| 

هنا، عند منحدرات التّلال، أمام الغروب وفوّهة الوقت،
قربَ بساتين مقطوعة الظّلّ،
نفعل ما يفعل السّجناء،
وما يفعل العاطلونَ عنِ العمل:
نُربّي الأمل.


- من قصيدة "حالة حصار" لمحمود درويش

"نحن متعبون". عبارة تسمعها تتكرّر بين جيلٍ بأكمله، شباب يراهق ويشيب على فيضٍ من المعلومات وقليلٍ من الإرشاد. "ما باليد حيلة"، أصبحنا نكرّرها، حتّى المتفائلين منّا. هي حالة من الإحباط وصلها الكثيرون، حالة من الإرهاق والاطّلاع على مشاكل عديدة من دون التّوصّل إلى حلّ (أقلّه في المستقبل القريب). بعكس القرون الماضية، من الصّعب تجاهل ترابط المشاكل واشتباك بعضها ببعض. نحن اليوم مطّلعون (ربّما بكثرة زائدة) على ترابط الرّأسماليّة بالاستعمار بالأبويّة وغيرها من "خيرات" البشريّة، لكنّنا ما زلنا ننتظر التّخلّص منها، بطريقة أو بأخرى. وفي هذا الانتظار وخلق الأمل وطمسه واختلاقه مرارًا، إحباطٌ قد يجترف الرّوح وطاقاتها. وقد يكون من المفيد التّطرّق إليه واحتواؤه تمامًا كما نهتمّ بتعزيز الصّمود والأمل.


الحلول الشّخصيّة: ملجأ لبعض الوقت

شخصيّة أبو إياد في الفيلم الوثائقي "عالم ليس لنا" (2012) تعكس هذه الحالة جيّدًا. تعكسها، أو تعكس جزءًا منها، على ثلاث مراحل: الاعتياد على واقعٍ محبط، التّشبّث بأملٍ ما، ومن ثمّ انطفاؤه بفعل الواقع ذاته أو المستحدث. الوثائقي من إخراج الفلسطيني مهدي فليفل، وهو يصوّر شريحةً من تاريخ مخيّم عين الحلوة في لبنان، من خلال ذكريات طفولة المخرج وزياراته الصّيفيّة للمخيّم، بعد مغادرته مع العائلة إلى دبي، ومن ثمّ الدّنمارك. فليفل يسرد قصّته من خلال لقطات مصوّرة له ولعائلته، وأيضًا للمخيّم وسكّانه. يسردها، وفي الخلفيّة تعزف موسيقى جاز، في أسلوبٍ مشابه لذلك المتّبع في أفلام المخرج وودي ألن. مرح الموسيقى يلطّف بعض الشّيء من ثقل الإحباط المعاش.
يركّز الفليم على شخصيّات عدّة، منها جدّ فليفل الذي لا يفهم ما وراء تصوير حفيده له، ويطلب منه مرارًا إطفاء الكاميرا. وهنالك أيضًا بسّام، الملقّب بـ "أبو إياد". شابّ في الثّلاثينيات من عمره، يائس من الحال، الفلسطينيّة واللبنانية معاً (الأوّلى لاستطالتها، والثّانية لعنادها). صراحة أبو إياد تهزّ المشاهد، حيث لا يتورّع عن شتم فلسطين والقضيّة والقيادة سويًّا، حتّى تصل به الحال حدّ الطّلب من إسرائيل ذبح الفلسطينيّين أجمعين. "لقد دمّرنا أنفسنا بأنفسنا [وفي العامّيّة يستخدم فعلًا أشدّ قسوة]. لا أريد العودة إلى فلسطين"، يقول في مونولوجٍ غاضب ومؤلمٍ بصدقه. يشارك معنا أفكاره وإحباطه من القيادة الفلسطينيّة ومعاملة الدّولة اللّبنانيّة للاجئيها، وإحباطه الشّخصي من عدم استطاعته مغادرة المخيّم أو العمل.
هذا الإحباط يتبدّد بعض الشّيء عندما نرى أبو إياد يستعدّ للسّفر خارجًا. نراه يحرق كتبه ويستعدّ لترك كلّ شيء وراءه للبحث عن حياةٍ أفضل. يسأله فليفل كيف سيتدبّر أمره هناك، فيقول له إنّه سيجد طريقةً ما. هو لا يدري كيف سيتسلّل خارجًا أو ما الّذي سيفعله عند وصوله إلى أوروبّا، لكنّه سعيد ومتشوّق لذلك كالأطفال. نراه آملًا بواقعٍ أفضل. أمله هذا هو ذاته الذي افتقده من انعدام الحلول وفساد القيادات. في الشخصي، في السفر، والبحث عن الذّات، يجد أبو إياد خلاصه، ولو موقّتًا (وسيكون كذلك). يصل أبو إياد إلى اليونان، ويدخل دوّامة البحث عن العمل في اقتصادٍ منكوب. تقوده البطالة إلى السّرقة والجنس لإعالة نفسه. وينتهي الأمل الذي أشعلته فكرة الرحيل. من بعدها، تمسك به السّلطات اليونانيّة وترحّله عودةً إلى لبنان.
حلّ أبو إياد الموقّت وفشله يجسّدان جيّدًا ترابط منظومتي الاستعمار والرّأسماليّة، والإحباط الّذي يرافق استدامتهما. بانتقاله بين لبنان واليونان، يربط هو ما بين النّكبة الجغرافيّة/العرقيّة (في فلسطين وغيرها) والنّكبة الاقتصاديّة (في اليونان وغيرها)، ليصل طريقًا مسدودًا وصله ويصله الكثيرون. حلّه الشّخصي يجسّد الهرب من الحمل الكبير، واليأس الذي يرافقه، لجيلٍ كامل من الشّباب بشكلٍ عام، وأجيال فلسطينيّة مضت وتمضي في المخيّمات بشكلٍ خاصّ.


مساحة آمنة لليأس

الجميل في فيلم فليفل، عدا سرديّته الجذّابة وفكاهة شخصيّاته، هو خلق تلك المساحة التي تتيح الحديث عن اليأس. ذلك اليأس الذي قد يعتبر خيانة للقضيّة لكنّه ينبع من استطالتها (وخيانتها) أيضًا. الفيلم يخلق فسحة تتيح نقد الأمل الملقّن في انتظار تحرير فلسطين وعودة ناسها إليها. هي فسحة تتيح الهرب، بل والتّبرؤ من فلسطين وكلّ ما هو فلسطيني، من دون إطلاق الأحكام على المتبرّئ منهما. هي فسحة تتيح الحديث عن حالة اليأس من كلّ شيء واللّجوء إلى الاقتصادي والشّخصي لتحقيق الذّات والأحلام، التي قد (وعلى الأغلب أن) تفشل بدورها. الفيلم يستعرض الأمل المختلق والحقيقي. فنرى التّشبّث بأرض المخيّم لدى جدّ فليفل الّذي لا يرى حياةً أخرى له بغير المخيّم أو فلسطين، ونرى الأمل الملقّن وخيبته لدى أبو إياد. نرى إحباط كل منهما من انسداد الطّريق، كلٌّ على طريقته.
لكن إذا كان نوعا الأمل، الحقيقيّ والملقّن، يوديان للإحباط ذاته، فمن أين يأتي العون؟ قد يكون مصدره، أو أحد مصادره، في الخيال والخلق والاستعارة.
في بداية كتابه "تسلية أنفسنا حتّى الموت"، يتحدّث المدرّس والنّاقد الأميركي نيل بوستمان عن قوّة الاستعارة في خلق واقعٍ جديد. ويقتبس في ذلك عن المفكّر نورثروب فراي قوله إنّ "الاستعارة هي القوّة المولّدة - القوّة الموجودة في عبارة أو كتاب أو شخصيّة أو تاريخ لتوحّد وتعطي معنًى لمواقف وتجارب عدّة". ويتحدّث عن الصّدى، الذي هو الاستعارة بمفهومها الأكبر، في حالة اليونان وإسرائيل، قائلًا إنّ "التّفاصيل الصغرى في جغرافيّة دولتين مجزّأتين، اليونان وإسرائيل، قد فرضت نفسها على وعينا إلى أن أصبحتا جزءًا من خريطة عالمنا الخياليّ، بغضّ النّظر عن كوننا زرنا هاتين الدّولتين أم لا". أيّ، بفضل كتابات الإغريق والتّوراة، حظي شعبا كتّابهما بمكانٍ في خريطة العالم، حقيقةً وخيالًا. أيّ، ساهمت الاستعارة الأدبيّة وتثبيتها في مخيّلة العالم في تثبيت المكانين على أرض الواقع.
فيلم فليفل، مع كلّ ما فيه من إحباطٍ ويأس، يخلق أملًا بصدق شخصيّاته وابتعادها عن المبتذل من الشّعارات. يخلق أملًا باستعارته شخصيّات وتاريخا مؤلما ليوحّد تجارب الكثيرين من خلالها. وكذلك السّينما الّتي يخلقها فليفل وغيره، تستعير مكانًا من مخيّلة المشاهد (والقارئ في حالة الكتب)، تساهمان بخلق فلسطين جديدة.
ربّ يائسة بعض الشّيء لكنّها صادقة بيأسها. وإن كانت آملة فأملها يأتي من هذا الصّدق الّذي يؤسّس لصدى مستقبلي أصدق، تؤسّس عليه فلسطين باستعارتها واحتوائها يأس أبنائها وإحباطاتهم، تمامًا كما آمالهم الشّخصيّة والجماعيّة.