| 

"كما كنت لتفعل كي تمنع اليهودي من الاقتراب من أختك، نحن نفعل الآن... إحذر الاقتراب من فتاةٍ يهوديّة، ستعرّض نفسك للأذى... إذهب إلى قريتك، وجد لنفسك واحدة هناك.. قبل اسبوع، تخيل عربيّ أن بإمكانه الحصول على فتاة يهودية وتعرّض للأذى... نحن لا نريد لك ذلك".
هذه العبارات حضرت على منشورات وزعها باللغتين العربية والعبرية في الجامعات والكليات الإسرائيلية نشطاء منظمة يهودية تدعى "لاهافا"، أي "الشعلة". واسمها اختصارٌ لعبارة "منع الاندماج في الأراضي المقدسة"، والمقصود هنا الاندماج العرقيّ من خلال منع الزواج، المصادقة، والمعاشرة بين شبّان فلسطينيين وفتيات يهوديّات.
إلى المنشورات، ثبّت ناشطو المنظمة اليهوديّة لافتات في الجامعات والكليات، تدعو اليهود إلى التبليغ عن العلاقات بين شبابٍ عرب وفتيات يهوديات، عبر خطّ ساخن خصّص لهذا الغرض. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ قام اعضاء المنظمة بطرد الطلاب العرب من مساكنهم، والاعتداء عليهم بالزجاجات الحارقة، ومطالبة اليهود بعدم تأجيرهم بيوتاً أو التعامل معهم.

ما هي "لاهافا"؟
يتزعم منظمة "لاهافا" المتطرّف بنيتسي غوفشتاين، الذي كان في السابق عضواً في منظمة "كاخ" المتطرّفة، التي أسّسها الحاخام الصهيوني مئير كاهانا. وكانت "كاخ" قد نفذت عدداً من المذابح بحق الفلسطينيين، لعلّ أشهرها مذبحة الحرم الإبراهيمي التي راح ضحيتها حوالي خمسين مصلياً. "كاخ" هي كلمة عبرية تعني "هكذا"، وقد صاغت شعارها على النحو التالي: "يد تمسك بالتوراة وأخرى بالسيف"، بمعنى أن السبيل الوحيد لتحقيق الآمال الصهيونية هو تلاقي التوراة والسيف، في المعادلة المكررة التي تبيح العنف المسلح بديباجات دينية تبرره. في العام 1992، اعتقلت السلطات الإسرائيلية غوفشتاين بتهمة قتل شابّين فلسطينيين انتقاماً لاغتيال كاهانا في الولايات المتحدة الأميركية على يد مواطنٍ مصري. ولكن، أطلق سراحه سريعاً إثر الاعتقال، وأقفلت القضية لعدم كفاية الأدلة.
قبل نحو ثلاث سنوات، بدأت المنظمة عملها في الجامعات بمهاجمة الشبّان العرب عند مصادقتهم لفتيات يهوديات. لكن، بحسب الكاتب والباحث فريد غطاس، فإن هذه هي حجة لتشريع الاعتداء على الفلسطينيين، مشيراً إلى أن مثل هذه العلاقات (مصادقة أو زواج يجمع عربيّ بيهودية) ما زالت ضمن الحالات النادرة هنا، وليست ظاهرة طاغية، إلا أن أعضاء هذه المنظمة هم من متخرّجي المدارس والمعاهد الدينية في المستوطنات، حيث يتم تلقينهم معاداة العرب كجزء من النظرية العرقية، وبعدها يُخلق لهم الإطار للتعبير عن ذلك.
ولدت "لاهافا" من رحم حركة "كاخ"، متمسكة بأيديولوجيا شبيهة، ترفض الأفكار الصهيونية المتأثرة بالحضارة الغربية أو قيم الديموقراطية أو الاشتراكية. كما يؤمن أعضاؤها بأن "اليهودية دين بطش وقوة"، ولذلك، يرون أن الصهيونية فقدت قوتها وطاقتها حين انفصلت عن اليهودية الباطشة، ولا سبيل لبعثها إلا عن طريق إعادة ربطها بها من جديد. وهو ما أكّده غوفشتاين خلال مؤتمرٍ عقد مؤخراً في القدس، حين دعا علانية إلى حرق الكنائس المسيحية كافة في فلسطين، اقتداءً بجريمة حرق كنيسة "الخبز والسمك" الأثرية في مدينة طبريا قبل حوالي الشهرين. وكان رده على الضجة التي اثارتها تصريحاته بالقول: "لماذا الاستغراب؟ هذا ما تدعونا إليه التوراة".
يذكر أن عدد أعضاء "لاهافا" بلغ 5000 ناشط، ينتشرون في عملهم في الأماكن العامة، كالجامعات والأسواق وشواطئ البحر، وكذلك في مستوطنات الضفّة الغربية. وتتوزّع أنشطتهم على شنّ حملات تحضّ على الكراهية والدعوة لقتل المواطنين العرب وتدمير أملاكهم، وتنظيم مسيرات استفزازية في المناطق العربية، وعقد مؤتمرات لتجنيد أعضاء جدد.

"سياسة الباب الدوار"
تحظى المنظمات المتطرفة بدعم المستوين السياسي والعسكري في إسرائيل، كما أن لها شعبيتها داخل المجتمع الإسرائيلي. ويترجم الدعم الرسمي بمنع العقاب ووقف المتابعة للجرائم التي يرتكبها الناشطون. وكثيراً ما تأتي الاعتقالات شكلية ومخصصة للاستهلاك الإعلامي فحسب. ما أطلق عليه غطاس توصيف "سياسة الباب الدوار"، "بمعنى أن المتهمين يدخلون المحكمة من جهة ويخرجون من الجهة الأخرى، إما لعدم كفاية الأدلة، أو بادعاء أن المتهمين يعانون من مرضٍ نفسيّ أو خلل عقليّ... إلخ".
وقد بيّنت تمار هيرمان، رئيسة "المعهد الإسرائيلي للديموقراطية – IDI" في تصريحات لها مؤخراً، أنه على الرغم من الشكوى المتكرّرة ضد أعضاء المنظمة، وما يرتكبونه من جرائم، فإن الحكومة لا تتابع هذه الشكاوى قانونياً. وجلّ ما تقدم عليه هو إدانتها علانيةً عبر وسائل الإعلام. والأخطر من ذلك، برأي هيرمان، هو أن نتائج استطلاع رأي أجراه المعهد حديثاً كشفت أن نسبة 21 في المئة من اليهود يعتبرون أنفسهم "قوميين دينيين"، ويؤيدون منظمة "لاهافا" وغيرها من الجماعات المتطرفة.
من هنا، اعتبر الخبير في الشؤون الإسرائيلية سائد هريش أن هؤلاء لا يعملون في الظلام. ويتساءل هريش: "أليس عناصر الجيش والشرطة هم من يقومون بحمايتهم عند مهاجمة الأحياء الفلسطينية؟ من يصدر لهم التصاريح للمسيرات الاستفزازية؟ من يموّل حملاتهم الانتقامية بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم في المدن والقرى وعلى الطرق؟ أليست الحكومة وأقطابها المتطرفة؟".
في الجامعات، تنتشر اليوم التهديدات الداعية للفصل في الحب بين العرب واليهود على مرأى من الإدارات، علماً أن أوراقها المعلنة "تتبنى" مبادئ الحرية والمساواة والديموقراطية في مقاربتها الحياة الأكاديمية للطلاب. فتغضّ الطرف عن نشاطات أعضاء المنظمة، بينما تهدّد بفصل كلّ طالبٍ عربيّ يعبّر عن رفضه للسياسات الإسرائيلية، كما حدث في "جامعة حيفا" خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزّة. يومها، نظّم الطلاب العرب اعتصاماً صامتاً، فدعت الإدارة وحدة خاصة من الجيش لتفرقة المعتصمين. وانتهى النهار باعتقال 11 شخصاً، وإصابة بعض الطلاب، واضطرار خمسة منهم للمثول أمام محكمة الطاعة في الجامعة.

"شباب التلال" ماسحو الأثر
كشف تقرير بثّته القناة الإسرائيلية العاشرة مؤخراً، حجم الأموال التي تسرّبها حكومة نتنياهو إلى المنظمات الإرهابية التي خرج منها منفذو عمليات الحرق ضد الأطفال الفلسطينيين، وكانت آخرها زمنياً مجزرة قرية "دوما" في شرق مدينة نابلس بحق عائلة دوابشة. وبحسب التقرير، حوّلت الحكومة الاسرائيلية 270 مليون شيكل (ما يقارب مئة مليون دولار) في العام 2013 لصناديق تستفيد منها هذه الجماعات. وتدفع الأموال على شكل مخصّصات مالية لعائلات الإرهابيين اليهود، ولانتداب محامين يدافعون عنهم في المحاكم. كما أشار التقرير إلى أن حكومة إسرائيل ترفض نشر أسماء المستفيدين، إذ يتم صرف الأموال تحت مسميات وهمية أو ملفقة، وجميعها تذهب لدعم المنظمات اليهودية والاستيطان العشوائي، وإعفاء هؤلاء من الماء والكهرباء، وباصات النقل المجانيّ.
وعرض التقرير مقابلات مع أعضاء سابقين في الجماعات اليهودية الإرهابية، تحدثوا عن التنظيم وعن آليات تنفيذ الهجمات على العائلات الفلسطينية في القرى القريبة من المستوطنات. وصف أحدهم ذلك بالقول: "العمليات لا تأتي بالصدفة، كلّ شيء مخطّط له مسبقاً وبشكل جيد. فمثلاً، تتم مراقبة المسجد أو البيت لمدة طويلة. وتتم دراسة النوافذ والمداخل والمخارج لنعرف من يسكن بداخله. وفي خطوةٍ مباغتة، تتم عملية الهجوم والحرق".
كما ركّز التقرير على فشل أجهزة الأمن الإسرائيلية في اعتقال مرتكبي جريمة حرق العائلة الفلسطينية في دوما، مؤكداً أن اصابع الاتهام تتجه نحو ما يسمى بـ "شباب التلال". وهؤلاء مدربون على مسح الآثار وتضليل الشرطة والمخابرات الإسرائيلية، كما أنهم يعملون تدريجياً على تصعيد عنف عملياتهم مع الحفاظ على السرية المطلقة. فهم لا يقدّمون أي معلومة خلال التحقيق معهم، وينجون بفعلتهم في كلّ مرة.

وبحسب التقرير، فإن هذه الجماعات هي "مجرد شظايا متفرقة" متواجدة في عدد من المستوطنات منذ سنوات، وتم وضع الخطط لتجميعهم، وتم إعدادهم في المرحلة الأولى على إحراق الممتلكات وثقب إطارات السيارات. في المرحلة الثانية، تدربوا على إحراق البشر والعائلات.
هنا، يشرح آلية التدريب أحد الأعضاء السابقين في إحدى هذه الجماعات - كما عرّف عن نفسه - قائلاً إن العضو القديم يبدأ بتدريب العناصر الجديدة من سنّ ثلاث عشرة سنة حتى مطلع العشرينيات. لا يوجد مسؤول للتنظيم، ولا مصدر موحدا تصدر عنه الأوامر، وانما يقدّم التدريب اطلاعاً على الصورة بشكل عام، فيتخيل الفرد ما يمكن فعله مع المجموعة التي ينتمي إليها. يزرعون الأفكار بصمت، ويبقون قواعد العمل والتنفيذ مفتوحة.
بيّنت سجّلات الأجهزة الامنية الاسرائيلية خلال النصف الاول من العام الجاري تراجعاً في عدد العمليات الإرهابية اليهودية التي استهدفت المواطنين الفلسطينيين، ولكنه ترافق مع ارتفاعٍ في مستوى العنف الذي ميّز هذه العمليات. إذ بات المستوطنون يسعون إلى المسّ الجسدي بالفلسطينيين، وعدم الاكتفاء بالمساس بأملاكهم. وبحسب إحصائية ما يسمى بـ "فرقة يهودا والسامرة" التابعة لقوات الاحتلال في الضفة الغربية، فإن النصف الأول من العام 2015 شهد 141 عملية إرهابية يهودية استهدفت الفلسطينيين، مقابل 328 عملية ارهابية سجلتها في الفترة ذاتها خلال العام 2014، و568 عملية في العام 2011، شملت تدمير ممتلكات ومواجهات عنيفة بين المستوطنين والفلسطينيين.