مؤسسات إعلامية. وأفاد تقريرٌ صادرٌ عن "التجمّع الإعلاميّ الشبابيّ الفلسطينيّ"، بأن الطائرات الإسرائيلية استهدفت منازل عشرات الصحافيين في قطاع غزّة، ما أدّى إلى تدميرحوالي 42 منزلاً تدميراً كاملاً، وأسفر عن نزوح 140 أسرة من أسر الصحافيين، علماً أن منظمة "مراسلون بلا حدود" تصنف الجيش الإسرائيلي ضمن قائمة "صيادي حرية الإعلام"، منذ العام 2013.

الانتهاكات الموثّقة
اعتبر معظم تقارير منظمات حقوق الإنسان سنة 2014 سنةً دموية بالنسبة للصحافيين عالميّاً، حيث سجّلت حرية الصحافة "تراجعاً حادّاً" على المستوى العالمي. ويوضح تقرير "مراسلون بلا حدود" أن الحصيلة العالمية السنوية للانتهاكات (3719 انتهاكاً في 180 بلداً) تظهر تحوّلاً في أشكال العنف الممارس ضد الإعلاميين، حيث أصبحت الانتهاكات "أشدّ وحشية". وفي تقريرها السنوي للعام 2014 حول حقوق المواطن في فلسطين، عبّرت "الهيئة المستقلة لحقوق المواطن" عن قلقها من استمرار معدّلات انتهاك الحقوق الأساسية للمواطن الفلسطينيّ، بما فيها السلامة الجسدية، حرية الرأي، والحريات الصحافية. وبحسب "مدى"، بلغ إجماليّ عدد الانتهاكات بحق الصحافيين الفلسطينيين في الضفّة الغربية وقطاع غزّة 465 انتهاكاً، ارتكبت سلطات الاحتلال الاسرائيليّ 351 انتهاكاً منها، فيما ارتكبت السلطة الفلسطينية و "حماس" 114 انتهاكاً.
عند النظر إلى نوعية الانتهاكات المرتكبة، تلاحظ زيادة في الاعتداءات المباشرة، كالاعتداءات الجسدية (115 حالة اعتداء)، الاعتقال التعسّفي، الاستدعاء للتحقيق، التهديدات، ومنع الصحافيين من التغطية، (رصدت 67 حالة منع تغطية). إلى ذلك، تضاف انتهاكات من نوع مصادرة المعدّات ومنع البثّ، مثلما كانت الحال مع حظر السلطات الاسرائيلية بث قناة "فلسطين 48" الفضائية المخصصة لفلسطينيي 48 بشكل خاص، في حزيران الماضي. كذلك، نذكر مداهمة مقر "بال ميديا" في القدس الشرقية في حزيران 2014 لوقف بث برنامج "صباح الخير يا قدس" على "تلفزيون فلسطين" بشكل مباشر (يبث أيام الجمعة). وقد اعتقلت سلطات الاحتلال 42 صحافياً وإعلامياً في الضفّة الغربية، كما خضع صحافيّ يعمل في "قناة الأقصى" (فضائية تابعة لـ "حماس") لمحاكمة عسكرية. وتعرّض 31 إعلامياً للاستدعاء والتحقيق، من قبل الأجهزة الأمنية في الضفّة والقطاع. وتم حجز 17 فلسطينياً واعتقالهم من قبل الاحتلال، بسبب تعليقات وكتابات على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" بذريعة المسّ بـ "أمن الدولة"، بحسب "مدى".

وجوه الرقابة المتعدّدة
ترتبط الرقابة مباشرة بمستوى حريّة الصحافة. ويعتمد "التقرير السنوي لقياس حرية الصحافة في العالم" الذي تصدره منظمة "مراسلون بلا حدود" على قياس مستوى الرقابة بشكلٍ عام، والرقابة الذاتية في كلّ بلد وقدرة وسائل الإعلام على التحقيق والانتقاد فيها من خلال رصد الانتهاكات ونتائج استبيان موجه إلى المنظمات الإعلامية الشريكة. ويقيّم الاستبيان عناصر ذات دلالة وأهمية، مثل: الضغوط المالية، الإطار القانونيّ لكلّ من وسائل الإعلام والصحافيين، ومستوى استقلال وسائل الإعلام العامة. وكانت فلسطين قد حلّت في المرتبة 138 في العام 2014، بحسب تقرير المنظمة ذاتها.
بالإضافة إلى الانتهاكات والرقابة، يواجه الصحافيون الفلسطينيون، وخصوصاً العاملين في الإعلام المحلي، صعوباتٍ يوميّة متنوّعة، تؤثّر على أدائهم المهنيّ. من هذه الصعوبات، نذكر تدنّي الرواتب، وغياب الفوائد المهنية مثل التأمين الصحّي والمعاشات التقاعدية، وعدم وجود حماية قانونية كافية توفّرها هيئات مستقلة وقوانين، بالإضافة إلى القيود الإدارية مثل البيروقراطية المفرطة في وسائل الإعلام الرسمية، والقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيليّ والتي لا تميز الصحافيين الفلسطينيين عن بقيّة الشعب. كما لا تعترف إسرائيل ببطاقة الصحافة الفلسطينية، ما يشكّل صعوبةً بالغة في التحرّك بحريّة بين مدن الضفّة الغربية، عبر الحواجز العسكرية الإسرائيلية. في المقابل، يمكن للصحافيين الإسرائيليين التنقّل بحريّة في الضفّة الغربية من دون إجراءات إدارية.
وفقاً للوضع السياسيّ الداخليّ:
حرب الانقسام، مثلاً
منذ توقيع اتفاقات أوسلو في العام 1994، عزّزت السلطة الفلسطينية تعدديّة إعلامية تعكس درجةً من التسامح في التعبير عن الرأي، وكثر عدد الوسائل الإعلامية المحلية، ما لم يكن ممكناً تحت سيطرة الحكم العسكريّ الإسرائيليّ. إذ يحدّد مسح مركز الإحصاء للعام 2010، عدد المحطات الإذاعية والتلفزيونية بـ 45 محطة في الضفّة الغربية، مقابل 11 محطة في قطاع غزّة لم تتوفر معلوماتٍ عنها. أما بخصوص نوع المحطة فقد أظهرت النتائج بأن هناك 25 محطة إذاعية و17 محطة تلفزيونية عاملة في الضفة الغربية، وأن هناك 3 محطات إذاعية وتلفزيونية معاً. كما أن نسبة 95.6 في المئة من هذه المحطات تقوم بإنتاج برامج مشتركة مع جهاتٍ أخرى.
ولكن هذه التعددية لم تلغ الرقابة التي تفاوتت درجاتها وفقاً للوضع السياسيّ الداخليّ، إن تلك التي مارستها دولة الاحتلال، أو أجهزة الأمن الفلسطينية، أو "حماس". وقد بدا ذلك واضحاً من خلال تصاعد وتيرة الانتهاكات بحق الصحافيين الفلسطينيين خصوصاً خلال الانقسام بين "فتح" و "حماس" في العام 2007 وأثره، وقد خلّفت أثراً ملموساً على الأداء الإعلاميّ المحليّ. فيصف الزميل وليد العمري، في كتابه "الصحافة الفلسطينية... ثلاث مطارق وسندان"، الاستقطاب بين وسائل الإعلام المحلية، ودورها في تعزيز حدّة الانقسام التي تحولت الى ساحة حربٍ كلامية بين السياسيين والإعلاميين، من كلا الطرفين. كذلك، في بحثه عن استقلالية الصحافة الفلسطينية، أوضح الباحث أمل جمال (2000) أن الرقابة في السياق الفلسطينيّ هي "مجموعة من الأنماط السلوكية". فلا توجد قائمة واضحة من الموضوعات أو الشخصيات الممنوع انتقادها. وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تتغير الموضوعات و/أو الشخصيات الممنوع/المسموح نقاشها، بحسب الوضع السياسي. ما يترك الصحافيين للرقابة الذاتية، وهي أشدّ أنواع الرقابة مسّاً بحرية التعبير والنقد، وبالدور الافتراضي للإعلاميين.
قبل انتخابات المجلس التشريعي في العام 2006، أصدر الرئيس الفلسطينيّ محمود عباس مرسوماً يضع "هيئة الإذاعة والتلفزيون" تحت سيطرة الرئاسة بدلاً من وزارة الإعلام. ويجادل بعض الكتاب والباحثين هنا، مثل محمد دراغمة، بأن هذا القرار كان له أثر كبير في الأداء الإعلاميّ للهيئة خلال الانقسام، بحيث "تدخّلت الأمانة العامة للرئاسة في أدقّ التفاصيل، ابتداء من الأخبار التي يبثها التلفزيون والإذاعة، ومروراً بالإجراءات بحق مخالفي السياسة بالتعيينات والترقيات، التي وصلت في إحدى المرات إلى سجن أحد الموظفين لأنه خرج عن سياسة الهيئة بعدما وشى به أحد زملائه". وعملت "حماس" أيضاً على تغذية إعلامها واستقطابه ليتناسب مع خطابها، تحت شعار "المصلحة الوطنية الفلسطينية".
وقد ساعدت ضبابية القوانين الإعلامية الضالعة بممارسة الرقابة في تعقيد الأمور. فمثلاً، يكفل قانون المطبوعات والنشر (1995) حرية الرأي لكلّ فلسطينيّ/ة، قولاً وكتابةً. إلا أن هناك مواد تقيد حرية الصحافة، كما يحتوي القانون في مواده على كلمات ومصطلحات غير واضحة، وقابلة للتأويل والتلاعب. مثلاً، في المادة السابعة، يحظر القانون "المواد التي تتعارض مع مبادئ الحرية والمسؤولية الوطنية وحقوق الإنسان واحترام الحقيقة" (المادة 19.1999 ). وفي المادة 19، ترى القانون يشترط على المواد الإعلامية أن تحترم "المسؤوليات الوطنية".

ازدياد الانتهاكات الفلسطينيّة
شهدت الانتهاكات التي ارتكبتها جهات فلسطينية ارتفاعاً ملحوظاً، من 78 انتهاكاً مسجلاً في العام 2013 إلى 114 انتهاكاً في العام 2014، أيّ بزيادةٍ نسبتها 46 في المئة. وصنّفت أنماط الانتهاك الأعلى عدداً، كالاحتجاز القسري والاستدعاء وممارسة التعذيب وسوء المعاملة من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية، على خلفية التحريض أو "القدح" أو المساس بشخصيات رسمية أو "مقامات عليا". في المقابل، سجلت في الضفة الغربية أول حالة منعٍ من السفر لصحافي ومدوّن فلسطينيّ. ووثّقت الهيئة المستقلة لحقوق المواطن 278 ادِّعاء تعذيب في أثناء الاعتقال وسوء المعاملة، في الضفة الغربية، تضاف إلى 996 حالة شبيهة في قطاع غزّة خلال العام الماضي. وشملت الإفادات التي تلقتها الهيئة صوراً تكرّرت في أنماط التعذيب، كالشبح، الضرب على مختلف أنحاء الجسم، الحرمان من النوم، اللكم، التعذيب النفسيّ، والتهديد.
في هذا السياق، أشارت دراسة أعدّتها منظمة "اليونسكو" حول الإعلام في فلسطين إلى أن عدد الانتهاكات التي تتعرض لها حرية التعبير في فلسطين "يشير إلى مستوى ملحوظ من عدم احترام مبادئ حرية التعبير المكفولة في القانون الأساسيّ الفلسطينيّ وقانون المطبوعات والنشر، وعلى رأسها احترام استقلالية القرار التحريريّ". من الجدير بالذكر هنا أن القانون الأساسيّ الفلسطينيّ ينصّ في المادتين رقم 11 و12 على عدم جواز القبض على شخصٍ، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد، إلا بأمرٍ قضائيّ، ووفقاً لأحكام القانون، مع وجوب تبليغه بالأسباب الجوهرية لاعتقاله لحظة القيام بذلك. ما لا تلتزم به الأجهزة الأمنية، بحسب مؤسسات حقوقية عديدة.
إن استمرارالانتهاكات بحق حرية الصحافة في فلسطين يشكّل أحد المؤشرات الهامة التي تدل على تدهور منظومة الحقوق والحريات العامة المكفولة في القانون الأساسيّ الفلسطينيّ. كما أنها تخالف اتفاقيات حقوق الإنسان التي وقعتها فلسطين مؤخراً، والتي تعتبر من أهم الإنجازات التي سجّلت للسلطة الفلسطينية، وكان من أبرزها العهدان الدوليان للحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز العنصريّ، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل، والاتفاقية الدولية الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، وغيرها الكثير.