| 

يجد الكثيرون صعوبةً في استبيان أسماء أعضاء اللجنة التنفيذية لـ "منظمة التحرير الفلسطينية". ويكفي المرور بشوارع رام الله ونابلس وسؤال الناس عن اللجنة، ليتضح أن معظم الناس لا يستطيعون تسمية مجمل فصائل "المنظمة"، لا بل يجهلون أسماء إلا البعض من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة، الذين يطلق عليهم لقب: "القيادة الفلسطينية"، علماً أن بعض الأسماء التي يذكرها الناس قد فارق الحياة، بينما لا يزال البعض الآخر متمسكاً بموقعه.

سؤال في الشارع.. و "الصالونات"
يشرح عضو اللجنة التنفيذية في "منظمة التحرير" غسان الشكعة الحال لـ "السفير" بسؤال: "ماذا إذا استقال الجميع بمن فيهم الرئيس؟ أين المشكلة في تجديد الدماء؟ منظمة التحرير أكبر من الجميع، هي حامية المشروع الوطني وملاذ الفلسطينيين الآخر". في المقابل، فإن مدرّس اللغة العربية احمد سمارة (32 عاماً - من ريف نابلس) يقول: "لا أعرف أسماء كلّ الفصائل، ولا أعرف أعضاء "منظمة التحرير"، ومن منهم مستقلّ ومن يمثل فصيلاً.. هذه الأسماء لم تعد تهمني كثيرًا، فأنا أبحث عن رزق أولادي فقط.. هذه القيادات لا تعرفني، وأنا لا تهمني معرفتها".
أما بسمة محاسنة (43 عاماً - رام الله) فترى أن الفصائل وأعضاء "التنفيذية" أصبحوا موظفين لدى السلطة الفلسطينية: "لقد انقلبت الأوضاع، وأصبحت منظمة التحرير عملياً ملحقة بالسلطة بدلاً من أن تكون الحال بالعكس. السلطة تأتي بالمال، وهي التي تتحكم بالفصائل. لقد أصبحت المنظمة عبارة عن وظائف ورواتب. الفصائل قبلت على نفسها أن تكون أداة بيد السلطة. الرئيس محمود عباس يقودها كما يريد".
بدت الصالونات السياسية في رام الله وكأنها "تعجّ" بالنقاشات والتفسيرات حول خطوات الرئيس عباس الأخيرة، لجهة دعوة "المجلس الوطني الفلسطيني" للاجتماع، هو الذي لم يلتق أعضاؤه منذ العام 1996. تبدو القيادات السياسية هذه الأيام كأنها في حالة صدمة أو ترقّب. ولم يأت ظهور لافتة في "ساحة المنارة" الشهيرة في وسط رام الله صدفةً قبل أيام، خلال اعتصام للأسرى الفلسطينيين الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم. فقد رسمت على اللافتة صورة الرئيس محمود عباس وسلفه الرئيس عرفات، وذيّلت بعبارة: "سنظل الشرعية ضد المؤامرات الداخلية والخارجية". الحديث إذاً يدور عن مؤامرات داخلية وخارجية تستهدف قيادة السلطة الفلسطينية.
لطالما استخدم عضو اللجنة المركزية لـ "حركة فتح" توفيق الطيراوي المثل الشعبي "طحن حبات السمسم، سواء كان فيه زيت أم لا"، لوصف الحالة الفلسطينية الراهنة. ويقول الطيراوي لـ "السفير": "الرئيس محمود عباس ركّز دائماً على المفاوضات وتغيير القيادة من أجل تطبيق خطط واستراتيجيات سياسية مختلفة. هذا أمرٌ جيّد لو اقتصر على تغيير الأشخاص من دون تغيير الخطط والاستراتيجيات".

ماذا يجري في "المنظمة"؟
يرى مراقبون أن تحركات الرئيس محمود عباس الأخيرة تهدف إلى تعبيد الطريق لخليفته، إلا أن عباس لم يلق كلمةً حتى لتوضيح معالم أهدافه الجديدة، رغم الحاجة إلى ذلك. ووفقاً لأمين سر المجلس الثوري لـ "حركة فتح" أمين مقبول، فإن "الرئيس عباس، الذي يحتفل بعيد ميلاده الثمانين هذا العام، لن يترشح لرئاسة منظمة التحرير الفلسطينية". ما نفاه آخرون.
من جهته، صرّح القيادي في "فتح" نبيل شعث أن "الرئيس محمود عباس لن يترك فراغاً في السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير بعد كلّ هذه السنوات في العمل السياسي". ما يبدو كاستجابة لطلب وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الذي أوصى عبّاس بعدم ترك فراغ سياسي فلسطيني، وعدم اتخاذ أيّ إجراء ضد إسرائيل في هذه المرحلة.
بدوره، يرى أحد قادة "حركة فتح" الشباب قدورة فارس أن تصريحات عباس "ليست حيلة". وتحدث فارس لمحطة إذاعية محلية قائلاً: "عباس وصل إلى نهاية مساره السياسي، هذا أمر جدّي، وليست تهديدات. (...) يبدو أن الكيل قد طفح بأبي مازن".
المحيطون بالرئيس يقولون إنه يشعر بالإجهاد والإحباط، ولكنه ينتظر اجتماع "المجلس الوطني الفلسطيني" المقرّر عقده في 14 أيلول/ سبتمبر الحالي، واجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نهاية هذا الشهر، واجتماع "حركة فتح" في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.
يشار الى أن الرئيس عباس استمر في رئاسة السلطة 11 عاماً حتى حينه، مع العلم أنه كان من المقرّر أن تقتصر فترة حكمه على 4 سنوات. لكن غياب الانتخابات أبقاه في السلطة طوال هذه المدة، رغم مطالبات المجتمع المحليّ بضرورة إجراء انتخاباتٍ عامة لتجديد الشرعيات.
و "تجديد الشرعيات" هذا هو ما أشار إليه الدكتور جمال محيسن، عضو مركزية "فتح"، حين قال: "لا يمكن أن نقبل بحصول فراغٍ سياسيّ. الرئيس يريد تجديد الشرعيات، لذلك كانت الدعوة لانعقاد المجلس الوطني، وحل التنفيذية". لكن محيسن لم يتحدث عن انتخابات تشريعية ورئاسية، أو حتى محلية للمجالس البلدية.

ثقة الناس.. ومعنى "التجديد"
أظهر استطلاع للرأي نشر مؤخراً أن ثقة الجمهور الفلسطيني بالرئيس تراجعت إلى نسبة 16 في المئة، بعدما كانت قد سجلت 22 في المئة في آذار/ مارس الماضي. إن حديث الشارع الفلسطيني يستحضر تراجع القضية الفلسطينية من المرتبة الأولى في أولويات المجتمع الدولي والعالم العربي إلى المرتبة الأخيرة، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم العربي المنشغل بالصفقة النووية مع إيران والحرب ضد تنظيم "داعش".
ويرى المراقبون أنه، بسبب غياب الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، قرّر عباس التحوّل إلى الداخل. ويقول مساعدوه إنه ينوي عزل أعضاء اللجنة التنفيذية لـ "منظمة التحرير" ممن قضوا فيها حقبة من الزمن، بالإضافة إلى تغيير قيادة "حركة فتح". ويرى النقاد أن ما يقوم به عباس هو حملة تطهير لأيّ شخص يدعم قيادة بديلة منه.
إلا أن محمد شتية، وهو أحد قادة "حركة فتح" ومن المقربين من عباس، رأى في حديثه مع "السفير" أن "الرسالة للفلسطينيين هي أننا ندخل دماءً جديدة"، لكنه وعدداً من قادة "حركة فتح" امتنعوا عن ذكر أسماء. وتكهن قائلاً: "نريد استراتيجية جديدة"، لكن من دون الإفصاح عن المطلوب منها.
وكان الرئيس عباس قد قرر عزل ياسر عبد ربه من الأمانة العامة لـ "منظمة التحرير الفلسطينية"، وتعيين الدكتور صائب عريقات المقرّب منه. لكن عبد ربه لم يقدم استقالته من اللجنة التنفيذية للمنظمة معتبراً طريقة عزله بالمسرحية، إذ قال لـ "السفير": "شاهدت مسرحيات كثيرة في حياتي من هذا النوع".
مستشار عباس نمر حماد رأى في تصريحاتٍ صحافية أن الهدف الرئيسي للاجتماع المقبل هو تعيين نائب للرئيس.
ويعدّ عريقات من المرشحين المحتملين لتولي المنصب، رغم نفيه الدائم أنه سيكون بديلاً للرئيس عباس. لكن مصادر متطابقة تقول إن مدير المخابرات ماجد فرج ينافسه على المنصب.
يختصر عضو المجلس الوطني بلال الشخشير الحال لـ "السفير" بالقول: "مسكين شعبنا. بعد عشرين عاماً، تأملنا أن يعقد المجلس الوطني بقوامٍ جديد ودماء شبابية، وأن نشهد حالة من التجديد، وأن يكون البند الأول والأخير هو إعادة رسم السياسة الفلسطينية على ضوء مجمل المتغيرات، للسير بشعبنا نحو إنهاء الاحتلال. لكن، وبكلّ أسف، فإن ما نشاهده هو تقاسم جديد للقيادة والنفوذ والامتيازات، وعملية تبديلٍ للأسماء وتحريف للأنظمة واللوائح، وشطب ما تبقى من الشرعية.. ما يحصل هو إدارة الظهر للشعب".
وأضاف الشخشير ساخطاً: "الرئيس ولجنته التنفيذية أوجدوا فتوى وتفسيراً للقانون لانتخاب لجنة تنفيذية بحجة أن قوام اللجنة الحالي غير قادر على القيام بمهمته لأسباب متعددة منها كبر السن، المرض، الفشل...". فيتساءل: "ماذا بشأن المرجعيات؟ أعضاء المجلس المركزي والوطني، أليسوا أشدّ ترهلاً؟ الوضع الفلسطيني بحاجة إلى انطلاقة سياسية نضالية، وتجديد حقيقي لمؤسسات "منظمة التحرير". وهذا لا يمكن إجراؤه الا بدورة عادية للمجلس الوطني".

"شتم الظلام" لا يكفي
قيادات الفصائل والمستقلون لم يضيعوا الوقت في البحث عن أماكن لهم في المجلس الوطني المقبل واللجنة التنفيذية. فالاتصالات قد بدأت فعلاً، حتى أن واحداً من القيادات (تحفظ على ذكر اسمه) قال لـ "السفير" ممازحاً: "ليس من السهل تقسيم الكعكة.. من يتأخر عن المائدة فلن ينال حصته".
في المقابل، وبدرجة أعلى من التفاؤل، يرى خليل عساف المكلف برئاسة "لجنة المصالحة في الضفة الغربية" أن المجلس الوطني سوف ينعقد بالشكل الذي يريده الرئيس عباس، "لذلك، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار إمكانية التأثير من الداخل، فلا نكتفي بشتم الظلام".
وشرح عساف أنه "ما زال لدينا أمل في الإصلاح. فالقضية الفلسطينية تمر بأسوأ حالتها نتيجة فشل المفاوضات، وحالة التهويد المتزايدة للقدس والضفة الغربية. لقد أصبح عدد المستوطنين في الضفة الغربية يفوق 600 ألف مستوطن، ونتنياهو يطمح لأن يصبح العدد مليوناً!".
وأضاف: "كلّ محاولات المصالحة الداخلية بين "فتح" و "حماس" فشلت حتى الساعة، وعدم تنسيق عمل حركتي "حماس" و "الجهاد الاسلامي" ضمن "منظمة التحرير" يعني تغوّل الانقسام في حياة الشعب الفلسطيني". وتابع عساف فاقداً بعض تفاؤله: "إن أولويات حركتي "فتح" و "حماس" السياسية هي: مَن يحكم الشعب الفلسطيني، وليس من يتصدى للتهويد والاستيطان".