| 

تعتبر المعتقلات السياسية مدارس حياة، تُخرّج أجيالاً جديدة تكون بنّاءة وصالحة أحياناً، وهدّامة مخرّبة في أحيان أخرى. فالتجربة داخل المعتقلات أثبتت وجود أبعاد مختلفة تعتمد على شخصية المعتقل(ة)، وبيئته/ا، وخلفيته/ا الثقافية والسياسية والدينية والاجتماعية.
نعرف عن وجود سجينات فلسطينيات داخل المعتقلات الإسرائيلية، ولكننا لم نتعمق بهذه المعرفة. لم نتعمّق بالمستوى المطلوب لمعرفة ظروف حياتهن قبل الاعتقال، ثم داخل المعتقلات، إلى ما بعد المعتقلات، وكيف تأثرن بالسجن والسجّانين.
في هذا النص، سأسلط الضوء على الحياة اليومية لمجتمع الأسيرات الفلسطينيات داخل المعتقلات الإسرائيلية، على أسسٍ سياسية ممنهجة، علماً إنها أهم العناصر في تشكيل تجربتهن الاعتقالية، وتعتبر أساس الإستمرار في مقاومة المحتلّ، حتى وإن كن فاقدات للحرية. فالإنتماء السياسي والأحزاب السياسية يشكلان المحور المنظّم والمحرّك الأساسيّ للحياة اليومية داخل المعتقل والتواصل مع إدارة السجون. كما أن العلاقات الاجتماعية بين الأسيرات تبنى وتتطور بناءً على المعتقدات والإنتماءات السياسية، وتقوم على أساس الثقة والتشابه. إذ من الهام أن نعرف أن الاحتلال يوزّع الأسيرات على أجنحة السجن المختلفة، بناءً على انتماءاتهن السياسية. كما أن هناك علاقة وطيدة بين الجوّ السياسيّ داخل السجون وخارجه، وعلاقة قوية مع الأحزاب السياسية في الخارج. وهي تؤثر على علاقات الأسيرات ببعضهن، كما تؤثر في القرارات والإجراءات التي يتخذها الأسرى لمواجهة إدارة السجون وتوصيل آرائهم السياسية المختلفة.


صندوق داخل صندوق.. والعائلة سؤال شائك

تقوم الحياة اليومية داخل السجون على العزلة التامّة عن المحيط الخارجي، إلا أن النساء يقاومن هذه العزلة والظروف القاسية داخل المعتقل من خلال الأنشطة والفعاليات التي ينظمنها كالقراءة، والكتابة، وحلقات النقاش، والأشغال اليدوية المختلفة بما ينتج عنها من مصنوعات. إذ يقوم معظم هذه الأنشطة على أسسٍ سياسيّة تعكس معاني المقاومة والوطنية، وكذلك الانتماءات السياسية، كوسيلةٍ لمقاومة ظروف الحرمان والعزلة والنظام الذي يحكم طبيعة المعتقل، ويشكّل محور صمود الأسيرات. فهنّ يستغللن أوقاتهن خلال الاعتقال في التعليم والتطوّر لتحضير أنفسهن لحياة ما بعد الاعتقال. وتلك وسيلةٌ أساسيّة في إظهار الذات السياسية للأسيرات الفلسطينيات، فيتميزن بواسطتها عن أيّ مسجون/ة مدني/ة أو جنائي/ة أخر/ى داخل السجون الإسرائيلية.
أمضت حنان خمس سنوات من حكمها المؤبد الصادر في أواخر السبعينيات داخل السجون الإسرائيلية، ليتم بعد الإفراج إبعادها إلى خارج فلسطين، ضمن صفقة أحمد جبريل لتبادل الأسرى (1985). سُمح لها بالعودة مع قيام السلطة الفلسطينية في رام الله، في بداية التسعينيات. في حديثها معنا، تستهل حنان الكلام بوصفٍ مجازيّ لتجربتها الاعتقالية ونظرتها إلى السجن بما فيه تجربة العزل الدائم والمراقبة المستمرة لكلّ تفاصيل الحياة اليومية، فتقول: "السجن هو عبارة عن أبواب ومفاتيح، متل صندوق كبير مع أربع أبواب. بداخله كمان صندوق، بداخله كمان صندوق، هاد هو السجن… طلعت من السجن ولهلأ عندي ضيقة نفس، لأنه كل إشي مسكّر فيّ". يعكس وصف حنان تجربة العزلة والإغلاق التي تعانيها الأسيرات. أن نعيش داخل صندوقٍ هو أن نكون معزولين عن العالم الخارجيّ بكثيرٍ من الحواجز والعوائق التي تفرض حول تفكير الأشخاص وسلوكهم وحركتهم وأفعالهم. إلا أن الأسرى السياسيين، في الغالب، يقاومون ذلك عبر خلق عالمٍ خاص بهم بعيداً عن حياتهم خارج الإعتقال. تبدأ التجربة بالانعزال عن العالم الخارجي[1]، إذ يعمل الاعتقال على تفعيل موت الحياة الاجتماعية للمعتقلين، بينما هناك احتمالية أيضاً بأن يفقد الأسير الشعور بالخصوصية والاستقلالية الذاتية الذي قد يقاومه المعتقلون في كثيرٍ من الأحيان.
وصف حنان لهذه السلسلة المتداخلة من الصناديق، والتي تشكل تجربتها الاعتقالية، هي تمثيلٌ لمركّب معقّد من البعد عن العائلة والمجتمع، وخاصة بالنسبة إلى امرأة تنتمي إلى مجتمعٍ أبويّ متحفّظ على انخراط النساء في العمل النضاليّ، ما يخلق نوعاً من الألم، خاصة إذا ما حرمت المرأة من الزيارات العائلية. تجربة حنان تحمّلت الكثير من العزلة لأن عائلتها لم تتقبل فكرة وجودها في المعتقل الإسرائيليّ، فقامت بمقاطعتها ومقاطعة زيارتها خلال فترة اعتقالها. ومع أن تجربة حنان ليست شائعة أو سائدة بين تجارب النساء في المعتقل، تبقى الظروف القاسية التي تواجهها النساء في المعتقلات، ومن ضمنها رفض الأسرة تقبّل خيارات ابنتها التي أوصلتها إلى المعتقل، تتسبب بعزلة إجتماعية ومشاعرية للنساء، وقلق دائم حول عائلاتهن، وكيفية استقبالهن وتقبلهن بعد الإفراج.


الإعتقال يتيح ما يعيقه المجتمع الأبويّ

تقوم منظومة السجن على إفقاد السجينات الخصوصية والاستقلالية والمكانة الخاصة والأدوار التي كنّ يقمن بها قبل الاعتقال كنساء. إلا أن السجن قد يشكّل مساحة تتيح لبعض النساء التفكير بكينونتهن ومكانتهم أكثر كمعتقلات سياسيّات. من هنا، يبدأن بالتعرّف إلى ذواتهن السياسية وتمثيلها، إذ لم تسنح لكثيرات فرصة إظهارها وتشكيلها في المجتمع المتحفظ على أدوار المرأة في العمل النضاليّ ومحاربة الاحتلال الإسرائيليّ. فيشكّل دخول المعتقل فرصةً لظهور هذه الذات السياسية وتفعيلها، ما يشجّع عليه المجتمع الفلسطيني المحافظ والأحزاب السياسية معاً، خلال فترة الاعتقال. ويعزز المجتمع والأحزاب ذلك لكي تبقى المرأة صامدة، وتشعر بالقوة في المواجهة المستمرة والمباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي. ولا يظهر هذا التعزيز كثيراً تجاه النساء الفلسطينيات قبل الاعتقال، كنتيجة للدور المحافظ الذي يحاصرهن في المجتمع الأبوي، وعدم تضمنه مشاركة المرأة السياسية. وعلى الرغم من أن النساء الفلسطينيات يعانين كثيراً من سياسات إدارة السجون الإسرائيلية المجحفة بحق الأسيرات، وهي سياسة تتغاضى عن المواثيق الدولية الخاصة بالأسرى والمعتقلين إذ تمنع النساء من زيارات الأهل والتعليم وتوفير العلاجات الطبية اللازمة، إلا أنهن يقمن بخلق عالمهن الخاص المليء بالمقاومة والتحدي لسياسيات إدارة السجون الإسرائيلية. تجربة حنان، كما تجارب أخريات، تعلّمنا كيف تصبح الأسيرة ذاتاً أخرى لا تتمثل في الاستقلالية ضمن الاعتقال، وإنما هي ذاتٌ مقاومة وقادرة على الصمود، وتحمّل الظروف القاسية، والإعداد لما بعد الاعتقال.
تستغل الأسيرات الوقت داخل المعتقل في القراءة والتعلّم، كتشديدٍ على الهدف السياسيّ وراء الاعتقال. ما ينعكس تالياً على صورة المرأة الأسيرة المقاومة، والتي تمثل نموذجاً سياسياً داخل المعتقل، وخاصة في ظلّ الوعي التام إلى أنها رغم العزلة وأسوار الاعتقال ما زالت تحت أنظار المجتمع الأبويّ المحافظ. مجتمعٌ ينظر إليهن بترقّب، ويتابع قضاياهن بشكل مباشر أو غير مباشر. فتبدأ النساء التفكير بكياناتهن وذواتهن ومستقبلهن، وبالتخطيط لتطوير أنفسهن، إعداداً لحياة ما بعد الاعتقال ولدورهن الجديد كأسيرات سياسيات.
خولة التي أمضت في الاعتقال ثلاث سنوات، تعلّق: "يعني أنا بتذكّر مكنتش أفضى… أنا شخصياً كنت أقرا بمعدّل تسع ساعات يومياً… وكان في برنامج لجلسات جماعية.. وبتذكر كنت اعلّم بنات بعرفوش يقروا ويكتبوا، أقرالهم كنت… يعني ما كنا نفضى… ما كنت افضى.. ما كنت اشعر انو عندي وقت فراغ بالمرة".
يطرح الباحث والكاتب إسماعيل ناشف محدودية المكان، وخاصة الفراغ السياسي، كعامل يساعد على توسيع الأفق الشخصيّ والذاتيّ للفرد، "وأضف إلى ذلك أن النساء في هذا المكان المحدود يبدأن في إيجاد وسائل مقاومة مختلفة لمحدودية المكان ولأنظمة المراقبة المفروضة في جميع أنظمة وتفاصيل حياتهن اليومية داخل الاعتقال". إظهار الجدية هو الأساس في تمثيل الصمود، وهو الأساس في تشكيل سمات الذوات السياسية للأسيرات الفلسطينيات. فمحاولة الإنشغال الدائم واستغلال الوقت في التثقّف والتعلم هي أيضاً وسائل مقاومة تستخدمها النساء في مواجهة الظروف القاسية التي تفرض داخل الاعتقال. ولكن أيضاً، تشدّد الأسيرات على جديّة الوقت داخل الاعتقال وتشكيل الذات السياسية بهدف إزالة كافة الشكوك لدى المجتمع المحافظ حول جسد المرأة وسلوكياتها داخل الاعتقال، ما ينعكس على مكانة الأسيرة بعد الإفراج.


الرقابة المزدوجة والوعي الشديد
تعيش الأسيرات الفلسطينيات نظم مراقبةٍ مختلفة داخل الاعتقال، بدءاً من مراقبة وتفتيش دائمين لتفاصيل حيواتهن اليومية، وصولاً إلى المراقبة الخارجية المتمثلة بمتابعة بنى المجتمع الفلسطيني الأبوي لتفاصيل حياة الأسيرات اليومية وعلاقاتهن السياسية وسلوكياتهن المختلفة. ويتابع هذا المجتمع الأبويّ قضاياهن عبر الزيارات العائلية، التواصل مع المحامين، كما المراسلات البريدية. وعلى الرغم من كلّ هذه القيود والمراقبة المستمرة، إلا أن النساء يسعين دائماً إلى مقاومة  نظم المراقبة المختلفة، وخاصة تلك المتعلقة بإدارة السجون. فتصف حنان طبيعة السجن وعلاقة الأسيرات بالسجانين كما يلي: "السجانين مثل الكلاب، ومع كلّ كلب حلقة مفاتيح حولين رقبته، كثير مفاتيح… بتدخلي من باب لباب لباب حتى توصلي على غرفتك، الأبواب كثير سماك ومسكرين كل الوقت… بس بفتحوهم بوقت محدّد وهو وقت الفورة". إن وصف حنان للسجانين على أنهم كلاب يعكس مدى خوفها وعدم ثقتها الدائمة بوجودهم حولها، لأن الكلب في الثقافة الفلسطينية وبعض الثقافات الأخرى لا يمثّل الحيوان الأليف أو الوفيّ وإنما يرتبط بالحالة الشرسة والعنف والهجوم. نظرة حنان للسجانين على أنهم كالكلاب يفيد بأن دورهم بنظرها هو مراقبتها للتأكد من أنها تتصرّف وفقاً للمطلوب منها، ولابلاغها بأنها إذا أخلت بالنظام فإن تلك الكلاب ستقوم بمعاقبتها عبر الهجوم عليها في أيّ لحظة.
إن حياة الأسيرات الإجتماعية تتمثّل بصلابة الإنضباط. فوعي النساء الدائم إلى أنهن مراقبات يشكّل أفعالهن، سواءً النفسية أو الجسدية. مع الوقت، يصبح نظام المراقبة جزءاً من حياتهن اليومية داخل السجن، ويصبح شيئاً طبيعياً ضمن النظام الخاص المفروض عليهن من قبل إدارة السجن أو ذاك الذي تفرضه عليهن طبيعة أسرهن كسياسيات. إن المراقبة تصبح إستراتيجية طبيعية للحياة اليومية داخل المعتقل: فالنساء داخل السجن يعشن في مكانٍ محدود  كمجموعة من الصناديق المتداخلة كما وصفته حنان بدقة، ما يقلّل المساحة الخاصة في الجسد الواحد في ظلّ هذه المراقبة المستمرة. لكن محدودية هذا المكان وطبيعته تعملان بشكل كبير على تفعيل فاعلية وقوة المقاومة للأسرى[2].

توزيع السجينات سياسيّاً: فعلٌ وردّه

أمضت عطاف خمسة عشر عاماً من عمرها في المعتقلات الإسرائيلية، وفي مراحل مختلفة منه. تصف السجن: "السجن مقبرة الأحياء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء". هذه العبارة تعكس بشدّة موت العالم الخارجي بالنسبة إلى الأسير/ة الفلسطيني/ة، حيث تصبح الحياة والعلاقات محدودة بالأسرى الأخرين. محدودة ومدروسة، بعنايةٍ شديدة. أن تعيش داخل مقبرة يعني وقف الأحلام والمستقبل، إلا أن أكثر النساء الفلسطينيات اللواتي التقيت بهن خلال إعدادي لرسالة دكتوراه، أكدن أن العلاقات الاجتماعية التي بنينها داخل المعتقل ساعدتهن بشدة على البقاء والتكيف مع نظام العزلة الدائمة عن المحيط الخارجي وفقر المكان من محتوياته. وتبقى هذه العلاقات الاجتماعية مع الأسيرات الأخريات محكومة بالخلفية السياسية والاجتماعية للأسيرة. إذ تقوم المعتقلات الإسرائيلية بتخصيص أجنحة مختلفة للأحزاب السياسية، يتمّ إدخال الأسيرة إليها بناءً على توجهها السياسيّ. وقد بدأ هذا التصنيف بعدما ازداد عدد الأسرى الفلسطينيين خلال الانتفاضة الأولى في الثمانينيات، بهدف تسهيل السيطرة والتواصل والمراقبة. وقد بدأ اعتماد عملية التوزيع هذه في سجن النساء في نهاية ثمانينيات القرن الماضي.
تؤكد نهلة عبده في كتاباتها: "بدأت الانتفاضة الأولى وزاد عدد النساء في السجون، مما استدعى توزيعهن وتنظيمهن بناءً على الحزب السياسيّ لتسهيل السيطرة عليهن. حيث أن سكان الجناح ينتمين إلى الفصيل السياسي ذاته ويحملن الأفكار والمعتقدات ذاتها، وبالتالي فإن عملية التواصل معهن لن تخلق نوعاً من الفوضى، بالإضافة إلى سهولة إدارة شؤونهن".
رأى الفيلسوف الفرنسيّ ميشيل فوكو في دراسته لتاريخ السجون (1979) أن عملية التصنيف والتوزيع هذه تخفي في ثناياها آليات لفرض القوة والسيطرة، من أجل تنظّم الأفراد. وبهذه الطريقة، فإن الأفراد يتحولون من ذوات إلى أدوات تصدذر المعلومات، من أجل معرفة ما يدور بين المعتقلين، وكذلك خلق نوع من التوتر والهرمية في علاقات المساجين بعضهم ببعض، ما يؤدي إلى خدمة إدارة السجون. ما يتطابق فعلياً مع تعليق مدير سجن الهاشارون (2005) على توزيع الأسيرات: "بالتأكيد ستنشأ خلافات وتوترات بين الأسيرات سواءً حول المال، أو الطعام، وأمور أخرى كثيرة… بالنسبة إلينا، هذا صحّي للغاية، ويخدم غاياتنا ومصالحنا في السيطرة"[3].
ولكن، كانت لهذه الإستراتيجية نتائج عكسية أيضاً. فقد اتضح إنها عزّزت التضامن والوحدة بين النساء، وعملت على تقوية مواقفهن في المواجهة المستمرة مع إدارة السجون، وأتاحت الاتحاد في مقاومة السجّان. فتشكّك النساء بشرعية المحاكم والمعتقلات الإسرائيلية، وكذلك بشرعية سلطة السجون في إعطائهن الأوامر والتعليمات. من منظور هؤلاء النساء، فإن السلطات الإسرائيلية تتمتع بهذه السيطرة غير الشرعية عليهنّ كانتقام منهنّ نتيجة مشاركتهنّ في حركات المقاومة المختلفة المناهضة للاحتلال الإسرائيليّ، وهو تحديداً ما رمت إليه عطاف عندما وصفت السجن بأنه مصدر لشماتة الأعداء. إن معرفة الأسيرات الفلسطينيات بذلك عملت على تعزيز المقاومة، والصمود، وإمتلاك القوة، والتضامن مع بعضهن البعض، في مواجهة المحتلّ.
غالباً ما ترفض النساء التعاون مع إدارة السجون في اختيار الجناح، في معرض إبداء المقاومة تجاه إدارة السجن. فهي إستراتيجية في إضاعة الوقت، والتمويه، عبر رفض الإدلاء بأية معلومة قد تدينها خلال فترة الاعتقال. وعند اعتقال أية امرأة، يكون في العادة انتماؤها السياسيّ معروفاً. وبالتالي، تكون عملية وضعها في الجناح المناسب أكثر سهولة من عملية فرز المعتقلات الإداريات أو النساء اللواتي قمن بأعمالٍ نضالية فرديّة. ويأتي الإدلاء بأية معلومة ليدين المرأة ويجعلها متهمة، فتقضي فترات أطول في السجن. إلا أن النساء في العادة يفكّرن في استراتيجيات أخرى لكي يتم وضعهن في الجناح المناسب لانتمائهن السياسي، مثل الاستفسار عن أسماء أسيرات سابقات في أجنحة مختلفة، أو الاستفسار عن البرامج اليومية للجناح وطبيعة النظام، إن كان نظاماً دينياً أو علمانياً، أو البحث عن جناح بلا تدخين، ... ما يتيح للأسيرة بأن توضع في الجناح المتلائم مع تيارها السياسيّ، من دون أن تبدي أيّ تعاونٍ مع السجّان.
من المؤكد أن النساء يمتلكن معلومات مسبقة عن السجن وآلية التعامل فيه، يتمّ جمعها خلال الجلسات التنظيمية والتدريبات المختلفة التي تسبق الاعتقال، وتشرح طبيعة الاعتقال والتحقيق. ومن المعروف أن إدارة السجون تلجأ أحياناً إلى عقاب الأسيرات عبر وضعهن في جناحٍ يتضارب كلياً مع معتقداتهنّ السياسية، كسجن امرأة من تيارٍ يساريّ في زنزانة يسودها التيار الدينيّ. ما يخلق نوعاً من الشكّ وعدم الثقة بين الأسيرات. إلا أنهن، على الرغم من هذه التوترات التي قد تنجم، يظهرن الوحدة والانسجام أمام إدارة السجون، ويؤجلن خلافاتهن التي يمكن أن تنشأ نتيجة الاختلاف السياسيّ، ولكن أيضاً نتيجة اختلافات في الطبقة الإجتماعية أو الجغرافية أو الاقتصادية للمرأة. فالسجن يضم نساءً من خلفياتٍ وبيئاتٍ مختلفة، ما يتسبب بتوليد صراعات واختلافات داخلية بينهن، تراهنّ يحاولن بكلّ الطرق والأشكال إخفاءها عن إدارة السجون، حتى لا تستغل ضدهن. كما أنهن يعملن جاهدات على ألا تصل هذه الخلافات إلى العالم الخارجيّ، حتى لا تتشوّه صورة الأسيرات السياسيّات في المجتمع الفلسطيني، فتبقى محصورة بينهنّ.


الجو الديمقراطيّ السياسيّ داخل المعتقل؟

يطلب من كلّ جناحٍ أن يختار ممثلةً عنه تتواصل مع إدارة السجون في ما يتعلّق بأية أسيرة، كما أنها المسؤولة أمام حزبها الذي اختارها في التواصل وإرسال التقارير المختلفة حول حياة الأسيرات وقضاياهن. وتكون هي أيضاً المسؤولة عن إدارة شؤون الجناح وتنظيمه، سواءً أمام الأحزاب السياسية في الخارج، أو في التواصل مع الحركة الأسيرة في معتقلات الرجال، أو في التعامل مع إدارة السجن. كما إنها مسؤولة عن تجنيد بعض النساء للانضمام إلى حزبها داخل المعتقل، ما يخلق نوعاً من التوتّر والمشاكل بين الأجنحة المختلفة. وقد استدعت هذه المشاكل في أحيانٍ كثيرة تدّخل الأحزاب السياسية في الخارج لتنظيم العلاقات، إذ لا يمكن للممثلات والمعتقلات إلا الانصياع للأوامر الآتية من خارج السجن.
يعتبر يوم انتخاب الممثلة احتفاليةً كبيرةً بالنسبة إلى الأسيرات، حيث أنّه يحقّ لكلّ أسيرة أن ترشّح نفسها لهذا المنصب، فيتاح لها بعض الوقت لتعرض برنامجها الإنتخابيّ، وما تودّ تقديمه للأسيرات من خدمات وبرامج تجعلها الأنسب لتكون ممثلتهنّ. آمنة منى، ممثلة "حركة فتح"، تصف الانتخابات في الفيلم الوثائقي "داخل المعتقلات" (٢٠٠٥) بالقول: "من خلال النظر إلى تاريخ الصراع الفلسطينيّ، بنشوف إنو الديمقراطية دايماً بتبلش من السجون… بطريقة غير مباشرة، إحنا بنحاول إنو نكون نموذج، الناس برّا السجن بحاجة يتعلّموا منا الديمقراطية". وضمن هذا النموذج الانتخابيّ، تحاول الأسيرات تشكيل المجتمع المثاليّ ليظهرن كيف ينظمنّ أنفسهنّ داخل مكانٍ تحكمه القيود والمراقبة الدائمة، وفي مواجهة مستمرّة مع السجّان / الإحتلال الإسرائيليّ.
في أغلب الأحيان، تكون الممثلة صاحبة شخصيةٍ قويّة وقياديّة وقادرة على التفاوض والاتصال والتواصل، سواءً مع الأسيرات أو مع إدارة السجن، لفرض المطالبة ببعض الحقوق، بالإضافة إلى التفاوض من أجل تحسين ظروف المعتقل. وتكون هي أيضاً المسؤولة عن وضع برنامج منظّم يهدف إلى تدريب الأسيرات وتمكينهن وتطوير ذواتهنّ السياسيّة. كما أن ممثّلة كلّ فصيل داخل المعتقل مخولة حضور الاجتماعات الدورية مع ممثلات الفصائل الأخرى، والاتفاق معهنّ من أجل تنفيذ بعض الفعاليات النضالية واتخاذ القرارات الجماعية بين الفصائل داخل المعتقل. كما إنها المسؤولة عن التواصل مع القيادة العليا للحزب خارج المعتقل، وعن تنفيذ القرارات العليا وتطبيقها بحذافيرها داخل المعتقل.

من خلال الشهادات المختلفة التي قدّمتها ممثلات سابقات في المعتقل حول عملية اتخاذ القرار، خاصةً في ما يتعلّق بمواجهة سلطات السجون أو المطالبة بحقوق الأسيرات أو التعامل مع المشاكل الداخلية، بتضح أن النساء غير مستقلات عن السياسات الخارجية والحركة الأسيرة في معتقلات الرجال. ما يجعل المجتمع الأبويّ يتحوّر ويتغيّر ليبحث عن وسائل مختلفة تتيح له إبقاء النساء تحت السيطرة والمراقبة الدائمة، حتى وهن داخل المعتقل ويعانين من عزلةٍ كاملة.
بالعادة، يُبنى التواصل ما بين داخل المعتقل وخارجه من خلال الزيارات العائلية، حيث تتم مرّة في كلّ شهر أو في فتراتٍ زمنية متباعدة. وقد تعاني الأسيرة من حرمان الزيارات لفترةٍ طويلة كعقابٍ لها على سلوك قامت به ضد إدارة السجون. وبالعادة، تتمّ هذه الزيارة تحت مراقبةٍ شديدة مع قبل إدارة السجون، ولا يُسمح فيها أيّ تلامسٍ فعليّ بين الأسيرة وعائلتها، ويكون الحديث عاماً كالاطمئنان عليها وعلى ظروفها، وكذلك إخبارها بما حدث خارج المعتقل. تستغل النساء هذه الزيارة لإطلاع الأهل على حيواتهن ونظامهن داخل المعتقل. كما أن لزيارة المحامين أيضاً دورٌ كبير في إيصال رسائل إلى الأحزاب السياسية والعالم الخارجي حول ظروف الإعتقال، وكذلك التفاوض معهم وإبلاغهم بأيّ عمل نضالي مناهض لإدارة السجون. فيجد المجتمع الخارجي وسائل مختلفة يحافظ فيها على التواصل مع النساء داخل السجون.
إن تجربة الاعتقال السياسي التي تعيشها النساء الفلسطينيات تتكون من ثنايا مختلفة متشابكة ومترابطة، لتشكّل تجربة سياسية اجتماعية معقّدة للمرأة الفلسطينية. فمن المعروف أن السجن هو "مصنع الرجال" في المجتمع الفلسطيني، وبالتالي، هو مجال تخصّص للرجل، ولا يوجد أيّ ذكرٍ للمرأة في هذا المجال. وعلى الرغم من ذلك، فإن للنساء الفلسطينيات تجربة نضالية مميزة داخل الاعتقال، تحت ضغط الحرمان والعزلة التامة. تراهن نجحن في خلق الجوّ السياسي والمقاوم في مواجهة المحتلّ والسجّان، وصمدن في مواجهة كلّ الضغوطات والظلم. كما أن تجربة الاعتقال وضعت المرأة تحت مجهر المراقبة السلوكية من قبل المجتمع الأبوي، الذي يظهر خوفاً وقلقاً كبيرين ودائمين من المرأة وجسدها، فتتحمل المرأة العبء الأكبر لتؤدي الدور المتوقع منها كأسيرة سياسية، بينما تمتثل لما هو متوقع منها من قبل حزبها السياسي ومحيطها الاجتماعيّ. وبهذا، فإن المرأة الفلسطينية تواجه مراقبةً مزدوجة، من قبل الإحتلال الإسرائيليّ والمجتمع الأبويّ المحافظ.

مراجع:

[1]     Wahidin, A. and Tate, S. 2005. Prison (e) scapes and body tropes: older women in the prison time machine. Body \& Society, 11 (2), pp. 59--79.
 
[2] Moran, D., Pallot, J. and Piacentini, L. (2013). Privacy in penal space: Women’s imprisonment in Russia. Geoforum, 47, pp.138--146.
 
[3] Documentary inside Israeli Jails, 2005, BBC
1.    Nāshif, I. (2008). Palestinian political prisoners. 1st ed. London: Routledge.
2.     Foucault, M. (1977). Discipline and punish. 1st ed. New York: Pantheon Books.
3.    Abdo-Zubi, Nahla. Captive Revolution. London: Pluto, 2014. Print.