| 

شاركتُ قبل عامين في بعثة تدريبية في مدينة البندقية الإيطالية. كان أحد المحاضرين أستاذاً بدرجة بروفيسور، إسرائيلياً من "الجامعة العبرية". تحدثَ وبفخرٍ عن كيفية وصوله إلى رتبة عقيد في الجيش الاسرائيلي، قبل أن ينتقل للعمل الأكاديمي. وفي خضم النقاش، قال لي: "تجربتنا كيهود علمتنا أننا بدون خوذة وسلاح لن نبقى على هذه الأرض". في العام الماضي، التقيت بأكاديمي آخر عمل كضابط احتلال في جنوب لبنان، ومن ثم سجَّان للفلسطينيين، قبل أن يتوجه لإكمال دراسته في أميركا. هذان مثلان عن كثيرين سواهما في مجتمع تحكمه العقيدة العسكرية، حيث أن العسكرة جزء لا يتجزأ من التركيبة المجتمعية الإسرائيلية.
من يحكم اسرائيل؟ الجيش، بالتأكيد. حكومة إسرائيل هي حكومة الجنرالات. فسيطرة الجنرالات الإسرائيليين السابقين والحاليين على مكتب الرئيس ورئيس الوزراء والكابينت ورئاسة الأحزاب السياسية هي السائدة. فمنذ الرئيس ورئيس الوزراء الإسرائيليين الأولين حتى يومنا هذا، يشغل المنصب ضباط سابقون في الجيش أو الاجهزة الأمنية التابعة له. وكما يقول العديد من الباحثين والصحافيين، فإن ذلك لا يفرض فقط استخدام القوة والعدوان ضد الفلسطينيين، ولكنه يمنح قيادة عسكرية على رأس دولة اسرائيل وأجهزتها القدرة الهائلة على التأثير في كلّ القرارات، وفرض رؤية عسكرية على الإدارة العامة وسياسات الدولة العامة. فبعد كلّ انتخابات إسرائيلية، يحتفل الإسرائيليون بفوز جنرالاتهم في الانتخابات ليكونوا رؤساء وزراء ووزراء وقيادات أحزاب. وإسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تدّعي اعتماد الديموقراطية - معترف بديموقراطيتها في الغرب - ولكنها تنتخب عسكرييها ليكونوا قياداتها اليساسية. ومن باب السخرية، يقول شالفي: "لذلك لا توجد انقلابات عسكرية في اسرائيل" .
يملك الجيش نسبة تقارب 48 في المئة من الأراضي في فلسطين المحتلة لأغراض أمنية وعسكرية. وتشجّع الدولة اليهود على الهجرة إلى دولة الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية، وخصوصاً القدس، وتمنحهم الأراضي والترخيصات اللازمة للبناء سريعاً (مع العلم أنها خارج حدود دولة اسرائيل المعترف بها دوليًا)، بينما يمنع الفلسطيني أو المجالس المحلية لسكان البلاد الأصليين من التوسع والبناء، بل تقوم الدولة بهدم تلك البيوت باستمرار. ويعتبر ذلك كواحدة من نتائج عسكرة المجتمع وسيطرة عقلية الجيش على المجتمع ككلّ. مثال على ذلك هو مشروع "برافر" العنصري الذي يهدف إلى تشريد 80 ألف فلسطيني في النقب والاستحواذ على ما يقارب من 800 ألف دونم وهدم 38 قرية فلسطينية. فدولة الجنرالات تستحوذ ليس فقط على السلطة، ولكن على المكان والزمان أيضًا.
إن المجتمع الاسرائيلي منذ تكوينه هو مجتمع ذو عقيدة أمنية وعسكرية. ولأن الدولة هي دولة الجيش، فإن تفتّت العقيدة العسكرية يعني تفتت الدولة أيضاً. يقول ستيفان لندمان إن اسرائيل هي مجتمع عسكر (وهنا، سأستخدم أحيانًا المرادف: "النزعة العسكرية")، حيث وصل بها الأمر حد تجنيد الأطفال في سن الثالثة عشرة لتأدية الخدمة العسكرية، في خرق واضح للقوانين الدولية. هذا المقال يركّز على عسكرة المجتمع الاسرائيلي وعقيدته الأمنية عبر علائقية المجتمع، الجيش، مؤسسات المجتمع المدني، المؤسسات التعليمية، وعسكرة الزمان والمكان.

العسكرة سبقت الدولة
بعد قيام دولة اسرائيل، اختارت الدولة الجديدة، ومن موقع القوة العسكرية، أن تطرد سكان البلاد الأصليين وأن تواجه الدول العربية من خلال فوهة البندقية لا الدبلوماسية. كانت ولا تزال اسرائيل تستمد قوتها من الدول الغربية، وخصوصًا الولايات المتحدة الأميركية. أما عملية احتلال فلسطين فقد خططت لها "الحركة الصهيونية" كعملية لاحتلال أكبر قدر ممكن من الأراضي العربية وطرد العرب منها من خلال السياسة التي تبنتها قيادة "الحركة"، وهي "الأسرلة" للحفاظ على دولة يهودية بحتة. وعلى الرغم من عدم نجاح الحركة الصهونية في تحقيق ذلك تماماً (طرد كلّ السكان الأصليين للوصول الى نقطة "صفر عربي")، إلا أن عملية "الأسرلة" مستمرة ضد السكان العرب بمنهجيات وخطط حكومية رسمية.
في بدايات ثلاثينيات القرن الماضي، مرت عملية العسكرة بمراحل شرعنة، تمت بالتعاون مع سلطات الاحتلال البريطاني، بين المهاجرين اليهود، في ما عرف بـ "ييشوف"، أي الاستيطان الصهيوني. وبعد قيام دولة الاحتلال، تم دمج النزعة العسكرية والروح القتالية كعقيدة وإيدلوجيا وقيمة في مجتمع الدولة الوليدة، فأصبحت تلك النزعة العسكرية راسمة السياسيات والمحددات للدولة الجديدة. وكانت المنظمات العسكرية اليهودية تعتمد على ما سمي بـ "واجب التطوع"، وهو ما أصبح اجباريًا بعد قيام دولة الاحتلال بأشهر معدودة مع تشكيل جيش الاحتلال. نتج عن ذلك تزاوج السياسة والعسكرة الذي طرح حلولًا عسكرية لمشاكل سياسية ومدنية في نهج لا يزال مستمراً حتى اليوم.
إن عملية العسكرة هي مجمع معقّد من العلاقات بين الجيش والسياسة والمجتمع. هذا المجمع يشمل النظام السياسي نفسه والقوانين (إسرائيل هي واحدة من الدول القلائل التي ليس لها دستور يحدد حدودها وقانونها وهيكلتها) والاتفاقيات الموقعة مع الدول المجاورة وكذلك القيم المجتمعية، ما يؤدي إلى انتاج ثقافة العسكرة في المجتمع فتصبح العمود الفقري للحياة. ولم يكن التاريخ الإسرائيلي وحده ما دفع بعسكرة المجتمع ككل، ولكن هناك عوامل أخرى كدعم الولايات المتحدة الدائم لاسرائيل عبر اللوبي الصهيوني، الصراع المستمر بين فصائل المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني، سيطرة الصقور أو العسكريين على مقاليد الحكم، والأهم من ذلك، تطور الصناعات العسكرية الإسرائيلية وظهورها كماركة عالمية مجربة على الأرض - في الأغلب، على الفلسطينيين.
باستمرار الحروب والاعتداءات الاسرائيلية على العرب، أصبح الجيش والنزعة العسكرية قلب الدولة ومؤسساتها وأركانها. في العام 1986، أصدرت دولة الاحتلال قانونًا يجبر من يحملون الجنسية والمقيمين في إسرائيل على الخدمة العسكرية في الجيش، باستثناء البعض. وتحاول اسرائيل من خلال عسكرة المجتمع محو الصورة النمطية في ذاكرة اليهودي بأنه الضحية، واستبدال صورة المعسكرات النازية بمعسكرات القوة التي ينتمى إليها اليهود، ويتحكمون عبرها بالغير. وحتى اليوم، يُسمى الالتحاق بجيش الاحتلال "عملاً نبيلاً"، يشجّع الأطفال والشباب عليه.

ذكور أو إناث، كلهم جنود
في الجيش الإسرائيلي، يخدم الذكور بشكلٍ إجباريّ مدة ثلاث سنوات، بالإضافة إلى مدة الخدمة الاحتياطية السنوية. الخدمة العسكرية الإجبارية للمرأة مدتها سنتان فقط، بينما المرأة المتدينة والمتزوجة معفاة من هذه الخدمة. كما أن الخدمة العسكرية للمتدينين اليهود اختيارية. ويخدم البدو الفلسطلنيون تطوعيّاً مقابل محفزات وإغراءات وظيفية متدنية، بينما يخدم الدروز إجبارياً - نمت في الفترة الأخيرة حركة شباب دروز مناهضة للخدمة في الجيش الاسرائيلي. وتتساوى المرأة في المجتمع الاسرائيلي من ناحية مشاركتها في الخدمة العسكرية والتحشيد لها. فتعتبر جزءاً ومكوناً أساسياً في عسكرة المجتمع الإسرائيلي. إذ خدمت المرأة اليهودية منذ قيام جيش دولة الاحتلال، بل وفي تشكيلات شبه عسكرية صهيونية كانت فاعلة قبيل قيام دولة اسرائيل. في المعارك، لم تخدم المرأة في الجبهات المباشرة، كالعدوان على غزة وعملية إعادة احتلال الضفة الغربية والحروب السابقة، بل ارتأت القيادة العسكرية اعطاءها مواقع عسكرية تكنولوجية كالادارة العسكرية. ومؤخرًا، أنيطت بها مسؤوليات على مستوى التحكم بأجهزة المراقبة والقتل من خلال الطائرات غير المأهولة.
ولا تساوي إسرائيل بين الفئات المجتمعية، نظرًا لتدينهم. وهي بذلك تحاول نيل رضى المتدينين اليهود في إسرائيل وحول العالم وإضفاء شرعية دينية، من خلال منحهم امتيازات ليس فقط اختيارية التجنيد، وانما امتيازات اقتصادية ومعونات مالية. وبالتدقيق في تركز تلك الفئات من المتدينين، نرى أنهم يعيشون في المستوطنات في الضفّة الفلسطينية والقدس المحتلة والخليل القديمة، ما يدل على أن المستوطنين يؤدون خدمة بكونهم جنوداً بلباسٍ مدنيّ يشاركون في تهويد المدن والقرى والأراضي الفلسطينية بطريقة غير مباشرة.

عسكرة اجتماعية ومجندرة
إذاً، ما هو تعريف النزعة الحربية في اسرائيل؟ اذا وضعنا اسرائيل تحت مجهر مفاهيم العسكرة، يرى بن العيزر أن النزعة العسكرية او الحربية في إسرائيل يمكن تعريفها بأنها طريقة تفكير ومنهج يعززان ويشجعان الحلول المفروضة بالقوة (داخل المجتمع وخارجه)، وهي غالبًا ما تكون عسكرية. وبنتيجة هذا التفكير والمنهج، تصبح القوات العسكرية هي المحرك الأساسي للمجتمع، ويكون لرأيها الأولوية على آراء المدنيين / المواطنين. وفي هذا السياق، يتوافق التعريف مع ما قاله ديفيد بن غوريون، رئيس الوزراء الأول في دولة الاحتلال: "كلّ الأمة هي جيش، وكلّ الأرض هي جبهة".
يرى بعض الباحثين أن التركيز يجب أن يصب أكثر على كيفية تحول المجتمعات الى مجتمعات مُعكسرة، وكيف تؤثر النزعة الحربية على المجتمعات وعلاقة الدولة بمؤسساتها المدنية. وكلما ازداد الاعتماد على العسكر أو ارتفاع وتيرة زرع النزعة العسكرية داخل مجتمع أو فرد ما، كلما أصبحت العسكرة ليس فقط متطلباً للمجتمع ككل وإنما أيضًا حالة طبيعية بين أفراد المجتمع.
تقول كاثرين لوتز أن عملية العسكرة/زرع النزعة العسكرية هي عملية استطرادية لتحويل المعتقدات والقيم المجتمعية وتحويرها نحو تشريع استخدام القوة وشرعنة حصول الجيش وقادته على امتيازات معينة. وتضيف: "ولا ترتبط عملية العسكرة بحجم الجيوش وانبعاث القومية العسكرية والمتطرفة في المجتمع بقدر ما هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باستغلال وتشويه رأس المال البشري في المجتمع عبر تأجيج النزعات العرقية والتمييز حسب اللون والجذر والتوجه الجنسي".
بيّن العديد من الدراسات الأخيرة أن العسكرة في المجتمع الإسرائيلي لم تأت نتيجة حروب أو احداث معينة، بل من خلال عملية مستمرة سبقت قيام دولة الاحتلال، عبر ماكينة الثقافة والتعليم والتلقين المستمر من خلال المدارس العلمانية والدينية ومؤسسات المجتمع المدني والاخرى التطوعية والتي تهدف الى اعادة بناء التركيبات الثقافية والهيلكية للمجتمع، بطريقة ثابتة ودائمة، بهدف دعم العسكرة والعسكر. المجتمع الإسرائيلي، وهنا أقصد اليهودي تحديدًا، درس العسكرية عبر مساحات زمنية متعددة خلال مسيرتهم العمرية (العروض والكشافة)، وكافة المواقع (المتاحف والمدارس والجامعات)، فطَبًعت هذه جميعها الأمر وأصبحت العسكرة روتيناً يومياً. وكما يقول بيلين: "نحن تعودنا على روتين الحرب، روتين حالة الطوارئ". وفي دولة تعتبر العسكرة جزءاً أساسياً وطبيعياً من حياتها، يشكّل الجيش العمود الفقري للمجتمع الإسرائيلي. ففي العقد الأخير، يستمر الجيش بالتأكيد للمجتمع أن الأمن هو مشروع للجميع ويجب الحفاظ علية بأي ثمن. ولذلك، جعل الجيش الانتماء إليه ليس فقط عملاً وخدمة، بل قيمة دينية ووطنية.
ونتيجة عسكرة المجتمع، فإن المواطنة والجنسية والحقوق المدنية باتت تعتمد بشكل كبير على مفاهيم وقيم عسكرية أكثر منها مدنية. فمن رحم الجيش، خُلقت هوية اليهود الجماعية ليكونوا مواطنين كاملين يتمتعون بكافة الحقوق. فالذكور يحصلون على المواطنة الاسرائيلية الكاملة عبر الخدمة في الجيش (اليهوديّ/ة ومن يحق له غير الفلسطينين)، بينما تحصل المرأة عليها عبر الطريق الوعر والاستراتيجية الأمنية والبيروقراطية المعقدة التي ترتبط بما يسميه الجنرالات "معضلة الديموغرافيا". فالمرأة هي منبع الجنود وزوجة الجندي. هكذا يراها المجتمع . في الأدبيات اليهودية والصهيونية، الذكور هم المحاربون والمرأة هي العنصر الذي تجب حمايته لأنه يغذّي المجتمع بالجنود. الفلسطينيات المسيحيات والمسلمات في أراضي 48 لسن جزءاً من هذه المنظومة، إذ يرى الجنرالات أن المرأة الفلسطينية هي منبع الهوية الجماعية الفلسطينية التي تشكل تهديدًا ديموغرافيًا.

من المدرسة إلى الجامعة: جنود الدولة، هكذا
العسكرة وزرع النزعة العسكرية يبدآن منذ الصغر. فوجود الجيش في المدن يمثّل صورة طبيعية للاسرائيليين، ووجود السلاح الرشاش مع مجنّدة أو مجنّد في محطة الباصات أو أمام رياض الأطفال والمدارس هو أمر طبيعي، وهو ما يتربى عليه الأطفال، وربما يرون في ذلك الشخص نموذجًا للمستقبل. فعندما يولد الطفل الذكر لعائلة يهودية، تهنئ العائلات بعضها بالقول: "مزال توف، جندي جديد ها قد وُلد". فالنزعة العسكرية موجودة في الروتين اليومي للعائلات اليهودية سواء الصهيونية، المتطرفة، أو غيرها. وفي رياض الأطفال، تُنظم الأيام الترفيهية المترتبطة بأعياد الجيش والحروب والانتصارات، تبعاً للمفكرة الصهيونية. في العادة، تتم دعوة الأب والأخوة الجنود بزيهم العسكري إلى الاحتفالات، للتأثير نفسيًا وإيجابياً على الأطفال وزرع النزعة العسكرية والجيش فيهم بشكل طبيعي. ولم تتوقف سياسة العسكرة عند ذلك فقط، بل يتم أيضاً عرض السلاح والذخيرة على الطلاب في المراحل الأساسية في مؤسسات التعليم، ويتم تنظيم جولات لمعسكرات الجيش على جبهات الحدود.
وتقول الصحافية الكندية اليهودية التي عاشت حياتها في إحدى مستوطنات الضفة الغربية، إنها تربت على أساس أنه لا وجود للطرف الآخر وإنسانيته. عسكرة المجتمع أعدت نظاماً جسدياً ومعنوياً وعقلياً ينفي وجود الآخرين، وهم سكان البلاد الأصليين. ولا يقتصر ذلك على المدارس ومنظمات الشبيبة والبرامج التعليمية، بل يمتد لشبكات التلفزة التي تحفز الأطفال وتشجعهم على الالتحاق بالجيش، بل وتعطيهم دروس في مفاهيم العسكرية كفخر وعزة وشارة للرجولة والانتماء إلى الدولة. ويتعدى ذلك البيروقراطية الإدارية في المؤسسات التعليمية ليصل إلى التدخل في وضع المناهج الدراسية. فهناك لجنة عسكرية و/أو تضم عسكريين يضعون تحفظاتهم واقتراحاتهم في المناهج الدراسية الاسرائيلية.
كما أن المدارس الإسرائيلية تستقبل سنويًا جنودًا بزيهم وسلاحهم الكاملين، لتدريب الطلاب وتدريسهم في برامج شبة عسكرية أو ضمن ما يسمى برامج التوعيه الخاصة بالجبهة الداخلية وغيرها من برامج تشجيع الالتحاق بالجيش والخدمة العسكرية. ويتم التعاون بين وزارة التعليم ال‘سرائيلية والجيش بشكل رسميّ وروتينيّ. ويوجد برنامجان تديرهما المؤسستان سوياً، وهما برنامج "المدرس الجندي" لتدريب الجنود الاسرائيليين على أن يصبحوا مدرّسين بعد انتهاء الخدمة، فيتم تدريبهم في المدارس بالتعاون مع وزارة الجيش. أما البرنامج الآخر فهو البرنامج الإرشادي للشباب، ويركز على فئة الشباب المهمشين أو الأقل تحصيلًا علميًا لتأهيلهم وتجهيز انخراطهم في الجيش.
يقول بن اليعيزر أن جيل الشبيبة الجديد متأثرٌ كثيراً بتشكيلات صهيونية يهودية قديمة كـ "بن جيورا" و "هشومير" التي تعني الحرس، و "هاجانا" التي تعني الدفاع. إذ كانت هذه التجمعات العسكرية تعتمد على الشباب في عمر 16-17 (يعدون أطفالاً)، وينظر إليها اليوم كمنظمات بطولية أسست لدولة اسرائيل. ويؤكد بن العيزر أن مهمة الأطفال قبل النكبة هي حراسة الحقول والتعارك مع الأطفال العرب. وعندما يبلغ من العمر سن الثالثة عشرة (بار ميتزاف)، يتم تسلميه قطعة سلاح. وهنا، يجب أن نقارن بين ما يقوله بن العيزر وما يتم تطبيقه الآن في المستوطنات في الضفة الفلسطينية، وخصوصًا الخليل والقدس القديمتين، حيث شكل أطفال المستوطنين في ما قبل النكبة نواة الصراع والمناوشات لتهجير السكان والاستحواذ على الحيز الزماني والمكاني.
وحتى الجامعات، تعجّ ساحاتها بالجنود الاحتياط وغيرهم. في العام 2007، تسبب ذلك بمشكلة للمخرج الفلسطيني والمحاضر في احدى كليات النقب المُحتل نزار حسن، عندما طرد ضابط احتياطٍ جاء إلى المحاضرة بزيه العسكري وسلاحه، وطلب منه العودة بملابس مدنية. تسبب ذلك بضجة كبيرة في المؤسسة التعليمية، وحضر جميع الطلاب في اليوم التالي بالزيّ العسكريّ، وقامت قيادت شبابية كبيرة للمستوطنين المتطرفين بالتسجيل في الجامعة والحضور بزيّ عسكري. هذه قصة محاضر فلسطيني حُملت عبر الإعلام، ولكنها تدل على أن النزعة العسكرية مزروعة في العقلية الفردية، والمؤسسات التعليمية، ومجرد محاولات فردية للتغيير تجابه بالقوة والعناد، وربما الطرد كما حصل مع المخرج نزار.

عسكرة الاقتصاد الإسرائيلي
عندما ندرس الاقتصاد الإسرائيلي وآليات البحث عن مصروفات الجيش المعلنة، فإن اسرائيل تعتبر الأعلى من الدول العربية والدول المتقدمة في الميزانية العسكرية، غير المساعدات التي تتلقاها من الولايات المتحدة. فبحسب تقرير لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، تنفق اسرائيل ستة أضعاف الدول المتقدمة على التسلح وخُمس الميزانية العامة لدولة الاحتلال. وبحسب تقرير ستوكهولم "سيبري"، فإن إسرائيل بالمقارنة مع الدول المتقدمة، هي الأعلى من حيث المصروفات العسكرية نسبة لعدد السكان، والأعلى كذلك بحسب النسبة من الناتج القومي. وعسكرة الاقتصاد الاسرائيلي لا تقتصر فقط على المصروفات، ولكن أيضًا تشمل تصدير السلاح. فاسرائيل دولة تعتمد بشكل كبير على التقنية العسكرية وتصديرها. وبحسب تقرير آخر، فان الصادرات العسكرية الاسرائيلية في ازدياد كبير ومضاعف، خصوصًا إلى دول افريقيا. وفي العام 2012، ارتفعت الصادرات بنسبة 20 في المئة، ووصل حجم الصادرات العسكرية الاسرائيلية المعلن عنها إلى سبعة آلاف مليون (7.000.000.000) دولار خلال عام واحد فقط. يشمل ذلك السلاح والعتاد فحسب، ولا يشمل التقنيات والتكنولوجيا الأخرى المرتبطة بها. أضف إلى ذلك أن هذا التقرير مبني على بيانات رسمية اسرائيلية تتعمد أن تخفي أرقاماً وأسماء دول معينة.
إن إحدى صفات دولة الجنرالات تملي الحفاظ على المناصب لقيادتها العسكرية ومكانتهم المجتمعية والاقتصادية. ولذلك، يقوم الجيش بعملية تدوير المواقع العليا في الجيش والسلطات المدنية على ضباط الاحتياط والمتقاعدين بشكل ملحوظ. ولا يتم ذلك فقط في الادارة العامة، ولكن أيضًا في الشركات الكبرى في إسرائيل، وبعضها يديرها ضباط اسرائيليون في الخارج. فأكبر عشر شركات اسرائيلية ونوعية هي لضباط سابقين أو ذات طابع عسكري. الملحوظ هنا أن العسكريين، وخصوصًا الضباط الكبار في الجيش الاسرائيلي، يستمرون في الحصول على امتيازات وتسهيلات اقتصادية كبيرة في أروقة الأجهزة الرسمية العسكرية والمدنية، حتى بعد تقاعدهم.
وتسبب عسكرة الاقتصاد ازدياداً كبيراً في عدم المساواة وحرمان سكان البلاد الأصليين من العمل في تلك الحرف والتي يعتبرها الهرم السياسي والعسكري ذات طابع أمني (حتى لو كانت في مجال التكنولوجيا)، وتؤسس لاستمرارية الصراع العسكري مع الفلسطينيين وعدم الوصول إلى حلّ سلمي، لأن الصناعات العسكرية تحتاج الى مضمار حقيقى للتجرية ووجود صراع مستمر يعطي اسرائيل الكثير من النقاط الايجابية أمام الصناعات الأخرى غير المجربة. ويقول تقرير مؤسسة adva ان العسكرة في الاقتصاد انعكست على حجم المدفوعات لمجالس المستوطنات المحلية، والضباط المتقاعدين، والحجم الكبير للاعانات السكنية للمستوطنين في الاماكن الاحتكاكية مع الفلسطينيين.

عسكرة المكان والزمان: ارتداد العنف
المهاجرون اليهود (سكّان دولة الاحتلال) أعدّوا العدّة والترتيبات والتدريبات والتجهيزات اللازمة لأيّ حرب في أيّ لحظة. وكما يبقى السارق متنبهًا خوفًا من أن يأتي المسروق أو الشرطة للقبض عليه واسترداد المسروقات، تبقي دولة الأحتلال عيونها متيقظة ومستعدة لأي طارئ. بنيت الدولة بناء على هذه العقيدة منذ اعلان بن غوريون دولة اسرائيل. واستمرت اسرائيل على هذا المنوال، تعمل تحت قوانين طوارئ اجبارية. ما اعطى السلطات التنفيذية القدرة على تغيير قوانين وتدشين أخرى بشكلٍ أسرع وأسهل، بما يخالف النُظم الديموقراطية، ومن ضمنها تحديد الحريات كالتعبير والحركة وحقوق الملكية والتجمعات. لا يتضمن ذلك الجانب الآخر من القوانين التي يصدرها الجيش الاسرائيلي لتحديد حياة الفلسطينيين وتنظيمها تحت الاحتلال. ففي الجيش الاسرائيلي، تكمن حكومة ظل الحكومة الفلسطينية عبر ضباط الادارة المدنية. هم الوزراء، يصدرون القوانين، يرفعون المذكرات لقائد الجيش، الذي يمثل رئيس وزراء حكومة الظل هذه.
ومنطق العسكرة والقوة لا يسيطر فقط على الإدارة العامة والبيروقراطية، ولكن أيضاً على الحياة اليومية في داخل الدولة. وكما جاء في تقارير منظمة "بيتسيلم"، فإن مراقبة الصحافة وتحديد ما تنشره يتم على ايدي المراقبين العسكريين. ويأتي منع المواطنين من السفر وتفتيش السكان الأصليين والأجانب واليساريين بشكل وروتيني غير طبيعيّ عند السفر من المطارات كأحد ارهاصات دولة العسكر.
ختاماً، يجب القول بأن حالة العسكرة في المجتمع الإسرائيلي هي حالة نادرة تاريخاً ووحيدة راهناً، ولا يوجد مجتمع مبني على القذيفة والمدفع في العصر الحديث إلا المجتمع الإسرائيلي. وبحسب الباحثين السياسيين، تستحيل دراسة إسرائيل أو أيّ جزء من الحياة في إسرائيل من دون المرور بالعسكرة كجزءٍ أساسي فيها.