| 

كما يعرف الجواهرجي من ألماساته، يعرف إلياس خوري من رواياته ومقالاته. له في الرواية 11 عملاً تمت ترجمتها إلى اللغات الإنكليزية، والفرنسية، والألمانية، والعبرية، والبرتغالية، والإيطالية، والكاتالانية، والإسبانية، والسويدية والنروجية، وسواها! قصص قصيرة، كتب في النقد، ناهيك عن المقالات الصحافية والدورية. في كلمات إلياس خوري العربية، يمكن للمرء أن يتلمس قصة الفرد، العصابة، الوطن، الأمل، وقسوته.
في الجلسة مع إلياس خوري، لن يمرّ وقتٌ قبل أن يكتشف المرء كمّ الشجاعة والجرأة الموجود في داخل هذا الانسان.. كمٌّ يذكّر بما يُروى عن صلابة أشجار الزيتون المزروعة في فلسطين المحتلة، وثقتها بهويتها وأحقيتها. كيف لا، وهو الذي كرّس منظومة حياته الأدبية والصحافية والنضالية في سبيل ان ترفع فلسطين كأس العدالة والحرية. قد تختلف مع إلياس خوري في بعض مواقفه، وقد تتماهى تماماً مع حدّة الحريّة التي يطالب بها لنا جميعاً. ولكنك لا تستطيع إلا أن تسجّل احترامك واعجابك بهذا الرجل الذي قدّم لقرّاء العالم "باب الشمس"، التي وصفتها "لوموند" الفرنسية بأنها "تختصر بامتياز سيرة الشتات الفلسطينيّ"، وهي كائنه الأدبيّ الأعزّ على قلبه، وقد رسخت في كلّ من قرأها حباً متيناً لفلسطين.
إلياس خوري، المتأهل من السيدة نجلا جريصاتي ووالد عبلة وطلال، هو ضيف "ملحق فلسطين" في عدده هذا. إذ قصدناه في مركز عمله الراهن في "مؤسسة الدراسات الفلسطينية"، رئيساً لتحرير مجلتها الدورية، وكان لنا معه هذا الحوار.


• حدّثنا عن المكان الذي ولدت فيه، وأثره على حياتك؟
ولدت في الأشرفية في تموز/يوليو العام 1948، وكانت المنطقة التي ولدت فيها ذات طبيعةٍ جميلة. كانت تكثر فيها الحدائق، ما سمح لنا نحن الأطفال بأن نلعب ونلهو من دون أية عوائق، على امتداد المساحات الخضراء. كان بيتنا تحديداً محاطاً بعددٍ كبير من أشجار اللوز والبلح وغيرها مما كان يكسبه منظراً خلاباً عن بعد. وكانت عائلتنا تعدّ من العائلات المحافظة والمتماسكة، وكان كلّ مَن فيها يهتم بالمطالعة. حتى أن جدتي كانت تحفظ عدداً كبيراً من أبيات الشعر الجاهلي، وكانت تتلوه علينا، ما أكسبني نزعةً نحو الأدب. وأذكر أن منزلنا حوى كلّ كتب تاريخ العرب لجرجي زيدان، فقرأتها كلها وأنا صغير. ما كان له أثرٌ في تكوين وعيي العربيّ. إلى ذلك، كانت أجواء بيتنا متديّنة، ولكن من دون تعصّب. وكنا نقرأ القرآن كما كنا نقرأ الإنجيل. وكان والدي، عندما يغضب من أمرٍ ما ، يروح يكرّر عبارة: "الله أكبر" لتنفيس غضبه.
كانت الأشرفية في ذلك الوقت عابقةً بروح القومية العربية وحبّ جمال عبد الناصر. وأذكر أن أول منشورٍ سياسيّ قرأته، كنت قد وجدته على باب الكنيسة في الأشرفية، وكان يدعو إلى تاييد جمال عبد الناصر. لكن هذه الاجواء ما لبثت أن تراجعت في أعقاب أحداث العام 1958، مع سيطرة "حزب الكتائب" و "الحزب السوري القومي الإجتماعي" على الأشرفية، لتحلّ محلها أجواء مناقضة تماماً كانت تدعو إلى تأيييد الأحلاف الغربية.


"هزيمة ناصر، خيانة شخصية لي"
• في المدرسة، كانت بداية احتكاكك بالنضال المطلبي وبالقضية الفلسطينية. أخبرنا عن تلك المرحلة.
في مدرسة "الراعي الصالح" في الأشرفية حيث تعلمت، تعرّفت للمرة الأولى على زملاء لي فلسطينيين، وذهبت لزيارتهم في منازلهم في مخيم مارالياس. وكانت المرة الأولى التي أدخل فيها مخيماً للاجئين الفلسطينيين في لبنان. خرجت من هذه الزيارة وقد تملكني إحساسٌ بضرورة دعم اللاجئين ومساعدتهم في العودة إلى وطنهم.
وفي مدرسة "الراعي الصالح"، نظّمنا تظاهرة كبرى دعماً لمطالب الجامعة اللبنانية فمشينا نحوها، وكان على رأس التظاهرة الشيوعيون والقوميون العرب، وألقيت كلمة دعوت فيها إلى دعم مطالب الجامعة اللبنانية. وكانت نتيجة هذه التظاهرة أنني طُردت من المدرسة لمدة اسبوع، وكان ذلك في العام 1964.
وفي العام 1966، شاركت في تظاهرة كبرى أيضاً، ولكن هذه المرة استنكاراً لاعتقال جلال كعوش، ومن ثم تصفيته على يد مخابرات الجيش اللبناني بطريقة وحشية. إذ تردّد حينها أنه قد تعرّض للسحل. وكان كعوش أول شابٍ لبنانيّ يلتحق بالعمل الفدائيّ الفلسطينيّ، بعد تأسيس "منظمة التحرير الفلسطينية". هذه التظاهرة تصدّى لها الجيش اللبناني عند "ثكنة الحلو"، وقامت عناصره بإطلاق النار على المتظاهرين، ما أدّى إلى صدام بيننا وبين العناصر العسكرية. بعد هذه التظاهرة، أصبحنا نقوم بجمع التبرعات لـ "حركة فتح" من أجل دعم مجهودها الحربيّ في مقاتلة العدو الصهيوني. وفي إحدى المرات، بينما كنت أجمع التبرعات، اعتقلتني عناصر مخابرات الجيش اللبناني، ونقلوني إلى "مخفر حبيش"، ونلت هناك قسطاً وافراً من الضرب المبرح على أيدي عناصر المخفر، قبل أن يطلقوا سراحي.
ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي يتم اعتقالي فيها بسبب تأييدي للمقاومة الفلسطينية. ففي اعقاب نكسة العام 1967، نظمّنا أيضاً التظاهرات تأييداً للعمل الفدائيّ ورفضاً للهزيمة. هذه التظاهرات لم تعجب السلطة اللبنانية، فأرسلت قواها الأمنية لاعتقالنا. في "مخفر حبيش" أيضاً، حيث جرى توقيفي مع عدد من المتظاهرين، جاءنا أحد الضباط، وراح يطلب منا ان نهتف: "عاش لبنان". تجاوب البعض معه، أما أنا فرفضت أن اهتف. وعندما سالني عن السبب، أجبته بأن الهتاف للبنان لا يكون تحت الضغط. فغضب وثار وقال لي: "انت لبناني يا أخو..."، وانهال عليّ ضرباً.
وفي السياق نفسه، أذكر أيضاً، قبل هذه التظاهرة، نزلنا أيضاً مهللين للجيوش العربية بعدما صدّقنا الأنباء الكاذبة التي كانت تردنا من الإذاعات العربية عن انتصارات تحققها هذه الجيوش على جبهات القتال. وما زلت أذكر كيف عدت إلى المنزل بعد إحدى هذه التظاهرات وأنا فرح بالأخبار التي تتحدث عن هزيمة إسرائيل، لأجد والدي وقد لفّه الحزن والأسى. سألته عن السبب، فقال لي أن إسرائيل قد استولت على الضفّة الغربية. لم أصدّق في بداية الأمر، ولكن الخبر ما لبث أن تحوّل إلى صدمة لما أعلن جمال عبد الناصر استقالته من الحكم، ثم عاد عن هذه الإستقالة تحت ضغط الشارع الذي طالبه بالبقاء في مسؤولياته. شخصياً، لم أفرح بعودة عبد الناصر عن استقالته، وأنا الذي كنت أحبه كثيراً ومازلت. ومن كثرة حبّي له، اعتبرت أن هزيمته في الحرب هي خيانة شخصية لي.
"مرحباً أبا جهاد، أريد أن أكون فدائياً"
• هزيمة 1967 قادتك إلى معسكرات الفدائيين في الأردن. كيف حدث ذلك؟
كانت هزيمة 1967 نقطة تحوّلٍ في حياتيّ، فاتخذت على إثرها قراراً بالذهاب إلى الأردن، والإلتحاق بصفوف الفدائيين في "حركة فتح". وبالفعل، نفّذت هذا القرار على الرغم من معارضة والدي. لم اكن اعرف أحداً في الأردن لما ذهبت، فاستقليت سيارة أجرة على باب المطار، وطلبت من سائقها أن ياخذني إلى إحدى قواعد الفدائيين. ذهل السائق من طلبي، وصودف أنه كان فلسطينياً. فطلب مني التنبّه من السائقين، وخاصة الأردنيين، إذ كان معظمهم يتعاون مع جهاز المخابرات الأردني. أخذني السائق إلى منطقة "السلط"، وأنزلني بالقرب من أحد البيوت الذي كان يستعمل قاعدة للفدائيين. طرقت الباب، ففتح لي شخصٌ. عرّفته بنفسي، وشرحت له الغاية من قدومي. فأدخلني إلى المنزل، وضيّفني كوباً من الشاي. كان هذا الشخص هو خليل الوزير (أبو جهاد). وبعدما استمع إليّ، حاول ثنيي عن قراري واقناعي بالعودة إلى لبنان، خاصةً بعدما عرف مني أنني بعيدٌ كلّ البعد عن كلّ ما له علاقة بالسلاح وأمور السلاح. ولكنني أصريت على طلبي.
في أثناء النقاش، حضر شخص آخر، جلس معنا، واشترك في النقاش. فعرفني عليه أبو جهاد بأنه يدعى الختيار (ياسر عرفات). منذ ذلك التاريخ، تولّد لدي اعجاب خاص بخليل الوزير، ونشأت صداقة بيننا استمرت حتى آخر يومٍ من حياته. كان خليل الوزير شخصاً متواضعاً جداً، وكان يهتم بالتركيز على التفاصيل. بالإضافة إلى ذلك، كان يتميّز بانفتاحه الفكري. إذ كان يعتبر أنه لا ضير في أن تكون قومياً أو ماركسياً أو ماوياً أو إسلامياً، وتعمل في صفوف "حركة فتح"، ما دمت مؤمناً بقضية تحرير فلسطين. وفوق ذلك كله، كان قائداً عسكرياً بكلّ ما في الكلمة من معنى.
بعد ذلك، تم إرسالي إلى معسكر "الهامة" في سوريا، حيث التحقت بدورة عسكرية عدت بعدها إلى الأردن حيث تنقلت بين عدد من قواعد الفدائيين. بعدها، عدت إلى بيروت، وتوليت مسؤولية ضابط إرتباط في "حركة فتح" ما بين القيادة الفلسطينية في بيروت والقواعد التابعة لها في الجنوب. كان سهلاً عليّ تولي هذه المهمة، كوني لبنانياً بالدرجة الأولى، ومسيحياً بالدرجة الثانية. فحواجز الجيش اللبناني المنتشرة بين بيروت والجنوب لم تكن تشكّ بأمري.
في أعقاب أحداث أيلول 1970 في الأردن ومجيء القيادات الفلسطينية من الأردن إلى بيروت، حدثت عدّة تطورات داخل "حركة فتح". إذ قام ياسر عرفات بشطب "تنظيم حركة فتح في بيروت". وكنت في ذلك الوقت لا أزال طالباً في الجامعة اللبنانية، فقررت إثر ذلك الذهاب إلى فرنسا لمتابعة دراستي في مادة التاريخ الإجتماعي.
• ما هي قصة صدامك مع بشير الجميل آنذاك، بسبب تأييدك للقضية الفلسطينية؟
في تلك الفترة، كانت مؤشرات الحرب الأهلية اللبنانية قد بدأت بالظهور، من خلال العلاقات المتوترة بين الأحزاب اليسارية والمنظمات الفلسطينية من جهة والأحزاب المسيحية اليمينية من جهة أخرى، وفي طليعتها "حزب الكتائب اللبنانية" الذي كان بشير الجميل يتزعم قواه الشبابية والطلابية. وكنت أنا وبشير قد تناظرنا في ندوة أقيمت في "المركز الثقافي الجامعي" في منطقة البسطة التحتا، وكان يرأسه الأب سليم عبو. كان نقاشنا عنيفاً وصاخباً، وكان ذلك في العام 1967. بعدها، حدث صدامٌ آخر في العام 1969، عندما قامت المجموعات اليسارية في "مدرسة الآداب العليا"، وكان مقرها على طريق الشام، بتنظيم تظاهرة دعم للمقاومة الفلسطينية، ولم يكن اتفاق القاهرة قد وقّع بعد. هذه التظاهرة تصدّى لها "الكتائبيون" بالعصي والجنازير، وكانوا بقيادة بشير الجميل وميشال سماحة.
"خلقتُ لأكون كاتباً": أدونيس، ثم درويش
• أين عملت عند عودتك من فرنسا، وكيف تشكّلت المرحلة التالية من نضالك؟
بعد عودتي من فرنسا، بدأت العمل في "مركز الأبحاث الفلسطينية" في العام 1971، وهناك بدأت علاقتي الجديّة بعالم الأدب. ولكن، قبل ذلك، وكما قلت لك سابقاً، كنت قد نشأت في بيتٍ يقبل أفراده على المطالعة بشغف. وأنا شخصياً، منذ أن كنت طفلاً في الثامنة من عمري، كنت أشعر بأنني خلقت لأكون كاتباً. إذ كنت كلما أعجب برواية أقرأها، أتخيل أنني الكاتب. وحتى أنني عندما كنت أذهب إلى قواعد الفدائيين في كفرشوبا، وهي على بعد رمية حجر من مواقع جنود الاحتلال في فلسطين، كنت آخذ معي كتباً لأقرأها. فكان بعض المقاتلين يتعجبون مني، ويعلقون أحياناً على الموضوع بسخرية. وفي أثناء عملي في "مركز الأبحاث الفلسطينية"، كنت قد بدأت بتأليف روايتي الأولى، بينما أكتب مواضيعي في النقد الأدبي في مجلة "شؤون فلسطينية". وفي العام 1973، بدأت بكتابة بحث بعنوان "تجربة البحث عن أفق: الرواية العربية بعد هزيمة حزيران".
لقي البحث قبولاً في "مركز الأبحاث" فجرى طبعه في كتاب. وكان هذا الكتاب هو كتابي الأول، وقد صدر في العام 1974. في ذلك الوقت، كنت قد أنجزت كتابة روايتي الأولى "عن علاقات دائرة"، وذهبت بها إلى "دار الآداب" لصاحبها الأديب الكبير سهيل ادريس. لم يكن سهيل قد سمع بي من قبل أو قرأ شيئاً من كتاباتي، فوعدني بالاتصال بي بعد أن يقرأ الرواية. ولكن الوقت طال ولم يتصل، فاعتقدت بأنه لن يفعل. ولكن، بعد فترة، فوجئت به يتصل، ويطلب مني الحضور لمقابلته في مقر الدار في منطقة اللعازارية. وقّعت عقداً مع سهيل لنشر الرواية، وبعد توقيع العقد، اعطاني سهيل خمسين ليرة لبنانية هي بدل حقوقي المادية من نشر الرواية. شكرته وطلبت منه أن يعطيني بعد ليرة واحدة. فسألني عن السبب، فأجبته: "لأنني أريد الذهاب إلى محل "رد شو" للأحذية في منطقة الحمراء، وشراء حذاء أعجبني ثمنه يوازي ثمن ما قبضته منك، والليرة هي لأنني لا أملك أجرة السرفيس". ضحك سهيل طويلاً عندما سمع طلبي، وقال لي بلهجته البيروتية: "هلق الأدب صار صبابيط؟!". وقام باعطائي ما طلبت، ولكن اللافت هنا أن سهيل ادريس لم يقبل نشر الرواية لأنها أعجبته، وهو قال لي ذلك صراحة، بل لأنه توقّع لي أن اصبح مستقبلاً كاتباً ذا شأن كبير.
• وكيف تطوّرت صلاتك وتوالت كتابتك بعد هذه اللحظة؟
في أثناء كتابتي مقالات في النقد الأدبي في مجلة "شؤون فلسطينية"، اتصل بي الشاعر الكبير أدونيس، وعرض علي أن أكون عضواً في هيئة تحرير مجلة "مواقف" التي كان يشرف على تحريرها مع زوجته خالدة السعيد. أسعدني العرض جداً، ولم أتردّد في قبوله، خاصةً أن مجلة "مواقف" كانت في ذلك التاريخ من أهم المجلات الأدبية في لبنان والعالم العربي. وكانت هيئة التحرير تضمّ أسماء من الوزن الثقيل من أمثال هشام شرابي وصادق العظم، وأنا لم يكن لي من العمر في ذلك الوقت أكثر من ثلاثةٍ وعشرين عاماً. وبقيت لفترة أشعر بالرهبة عندما أجلس في اجتماعات التحرير إلى جانب هؤلاء العمالقة. في تلك المرحلة، حضر محمود درويش إلى بيروت، واستقر فيها، وانضم إلى أسرة "مركز الدراسات الفلسطينية"، ومن ثم إلى اسرة تحرير مجلة "مواقف". ومع الوقت، تحولت علاقتي بمحمود إلى صداقة عميقة، وترافقنا في الكثير من المواقف والاحداث، ولاسيما في الفترة التي كان فيها محمود رئيساً لتحرير مجلة "شؤون فلسطينية" وأنا سكرتيراً لتحريرها. وفي هذا المناخ، كتبت روايتي "الجبل الصغير" في العام 1978، وموضوعها الحرب اللبنانية.
على فكرة، هي الرواية الأولى التي تحكي عن الحرب اللبنانية، وقد ترجمت إلى عدّة لغات. ومنذ ذلك التاريخ، دخلت فعلياً في عالم كتابة الروايات.

"عزل "الكتائب" حماقة كبرى"
• ربما يمكن إطلاق عليك لقب "المهجّر رقم واحد" في الحرب اللبنانية، أيضاً. ما هي قصة تهجيرك من الأشرفية؟
في 13 نيسان العام 1975، نشبت الحرب اللبنانية. بدأت بحادثة البوسطة في عين الرمانة، وفي اليوم التالي لهذه الحادثة، جاء جارنا إلى منزلنا في الأشرفية وقال لي أن عناصر "كتائبية" تسأل عني. فهم والدي الرسالة وقام على الفور بوضعي في سيارته، وذهب بي إلى منطقة الحمراء. قضيت أيامي الأولى في الحمرا في شقة محمود درويش. بعد ذلك، استأجرت منزلاً خاصاً بي في منطقة الحمرا أيضاً. سكني في المنطقة الغربية من بيروت استمر حتى انتهاء الحرب الأهلية في العام 1990. خلال تلك الفترة، توفيت والدتي ولم أتمكن من المشاركة في تشييعها بسبب الظروف الأمنية.
خلال سكني في المنطقة الغربية، دعيت للمشاركة بندوة في منطقة انطلياس، فاعتذرت عن تلبية الدعوة خوفاً من أن تتعرّض لي مليشيا "القوات اللبنانية". كان ذلك في العام 1986. ولكن منظمي الندوة أصرّوا على حضوري، وتعهدوا بتأمين سلامتي. ذهبت إلى انطلياس، وبعد انتهاء الندوة، قمت بزيارة والدي في الأشرفية وكان مريضاً في المستشفى. وفي اليوم التالي، تلقيت اتصالاً من مليشيا "القوات اللبنانية" أبلغتني فيه عدم ممانعتها تردّدي على المنطقة الشرقية، شرط عدم قضاء الليل فيها، وذلك خوفاً على حياتي. وهنا، أود أن أقول أنه على الرغم أن "الكتائب" هجّرتني من منزلي، فأنا وقفت مع التيار في "حركة فتح" الذي كان ضد فكرة عزل "الكتائب"، وكان هذا التيار يعتبر أن رفع شعار "عزل الكتائب" هو حماقة كبرى.
• أنت ممن حملوا السلاح في "حرب السنتين". ما هي أبرز الأحداث التي مرّت بك في تلك الفترة؟
خلال فترة "حرب السنتين"، حملت السلاح مع "حركة فتح"، ونزلت إلى منطقة وادي أبو جميل، حيث توليت أنا ورفاق لي مهمة حماية اليهود القاطنين في تلك المنطقة. وخلال تلك الفترة أيضاً، جرت حادثة تركت في نفسي أثراً عميقاً، وهي مقتل صديقي طلال رحمة. كان طلال رئيساً للقسم الثقافي في مجلة "الحوادث"، وكان رأيه دائماً أن المثقفين يجب ألا يحملوا السلاح، أو يذهبوا إلى خطوط القتال. قبل مقتله بيوم واحد، جاء يلومني على حملي السلاح. وفي اليوم التالي، قتل برصاصة قنص في أثناء اصطحابه لمجموعة من الصحافيين في جولة على خطوط التماس بين منطقتي الشياح وعين الرمانة.
أمرٌ بالاعتقال أصدره "الختيار"
• على الرغم من تأييدك لـ "حركة فتح"، فإن أبو عمار حاول اعتقالك. ما هي قصة تلك الحادثة؟
حدث ذلك في العام 1979، وكنت يومها أمارس عملي كالمعتاد في مجلة "شؤون فلسطينية". حضرت مجموعة تمثل "منظمة التحرير الفلسطينية" برئاسة الأخ أحمد الأزهري، إلى مكتب المجلة، وطلبت مقابلتي. كانت الغاية من هذه المقابلة إجراء تحقيقٍ معي على خلفية مقالٍ نشر في المجلة ولم يعجب ياسر عرفات، فأصدر أمراً بالتحقيق معي. رفضت الإجابة على أسئلة اللجنة، وقلت لأعضائها: "أنتم تمثلون منظمة التحرير الفلسطينية، وأنا لبناني. لذا، لا يحق لكم التحقيق معي. ولو كنتم تمثلون "حركة فتح" التي أنتمي إليها، لكنت حاضراً للإجابة على أي سؤال تريدون. لم تعجب إجابتي هذه أحمد الأزهري، واعتبرها استفزازاً للجنة، فغادر المجلة وعلامات الإنزعاج بادية عليه. في الليلة ذاتها، كنت مدعوا على العشاء في منزل محمود درويش عندما أتاني اتصالٌ من زوجتي أبلغتني فيه أن منزلنا مطوق من عناصر فلسطينية، وأن المسؤول في "حركة فتح" راسم الغول بانتظاري في الخارج لاصطحابي لمقابلة ياسر عرفات. حاولت أنا ومحمود الاتصال بعدد من القيادات الفلسطينية لمعرفة ما يجري بالضبط، فلم نوفق بالعثور على أي منها. وأخيراً، وبعد عدة محاولات، تمكنا من الاتصال بصلاح خلف (أبو اياد) الذي قام بدوره بالاتصال بياسر عرفات، قبل أن يعاود الاتصال بي في منزل محمود درويش ليبلغني أن القصة انتهت وأن ياسر عرفات قد صرف النظر عن عملية استدعائي. اطمأنيت إلى كلام أبو اياد، وذهبت إلى منزلي. عند وصولي، وجدت أن المنزل مازال مطوقاً. فذهبت مباشرةً إلى منزل أبو اياد وطلبت منه اصطحابي لمقابلة ياسر عرفات، وقلت له: "لا مانع لدي في اعتقالي، ولكن يجب الإنتباه أنه حال عرفت وسائل الإعلام بالأمر، سيكون له انعكاس سلبي جداً على عائلتي في المنطقة الشرقية التي هي أصلاً مضطهدة هناك بسبب مواقفي السياسية. فما بالك إذا انتشر خبر اعتقالي؟ عندئذ، سيرتد الأذى المعنوي عليها أضعافاً مضاعفة. استمع أبو إياد إلى كلامي باهتمام، واتصل فوراً بياسر عرفات، وسأله عن سبب بقاء القوة مرابطة تحت منزلي على الرغم من أنه قد وعد بسحبها. حاول ياسر عرفات التملص من الموضوع وقام بابلاغ أبو اياد بأن لا علاقة له بالقوة الموجودة هناك. فأجابه ابو اياد بانه سيقوم بارسال من يقوم بضرب هذه العناصر إذ ربما تكون إسرائيل هي التي أرسلتها لاعتقال الياس خوري! وعندما سمع أبو عمار هذا الجواب، رد على الفور بأنه سيصدر أمراً بسحبها. رد فعلي على هذه الحادثة كان تقديم استقالتي من "مركز الأبحاث الفلسطينية". وبعد تقديمي لهذه الاستقالة، ذهبت لمقابلة ياسر عرفات بناءً على طلبه. لم يكن ياسر عرفات مسروراً من هذه الاستقالة، وتمنّى عليّ العودة عنها، ولكنني رفضت وقلت له: "أنا لا أستطيع أن أكون معك لأنه ليس بمقدوري معارضتك". تضامن مع موقفي هذا محمود درويش، الذي قام بدوره بتقديم استقالته من "مركز الأبحاث الفلسطينية"، وسافر إلى تونس حيث عمل هناك لمدة عام.
اختفاء "الوجوه البيضاء"..
• سفرك إلى الولايات المتحدة جاء في وقتٍ اشتدّت عليك الضغوط أكثر. حدّثنا عن تلك المرحلة.
بعد تركي للعمل في "مركز الأبحاث الفلسطينية"، ذهبت للعمل في جريدة "السفير"، واستلمت مسؤولية إصدار صفحات أدبية ضمن الجريدة. وفي تلك الأثناء، عاد محمود درويش من تونس، وعرض عليّ التعاون معه في إصدار مجلة ادبية، فوافقت، وكان اسم المجلة "الكرمل". عملي في "السفير" لم يُكتب له الإستمرار طويلاً، فقدمت استقالتي على خلفية التباين في الرأي مع إدارة الجريدة حول الموقف من الوجود السوري في لبنان، وكنت من المعارضين له. كان ذلك في العام 1981.
بعد تركي "السفير"، ذهبت إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث علّمت لمدة عامٍ في جامعة "كولومبيا". هناك، تعرّفت إلى المفكّر الفلسطيني الكبير إدوار سعيد. كان أحد الأسباب التي دفعتني إلى اتخاذ خيار السفر هو أنه في العام نفسه، كنت قد اصدرت روايتي "الوجوه البيضاء"، واعتبرت في حينه من أجرأ الروايات التي تتحدث عن الحرب اللبنانية، وكانت تتضمن انتقاداً لمجزرة الدامور الشهيرة في العام 1976، والتي حمّلت مسؤوليتها للفلسطينيين. وأنا كنت من الذين اختلفوا مع أبو عمار بشدّة، بعد مجزرة الدامور.
ما أن صدرت الرواية حتى اختفت من الأسواق، ولم يتسنَ لي معرفة الأسباب في حينه، مع أنه كان لدي إحساس بأن هناك يداً فلسطينية وراء الموضوع. شعرت بأنه بات عليّ الإبتعاد عن لبنان لفترةٍ من الزمن ريثما تهدأ الأجواء، خاصةً أن المخابرات السورية كانت في تلك الفترة قد بدأت تنزعج من معارضتي للوجود السوري في لبنان، شأني في ذلك شان معظم الفلسطينيين الموجودين على الأراضي اللبنانية.
حقيقة إختفاء الرواية من الأسواق بانت لي كاملة بعد ثمانية عشر عاماً، عندما التقيت في تونس بصاحب دار النشر التي تولت إصدار الرواية، وكان مشرفاً على الموت، فاعترف لي بأن ياسر عرفات قد أرسل من يطلب منه سحب الرواية من الأسواق تحت طائلة المسؤولية.
• هل أضعفت هذه المواقف إيمانك بقضية فلسطين؟
كلا، هذه المواقف لم تضعف ايماني بقضية الشعب الفلسطيني، ولا بـ "حركة فتح"، التي بقيت أعتبر أنها تمثّل طليعة النضال الفلسطيني والعربي.
خارج الصحف..
• بعد عودتك من الولايات المتحدة، عملت مجدداً في الصحافة اللبنانية. كيف خرجت منها؟
بعد عودتي إلى بيروت، كتبت سبع مقالات بعنوان "زمن الاحتلال"، تتناول الاحتلال الاسرائيلي للبنان. ذهبت بها إلى جريدة "السفير"، وطلبت من رئيس تحريرها الأستاذ طلال سلمان نشرها. وافق، وبعدما نشرت هذه المقالات، أصدرتها في كتاب بعنوان "زمن الاحتلال". أعجب طلال سلمان بهذه المقالات، فطلب مني العودة الى "السفير"، واستلام الصفحة الثقافية، في العام 1983. خلال فترة رئاستي للصفحة الثقافية، كنت اكتب مقالين في الأسبوع في زاوية "زمن الاحتلال"، وأذكر أيضاً أننا أصدرنا ملحقاً عن مقاومة الإحتلال الإسرائيلي في لبنان. وقتها، كانت بيروت تمرّ بظروفٍ صعبة امنياً وسياسياً، وكانت حرية الرأي بالنسبة إلى المقاومين ومن يؤيدهم غير متاحة بسهولة. بقيت في "السفير" حتى العام 1991، لما قامت حرب "عاصفة الصحراء" بقيادة أميركا، وكان هدفها إخراج قوات صدام حسين من الكويت بعدما غزتها في آب/أغسطس 1990. شارك في الحرب ضد صدام حسين عددٌ من الدول العربية، من بينها سوريا. لم أقتنع بالتبريرات التي أعطاها نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام لمشاركة قوات بلاده في هذه الحرب، فكتبت مقالاً في "السفير" في زاوية "على الأقل"، انتقدت فيه بشدة مشاركة سوريا في هذه الحرب. وكان هذا المقال سبباً في تركي العمل في "السفير".
ما أن علم غسان تويني باستقالتي من "السفير" حتى اتصل بي ودعاني للعشاء في منزل جانين ربيز في رأس بيروت. قضينا السهرة أنا وغسان في جدالٍ حام، ولم نتفق خلالها على أيّ رأي. وخرجت من منزل جانين ربيز مقتنعاً بأن فرصة عملي في "النهار" قد ضاعت. ولكن، بعد عدّة أيام، اتصل بي غسان تويني ودعاني لتناول فنجان قهوة في مكتبه. وخلال اللقاء، طلب مني المباشرة بإصدار "الملحق الثقافي" في جريدة "النهار". فاشترطت للقبول ألا تكون حريتي مقيدة. فوافق، ولم يخل بهذا الاتفاق طيلة فترة ترؤسه لتحرير الجريدة. ولكن، بعد تسلم ابنه جبران مكانه، بدأت الظروف تتغير، ولم أعد مرتاحاً في عملي. كان جبران يسعى إلى تقييد آرائي حفاظاً على مصالح الجريدة السياسية والمادية، ولاسيما مع آل الحريري. هذه التوجهات الجديدة من قبل إدارة الجريدة دفعتني إلى تقديم استقالتي عدّة مرات. وفي كلّ مرة، كان غسان تويني يتدخل لإقناعي بالاستمرار في مهامي، وكنت أستجيب لطلبه. استمرّت علاقتي مع إدارة "النهار" بين مدّ وجزر إلى أن حلّت السيدة نايلة تويني مكان والدها المرحوم جبران في رئاسة تحرير "النهار"، فقامت بطردي من الجريدة من دون أن تكلّف نفسها عناء إبلاغي بالقرار رسمياً. قرار طردي من "النهار" علمت به من الصحف.. فكيف تكلّف نفسها عناء إبلاغي بالقرار، وهي الكاتبة العظيمة بينما أنا الصحافي والكاتب المبتدئ؟
بقرب سرير محمود درويش
• لك حكاية مؤثرة مع محمود درويش. هل لك أن ترويها لنا؟
كان محمود درويش مثقفاً كبيراً وشاعراً استثنائياً وشخصاً على درجة كبيرة من كرم النفس والأخلاق. وقد استطاع بناء علاقة معقّدة مع السلطة الفلسطينية، وعلى رأسها ياسر عرفات. وعلى الرغم من صداقتنا الحميمة، كنا نختلف في الرأي حول موضوع السلطة الفلسطينية. فقد كان رأيي أنه لا يكفي أن تكون شاعراً عظيماً بل يجب أن تأخذ موقفاً تجاه السلطة، بينما محمود لم يأخذ موقفاً نقدياً من السلطة الفلسطينية إلا بعد توقيعها اتفاقية "أوسلو" في العام 1993. وأذكر أني قلت في أحد مقالاتي أن محمود درويش هو "شاعري الشخصي". وبالمناسبة هنا، فقد كانت حافظاً لأشعاره أكثر منه. وأذكر هنا، أنه في أثناء مرضه في العام 1998، أتاني اتصال من مسؤولة "منظمة التحرير" في فرنسا ليلى شهيد، وهي صديقة منذ أيام الطفولة، طلبت مني فيه الحضور إلى فرنسا لزيارة محمود في المستشفى، وكان وضعه الصحي صعباً للغاية. كان محمود في غرفة العناية الفائقة، وقد جرى تخديره حتى يستطيع تحمّل الدواء الذي أعطي له. هذا الوضع أدى إلى حصول نوع من الهلوسة عنده. كان إبني معي في أثناء الزيارة، وعندما وجدت محمود على هذه الحال، طلبت منه أن يخرج من الغرفة، وكان لا يزال يومها في الثامنة عشرة من عمره. ولكن اللحظة الأشد تأثيراً بي في هذه الزيارة كانت لما التفت إلى سرير محمود، فوجدت إلى جانبه روايتي "باب الشمس". هذه الواقعة أخفيتها عن الجميع إلى أن ذكرها هو في مذكراته: "في حضرة الغياب".
قرية "باب الشمس".. ومقابلة "هآرتس"
• رواية "باب الشمس" دخلت حيّز الواقع أيضاً..
نعم، هذا صحيح. القصة بدأت لمّا حاول الإسرائيليون مصادرة إحدى التلال في منطقة القدس، تمهيداً لتحويلها إلى مستوطنة. فتصدّى لهم شباب مقدسيون، وقاموا بالصعود إلى التلة، وأقاموا عليها الخيم، وأعلنوها قرية فلسطينية، أسموها "باب الشمس". صمدوا فيها لعدّة أيام قبل أن يقوم جنود العدو باجتياحها، وهدم الخيم، وطرد المعتصمين منها. هؤلاء الشباب تواصلوا معي في ما بعد، وللتعبير عن مدى تأثرهم بهذه الرواية، قاموا بإعلاني مواطناً في قرية "باب الشمس"، ومنحوني جنسيتها. وفي خطوة أخرى دالّة على موقع هذه الرواية من كفاح الشعب الفلسطيني، قام شباب فلسطينيون أيضاً بتأسيس قرية "أحفاد يونس"، في مواجهة المستوطنين الصهاينة. يونس هو بطل رواية "باب الشمس".
• قامت القيامة عليك بسبب أعطائك مقابلة لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، وبسبب ترجمة عدد من رواياتك للعبرية. ما هو موقفك من التطبيع؟
هذه المقابلة لم تكن الأولى التي أعطيها لجريدة إسرائيلية. ففي العام 2003، أجرت جريدة "يدعوت أحرنوت" حواراً معي حول روايتي "باب الشمس"، وقد هاجمت فيه بشدة احتلال الصهاينة لفلسطين والجرائم التي يرتكبونها هناك.
الحوار مع جريدة "هآرتس" جاء صاخباً. ومما قلته للصحافية التي أجرت معي المقابلة ونشرتها الصحيفة من دون حذف أيّ مقطع منها أن الإسرائيليين لن يصبحوا بشراً إلا إذا هزموا. كما أود أن اقول للذين اعترضوا على ترجمة رواية "باب الشمس" إلى العبرية أنها ليست الرواية الأولى من رواياتي التي تمت ترجمتها إلى العبرية. فقبلها، جرت ترجمة روايتين من تأليفي إلى العبرية. وهنا، أطرح السؤال التالي: نحن هنا في "مؤسسسة الدراسات الفلسطينية" نقوم بترجمة عدد كبير من المقالات والكتب لكتّاب صهاينة من العبرية إلى العربية، وذلك من باب "اعرف عدوك". فهل هذا يعني أننا بتنا صهاينة وضد القضية الفلسطينية؟ كلا، أنا لست مع التطبيع. وأنا مع المقاطعة العربية الشاملة لكيان الإحتلال، باستثناء وسائل الإعلام التي تشكل باباً لنا نستطيع من خلاله النفاذ إلى قلب المجتمع الإسرائيلي، وجعله يشاهد بشاعة الجريمة التي ارتكبها في العام 1948 وما زال موغلاً فيها.