| 

ربما يكون ليث فضل عيسى الخالدي آخر من استشهد، لكنه بكلّ تأكيد ليس الأخير ولن يكون الأخير. فالقاتل موجودٌ، والضحية موجودة، وأسباب القتل ومبرراته موجودة، وبوفرة. يضاف إلى ذلك احتراف القاتل وتراكم خبراته وغياب من يعاقبه ويردعه عن ممارسة الإجرام. ليث ليس الأول، فقد سبقه مئات بل آلاف الشهداء طيلة سنوات الصراع مع المشروع الصهيوني. ويمكن رصد ذلك بالعودة مدة عامٍ واحد لا أكثر إلى الوراء، أيّ من صيف 2014 إلى صيف 2015، وللدقة أكثر بين حرق الطفل محمد أبو خضير في حزيران 2014 وحرق الطفل علي دوابشة في تموز 2015، وقد حلّت بينهما محرقة غزة التي تجاوز عدد ضحاياها الألفين. أضف الى ذلك "القتل بالمفرّق" في مدنٍ الضفّة الغربية وقراها ومخيماتها، من الخليل إلى بيت أمّر فالقدس ومخيمي قلنديا والجلزون، مرورًا بنابلس وجنين، ناهيك عن قتلى الحواجز "بحجة الطعن" أو بلا حجّة. القاتل غير مطالبٍ بتبرير جريمته، وإن طُلب منه ذلك يكون بهدف إغلاق الملف.

الأب، وقبله الجدّ
القصة لم تبدأ بليث فضل الخالدي، فقد سبقه الأب فضل الذي قيدت يداه في سن الرابعة عشرة ليزجّ به في السجون الإسرائيلية لمدة عامٍ ونصف، مختزلين بذلك طفولته، ومختصرين مراحل تطورها. لم يكن هذا الاعتقال هو الأخير بالنسبة إلى الأب، فمنذ العام 1980 حتى أواسط التسعينيات، تعرّض فضل الخالدي للمطاردة والسجن عشرات المرات، خصوصاً إبان سنوات الانتفاضة الأولى التي نشط خلالها كقائدٍ ميدانيّ فاعل، أحبه كلّ من حوله في المخيم، وفي المدينة، وفي الجامعة، وفي سجون الاحتلال. أحبه الكلّ، بغضّ النظر عن هويته أو هوياتهم السياسية. فلطالما آمن الأب بوحدة العمل، ولطالما عبّر عن استيائه من العمل الفئوي ومن دعاته.
والقصة لم تبدأ بفضل الأب، أيضاً. فقد جاء قبله عيسى الخالدي الجد، الذي هُجّر مع عائلته من قرية عنّابة في قضاء الرملة لمّا طهّرتها عرقياً العصابات الصهيونية سنة 1948. حينها، لم يكن عمر الجد عيسى يتجاوز العشرين. طرد مع المئات من أبناء قريته إلى جبال منطقة رام الله. وفي الطريق، كانت الفاجعة: تعرّضت الشاحنة التي كانت تقل العائلة - أي عائلة عيسى الخالدي، الأخوات والإخوة - لحادث سير ٍ وانقلبت في موقع بالقرب من رام الله، لتستشهد نتيجة هذا الانقلاب شقيقات عيسى الثلاث، رقية ورفعة وفاطمة، وشقيقه جبريل. أما هو فأصيب في ساقه إصابةً لازمته حتى وفاته سنة 2004. كما أصيب شقيقه الآخر إصابةً أدّت إلى بتر يده اليمنى. ومن ضمن الذين استشهدوا على متن هذه الشاحنة المشؤومة، كانت خطيبة عيسى الخالدي (والد فضل، وجدّ ليث).
منذ النكبة، توالت الأيام على الجدّ الذي لم يرَ يوماً جميلا في حياته. فعدا عن قسوة حياة المخيم وجحيمها، كان يتنقل بين سجون الاحتلال من شمال فلسطين إلى جنوبها ليزور واحداً من أبنائه المعتقلين، برفقة زوجته المرحومة فتحية أم نايف التي رحلت سنة 2010، أو ينتظر جنود الاحتلال في ليالي الشتاء الباردة ليفتح لهم باب المنزل لاعتقال ابن آخر من أبنائه الخمسة عشر، الموزعين بانتماءاتهم على فصائل العمل الوطني الفلسطيني على اختلافها. ليس فضل وحده من تعرض للاعتقال والمطاردة إنما أعمام ليث، نايف وجمعة وعبد الرحمن وخالد وعماد ويوسف وسفيان ونسيم ومحمد. كلهم تعرضوا للاعتقال بتهم انتمائهم إلى فصائل العمل الوطني الفلسطيني. وفي سنين الانتفاضة الأولى، اجتمع أربعة إخوة من أعمام الشهيد ليث في سجون الاحتلال.

ملاحق منذ سبعة عقودٍ
إذاً، الشهيد ليث، وهو ابن الجيل الثالث للنكبة، لم يأتِ من فراغٍ، وليس وليد اللحظة. هو سليل مركّبٍ ثقافيّ واجتماعيّ تبلور خلال سبعة عقود من القهر والظلم والمعاناة التي كابدتها عائلته بامتدادها، ومعها آلاف العائلات الفلسطينية التي هُجّرت من بيوتها وأراضيها. سبعة عقودٍ تشكّل خلالها وعي النكبة والمخيم، ليصبح المركب الثقافي الاجتماعي الحاضن لوعي الجيلين الثاني والثالث من أجيال النكبة. الأم سمر الخياط والأب فضل، عانيا قهر المخيم وفقره، مثلما عانى الأب السجن والمطاردة والقمع. لم تكن أمامهما خيارات تربوية بديلة أو "طبيعية " تشبه الحياة في أماكن أخرى - أيّ من دون احتلال - ليقدماها إلى ابنهما الشهيد. فليس بالإمكان تجاهل المحيط العام الذي يتميز برزوح الآلاف من الناس في السجون الإسرائيلية، والاقتحام المتكرّر لمدنه وقراه ومخيماته بشكل يوميّ، ومصادرة أراضيه والحرمان منها، لا بل وقتل أبنائه وتقطّيع طرقه بحواجز لا أول لها ولا آخر. فحتى لو أراد المرء أن يربّي أبناءه بصورة طبيعية وبعيدة عن التجليات اليومية للاحتلال، سيفشل حتماً.
الشهيد الغضّ ليث استفزته وأحرقت قلبه صور حرق الطفل علي دوابشة على أيدي مجموعة من القتلة، كما استفزه وأحرق قلبه قبل عام منظر إحراق الشهيد محمد أبو خضير حياً في القدس. ذهب أعزل إلا من إرادة التضامن والتعبير عن مشاعره الغاضبة على جرائم الحرق. لم يكن ليث مسلحاً، والقاتل لم يكن في خطر، فهو محصن في برج مرتفع ثمانية أمتار على الأقل، لا يمكن لحجارة ليث أن تطاله. لكن قرار القتل كان جاهزاً، وأداة القتل هي الأحدث في العالم ولا تحتمل الخطأ.
ليث فضل الخالدي، ابن الخامسة عشرة، صاحب الوجه الوسيم، الإبن الثالث في عائلة مكونة من ولدين وبنتين - يزن وتالا ولور. لديه شغف رياضيّ عميق واهتمامات كبيرة، خصوصاً في كرة القدم العالمية. قيل عنه أنه ملمّ بصورة تفصيلية بتاريخ هذه اللعبة العالمية ولاعبيها. غير أن شغفه هذا لم يمنعه من التفكير في مستقبله الجامعي، فهو من الطلبة المتفوقين في دراسته. كان مصراً على دراسة القانون بعد الانتهاء من الثانوية العامة.
خلال سنوات الإنتفاضة الأولى، شنّت سلطات الاحتلال حملةً مسعورة قوامها الاغتيالات والاعتقالات والمطاردة لنشطاء الإنتفاضة، من جميع التنظيمات. وكان نصيب الخالدي - الأب الاعتقال الإداري المتكرّر. وبين الاعتقال والآخر، كانت تلاحقه المطاردة المحمومة من دون إغفال احتمال الاغتيال الذي لازم جدول أعمال القاتل ذاته. نجا فضل من الموت في الإنتفاضة الأولى بالصدفة. وبالصدفة، نجا والد فضل من الموت في حادثة شاحنة النكبة التي قتل فيها الأخ والأخوات الثلاث وأصيب الأب والعمّ. لكن حتماً، لم يكن قتل ليث صدفةً أو خطأ. ففي اليوم نفسه الذي اعتذر فيه بنيامين نتنياهو عن حرق الطفل علي دوابشة وتوعّد الفاعلين بالملاحقة، قُتل ليث برصاص جيش الاحتلال.