| 

تصدّرت عملية حرق الرضيع علي دوابشة وعائلته في دوما الأجندة الإسرائيلية لأيام عدّة، لا سيما أنها تزامنت مع الاعتداء على "مسيرة الفخر" التي نظمها المثليون في القدس وأسفرت عن اصابة 6 أشخاص، بينهم الشابة شيرا بنكي (17 عاماً) التي توفيت في وقت لاحق نتيجة عملية الطعن التي تعرّضت لها.
وبينما عكست العناوين الرئيسية "الصدمة" التي وقعت على الجمهور الإسرائيلي، لم يكتف كتّاب المقالات باستنكار ما وصفوه بـ "الإرهاب اليهودي"، بل ذهبوا حدّ المطالبة بتشديد الملاحقة والعقوبات بحق ناشطي اليمين المتطرّف عامةً. هذه المطالب، التي يقتصر رفعها عادةً على صحيفة "هآرتس" وأوساط الليبراليين، رفعها هذه المرة متحدثون من لبّ التيار المركزي في إسرائيل أيضاً. المحلل العسكري في "يديعوت أحرونوت" طالب بتعريف تنظيمات اليمين المتطرف كـ "تنظيمات إرهابية"، ومنح المؤسسات كل الصلاحيات المطلوبة، بما يشمل الاعتقالات الإدارية واستخدام القوة، لكسر شوكة هؤلاء. المحلّل الأمني في "معاريف" ضمّ صوته إليه، وبرّر بدوره استخدام وسائل مثل "الهزّ" و "الضغط الجسدي المعتدل" خلال التحقيق مع متهمين يهود قد يكونون ضالعين بمثل هذه الاعتداءات. فما كان من وزير الدفاع موشيه يعالون أمام هذه الأصوات، إلا أن يصدر تعليمات إلى الجهات الأمنية تقضي بتنفيذ الاعتقالات الادارية بحق المتطرفين، علماً أن "الصدمة" شملت رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، الذي قصد مستشفى "تل هشومير" في "لفتة انسانية" استثنائية، لمواساة أبناء عائلة دوابشه الذين تلقوا العلاج هناك.

ما مبررات "الصدمة"؟

رئيس الحكومة ووزراؤه الذين يخرجون بعد أيّ عملية فلسطينية ضد إسرائيليين ليتهموا السلطة الفلسطينية بها مدّعين أن "تحريضها" هو السبب خلف هكذا اعتداءات، حاولوا في تصريحاتهم العلنية إنكار أيّ علاقة بين سياستهم وبين العملية في دوما. بمقولة "من يزرع مطر- يحصد عاصفة!" واجههم الصحافي الإسرائيلي المؤثر بن كاسبيت. إلا أن كاسبيت وغيره ممن أشاروا إلى الدعم الذي تقدّمه الحكومة للمتطرفين، فضّلوا عدم الخوض في التفاصيل.
في المقابل، أثبت تقرير جديد للمعهد الإسرائيلي "مولاد - مركز تجدد الديمقراطية"، أن هذا الدعم لا يقتصر على التصريحات اليمينية المنفلتة التي يطلقها أعضاء الحكومة كلّ إثنين وخميس: "الجمهور الواسع ينظر لعمليات "تدفيع الثمن" على أنها ظاهرة يقودها فتية من الهوامش. بعد كلّ عملية، يدّعي مجلس المستوطنات "يشاع" أن العمليات تنفذها "أعشاب ضارّة" لا تمثل جمهور المستوطنين. لكن الواقع بعيد كل البعد عن ذلك. فالحديث عملياً يتناول سياسة مدبرة ومنسقة نمت في قلب المؤسسة المستوطنة، وتشكلت بشكل مفاجئ بيدٍ مموّلة من خزينة الدولة". ويوضح التقرير أن "لجان المستوطنين"، وهي جمعيات أقيمت برعاية "المجالس الإقليمية للمستوطنات" وبتمويل منها، تشكّلت خصيصاً لتنتهج طرقاً لا تريد المجالس لنفسها أن تعرف بها، بشكل مباشر. العديد من النشرات الداخلية التي وزعتها هذه اللجان، على سبيل المثال، اشتملت على نداء من أجل تنفيذ عمليات "تدفيع الثمن"، إما للاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم أو لعرقلة عمل الجيش و "الانتقام" منه لاخلائه بؤراً ومباني استيطانية، كما كانت الحال في عملية دوما التي قيل إنها جاءت ثأراً من هدم المباني في مستوطنة "بيت أيل".
وفيما كشفت "يديعوت أحرونوت" في العام 2012 عن وثائق وشهادات تربط ما بين عمليات "تدفيع الثمن" وبين رئيس المجلس الإقليمي "السامرا" حتى مؤخراً، غرشون ماسيكا، ورئيس لجنة المستوطنين هناك، بني كتسوفير، يؤكد "مولاد" أن لجنة مستوطني "السامرا" ولجنة مستوطني "بنيامين"، على وجه الخصوص، كانتا وراء صياغة سياسة "تدفيع الثمن"، حتى أن أحد برامج عملها اشتمل على خرائط مساعدة ومعلومات مفصّلة تسهّل على جمهورها تنفيذ مثل هذه العمليات(!).
لا يمنع ذلك حصول لجان المستوطنين هذه على ميزانيات كبيرة تصل إلى ملايين الشواقل من الأموال العامة. كما أن التمويل الكريم والميزات التي تحظى بها المجالس الاقليمية للمستوطنات، مقارنة بالسلطات المحلية المتواجدة داخل الخط الأخضر، ليست بغريبة على أحد بإسرائيل. وتشكل شعبة الاستيطان، ذراع الدولة المسؤولة عن تعزيز الاستيطان في الضفة والجليل والنقب، نموذجاً واضحاً بهذا السياق لا سيما أنها تحولت إلى الخزينة السرية والخاصة باليمين المستوطن. فالشعبة التي لا تخضع لقانون حرية المعلومات وتلعب خارج رادار الرقابة الجماهيرية، تدعم، كما اتضح مؤخراً، جمعيات تشجع عمليات "تدفيع الثمن" بشكلٍ علني، وتؤمن بضرورة إخضاع الدولة لقوانين التوراه والتقدم باتجاه بناء بيت المقدس الثالث. أما ممثلوها فيعتبرون من الداعين لمواجهة الجيش ولما يسمّى "رفض الأوامر" في صفوف العساكر (لكي يرفضوا المشاركة بأية عمليات إخلاء)، ذلك عدا عن انشغالهم الدائم بالتحريض على المواطنين العرب داخل إسرائيل.
تمويل "شعبة الاستيطان" لنشاطات من المفترض أنها غير قانونية ليس المشكلة الوحيدة في آلية عمل هذه "الشعبة". فهناك شبهات كثيرة تحوم حولها، تفيد بأن بعضاً من مسؤوليها يقفون على رأس جمعيات تحصل على نصيب من الغنائم. إلى ذلك، تأتي سيطرة أحزاب اليمين على أروقتها، كـ "البيت اليهودي" برئاسة بينت اليوم أو "إسرائيل بيتنا" برئاسة ليبرمان سابقاً، بهدف استخدام الشعبة ومواردها لتعزيز بنيتها الإيديولوجية والحزبية وتوسيع صفوفها.


الغطاء السياسي والقضائي

وليس من المستغرب ألا تفعل الدولة المتلبسة إلى هذا الحدّ بتمويل المستوطنين ومتطرفيهم، الكثير أو القليل لاستيفاء الاجراءات القانونية بحق منفذي عمليات "تدفيع الثمن" وغيرها من الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم. "الدولة تبكي بعين وتغمز بالعين الأخرى"، تكتب زيف شطيهل من منظمة "يش دين" في موقع "ولله" الإسرائيلي. وتكمل: "منذ سنة 2008، وثّقت "يش دين" 15 عملية إحراق لبيوت فلسطينية. في 10 منها، تم اغلاق الملفات من دون تقديم لوائح اتهام. فقط لما قُتل رضيعٌ بسبب هذه الأعمال الإجرامية، وقعت هزّة صدعت اللامبالاة الجماهيرية. من المحتمل أن يتم تقديم الجناة للقضاء هذه المرة، لكن هناك أسبابا كثيرة للتشكيك بصدق تصريحات إسرائيل حول التزامها باستئصال الإجرام الايديولوجي".
وبينما تؤكد "يش دين" أن الاعتداءات على الفلسطينيين تتم بشكلٍ يوميّ واعتياديّ ولا تنحصر بعمليات "تدفيع الثمن"، تشير بياناتها إلى نسبة لوائح الاتهام التي قدمت بين السنوات 2005 – 2015، والتي لم تتعد نسبة 7.4 في المئة من أكثر من ألف ملف تحقيق تتابعها المنظمة. معظم الملفات، أي نسبة 85 في المئة منها، أغلقت بسبب تحقيقات فاشلة ومتقاعسة. وحتى الحالات التي تم فيها تقديم لوائح اتهام كانت بمعظمها ضعيفة وغير كافية لإثبات الإدانة. تلخص شطيهل معنى هذا الأداء بالقول: "هذه نتائج وضيعة أمام مخالفات تعرفها السلطات كـ "إجرام قومي". إجرام من هذا النوع من المفترض أن يتم التعامل معه بكامل الجدية والدافعية لأن معناه العمل على تقويض السياسة الرسمية للدولة. يجب أن تشعل هذه العمليات الضوء الأحمر في (صفوف) الحكم لكنها لا تنجح حقّاً بفعل ذلك".


يشغلون أعلى المناصب

لا ينبع هذا التقاعس من مجرد التعاطف الذي يكنه ممثلو الدولة والحكومة للمستوطنين، بل أيضاً من تواجد ممثلين عن هؤلاء بصفوف الشرطة التي من المفترض أن تلاحقهم. فمعظم الشرطيين في لواء "يهودا والسامرا"، الذي شاع سوء صيته، هم مستوطنون. الأمر ذاته ينسحب على الجيش، إذ ينخرط الكثير من المستوطنين في الخدمة الدائمة. وتكفي نظرة سريعة إلى هوية شاغلي درجات الضباط الكبار لتبين أنهم بغالبيتهم مستوطنون. إن المستوطنين، من أبناء القومية - الصهيونية كما يسمون، يحتلون مساحة تفوق حجمهم النسبي في مجالات كثيرة، لا سيما في السياسة والإعلام. الإعلامي يهودا جليك والصحافي ارنون سيجال (وهو ابن الصحافي حجاي سيجال الذي كان عضواً في "العصابة اليهودية" التي نفذت عمليات إرهابية ضد الفلسطينيين في الثمانينيات)، اللذان ينشطان إلى جانب منظمات وشخصيات يهودية متطرفة لها يد في التصعيد والاحتكاك في منطقة الحرم، أصبحا إلى جانب آخرين مثلهم بمثابة "نجوم" في الصحافة والراديو والتلفزيون في إسرائيل، وتأثيرهم على الطريقة التي يعرض فيها المستوطنون ليس هامشياً. ثم، تمتد أذرع الصهيونيين - القوميين كالأخطبوط لتصل الى مكتب رئيس الحكومة وتشكّل الحلقات الصغيرة من حوله (تماماً كما في الصورة التي تظهر نتنياهو ومستشاريه من حوله "لابسي الكيباه"). ومنه الى تعيينات المناصب العليا في الدولة: فقد كشفت التجربة في العام 2011 تدخّل شخصيات قيادية من الصهيونية - القومية لمصلحة تعيين يورام كوهين، الذي يضع الكيباه هو الآخر، رئيساً للشاباك، وذلك بحجة قلقهم من تحويل المستوطنين إلى هدف لخبطات الشاباك.


سلّم قِيَمٍٍ يتجذر.. ورقعة انتشار تتسع

إن انخراط الصهيونيين - القوميين هذا في الدولة، لا يعيق وجود تيارات متطرفة بينهم، حتى على مستوى القيادة و "الربانيم" التي تحمل رؤيا انفصالية لا تتماهى مع "دولة القانون" العلمانية، ومع المجتمع الإسرائيلي العام غير الملتزم بتعاليم الدين. وتفيد هنا استعادة كلمات حفيد الراب كهانا، مئير اتينغير (23 عاماً)، التي ردّ بها على وصفه هو ورفاقه من نشطاء اليمين المتطرف بالإرهابيين: "الحقيقة يجب أن تقال - لا يوجد أي تنظيم (يهودي) ارهابي بل يوجد الكثير الكثير من اليهود، أكثر مما يعتقدون، الذين يختلف سلم قيمهم عن سلم قيم محكمة العدل العليا والشاباك، والقوانين التي تلزمهم هي ليست قوانين الدولة، إنما قوانين أبدية خالدة تتفوق عليها بقدسيتها" (ويقصد بذلك قوانين التوراه). واتينغر، الذي اعتبرته بعض المواقع الإسرائيلية "المطلوب رقم 1" من قبل الشاباك، هو أحد القياديين الصغار الذين ينقلون عمليات "تدفيع الثمن" إلى حيز التنفيذ. إلا أن إبعاده من الضفة إلى القدس، ومن بعدها إلى صفد، لم يمنعه من الاستمرار بنشاطه، حيث تم اعتقاله مؤخراً، على ما يبدو، لعلاقته بحرق كنيسة الطابغة بالقرب من بحيرة طبريا. مثله بذلك مثل نشطاء آخرين كان لأوامر إبعادهم عن الضفة، من دون معاقبتهم عملياً، دور بتوسع رقعة عمليات "تدفيع الثمن" وظهورها في القدس وفي أراضي الـ48 أيضاً.
وتقدر مصادر في الشاباك، وفق تقرير لصحيفة "هآرتس"، أن بعض جماعات الشباب هذه مرّت بنقلة أيديولوجية مع نهاية العام 2014، وتوصلت إلى نتيجة مفادها أنه يتوجب عليها الخروج بتحرّك أوسع وبتصعيد ضد المواقع الدينية والعرب. ويتحدث هؤلاء، من ضمن أمور أخرى، عن تصعيد الاحتكاك بالمواقع الحساسة، كالاعتداء على الحرم، وفرض الاكراه الديني في الحيز العام، لا سيما كلّ ما يتعلق بـ "تحشم" النساء، والاعتداء المنظم على "الجوييم"، أيّ غير اليهود، بما يشمل المواطنين العرب في إسرائيل. وهم يحلّلون قتل العرب خلال تنفيذ اعتداءات على بيوت ومؤسسات دينية، بيد أنهم لا يحملون توجهات فوضوية فقط، وفق الشاباك، بل أيضاً معادية للصهيونية. لذلك، فهم يعتقدون بأن هناك حاجة للتحريض ضد أنظمة الحكم. وتخلص مصادر الشاباك الى القول بأن هؤلاء النشطاء لا يسعون إلى ردع الحكومة والجهات الأمنية عن إخلاء بؤر استيطانية، بل لديهم الآن أفكار أكثر طموحاً هدفها خلق فوضى في الدولة وضعضعة الاستقرار لإحداث انقلاب يؤسس لدولة يهودية تقرّب "مجيء المسيح".
على الرغم من اعتقاد الشاباك أنه "على العكس مما كان متبعاً بالماضي، هذه الجماعات ليست بحاجة للربانيم وفتاويهم لتصادق على أفعالها، حتى أنها تنظر الى الربانيم الذين اعتبروا متطرفين كرسميين ومتهاونين أكثر من اللازم"، لا يمكن اغفال تأثير الربانيم المتطرفين البارزين كالراب اسحاق غينزبورغ من "يتسهار" (منطقة نابلس) أو الراب دوف ليؤور من "كريات أربع" (منطقة الخليل) وغيرهم في نشوء مثل هذه الجماعات. وليست صدفة أن الكثير من النشطاء الشباب يخرجون من المناطق ذاتها، وهي المعروفة بكونها الأكثر تطرفاً وخطورةً في الضفة.


كمتطرفي الإسلام

إن انشغال أواسط من الربانيم الذين انتقل جزء منهم الى القدس، بالحديث عن بناء "بيت المقدس الثالث"، هو أوضح دليل على أن الخطاب المسيحاني "الواهي"، كما يحلو للبعض تسميته، ليس حكراً على مجموعات الشباب هذه أو غيرها. كما أنه لا يمكن وضع حدّ فعليّ حقاً بين هؤلاء "الواهين" وبين قيادات المستوطنين وجمعياتهم التي صاغت سياسات "تدفيع الثمن" ومولتها. فمثلما أنشأ هؤلاء "لجان المستوطنين" ليمرروا السياسات المتطرفة من دون إثارة الشبهات حول القيادة الرسمية، نراهم في السنوات الأخيرة يخولون الفتية والشباب تنفيذ الخطوات التصعيدية على الأرض. وليس صدفةً أن يكون الحديث بعد عملية دوما عن استخدام الاعتقالات الادارية بحق النشطاء. فمن دون اجراءات تحقيق ومحاكمة، سيكون من الصعب الكشف عن حبال السرة هذه، وعن تشعباتها. وستبقى "الملاحقة القانونية" موضعية وموقتة، إن كانت هناك ملاحقة أصلاً.
أطرافٌ ومصالح كثيرة تلتقي هنا لتحاول تحجيم التطرّف الحاصل. فمن الواضح أن أي تحقيق جدي بهذه الملفات من شأنه زعزعة مكانة المستوطنين، ومصنع الاستيطان برمته، ناهيك عن انعكاساته على صورة إسرائيل أمام العالم، وحتى أمام نفسها.
الكثير من الإسرائيليين الذين اعتقدوا مرةً أن دولتهم "تبدأ بالخضيرة وتنتهي بجديره" (كلاهما داخل الخط الأخضر)، قلقون فعلياً من هذه التطورات. ولسان حالهم يقول بأنه لا يكفي أن الدولة تملأ جيوب المستوطنين بالأموال بدلاً من أن تستثمرها في أجهزة التربية والرفاه، وإنما بات المستوطنون الآن يريدون تحديد طابع هذه الدولة وتشويه صورتها حتى في عيون الإسرائيليين أنفسهم. هم يعون أن أتباع الخطاب المسيحاني لم يعودوا "أعشاباً ضارّة" بل أصبحوا تياراً لا يمكن تجاهله، بدليل أنهم ينتفضون، بين الفينة والأخرى، ليقولوا بأن هؤلاء "أقاموا دولة داخل الدولة". وعلى الرغم من إغفال النقاش الجماهيري الأخير لمشكلة المشكلات، أيّ استمرار الاحتلال والتواجد العسكري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، فقد عبّر بعض المتحدثين عن شعورهم بأن الدولة التي استخدمت المستوطنين لتسيطر على الأراضي وعبأتهم ومولتهم كما لم تفعل مع أيّ جمهور آخر، أوقعتهم وأوقعت نفسها في فخّ لن يكون من السهل الخروج منه.
لعلّ بن كاسبيت يلخّص هذا القلق عندما يكتب: "فليعرف رئيس الحكومة وكلّ وزرائه ومبعوثيه ومؤيديه... أنه لا يمكن التملّص من المسؤولية بأثرٍ رجعي.. بعد اغتيال (اسحاق) رابين، الجميع قام بغسل يديه من الموضوع... لم يمثل أيّ من الربانيم الذين أداروا حملة الصيد ضد رابين أمام القضاء. ما العجب إذاً في كونهم يحافظون اليوم على صمتهم، ولا يستنكرون ما اقترفه قطيع مرعاهم؟.. ليس لديهم ما يخافون منه، فهم يعرفون أن لهم سنداً وظهرا.. ماذا يجب أن يحصل بعد لكي يفهم قضاة دولة إسرائيل أيضاً أننا في حرب؟ ليست هذه حرباً ضد عدو خارجي إنما هي حرب بقاء ضد عدو يخرج علينا من بيننا.. هم يخرجون ضد الدولة لتدميرها". ويكمل: "اسرائيل أنهت وظيفتها التاريخية.. الصهيونية أعادت اليهود إلى البيت وأقامت لهم دولة.. الآن، بامكانها الذهاب.. لا حاجة لها أكثر.. من الآن فصاعداً هذه دولة هلاخا!. إن الفكر الذي ينظم هؤلاء الناس ليس بعيداً بمضمونه عن أفكار متطرفي الإسلام: المؤمنون من أبناء الديانات الأخرى هم كفار ويستحقون الموت. يجب تقديس الحرب ضد المعارضين وعدم الارتداع من العنف. الدم والنار هما من أدوات العمل المحبذة، إلخ. صحيحٌ أن شدة العنف ما زالت تفصل بين متطرفيهم ومتطرفينا، ولكننا بدأنا نسدّ الفجوات، وهذا مقلق. حتى مؤخراً، كان بإمكاننا أن نقول بكامل الثقة أننا نختلف عنهم. كلما مرّ الوقت، تصبح هذه المقولة أكثر إشكالية".