| 

استقليتُ السيارة باتجاه القدس. مرّ زمنٌ طويل لم أزر خلاله هذه المدينة. معالمها تغيّرت، قالت لي صديقتي التي رافقتني: "طوال الوقت هناك تغييرات في القدس، حتى أننا لم نعد نعرفها، ولا نتصوّر ملامحها الآتية". مجمّعات سكنية في مناطق يهودية، منتشرة بكثافة. أسوارٌ تحيط ببعض الأماكن، وجسور، وأنفاق.
رأيتُ الزينة في الشوارع والمطاعم الفارهة. رأيت مراكز تجارية، حديقة تتسامر فيها عائلة من المتدينين اليهود برفقة أطفالهم. الزوجة تحمل طفلاً وتلاطف آخر، وبقربها عربة فيها طفلان توأمان، أما الوالد المتدين فينظر حوله، ويبتسم لأطفاله – هنا، كان واضحًا أن لا مكان للعرب.
أمامي شخصان يأكلان الحلوى عند محطة الباص، بينما أبحث أنا عن ملامح عربية. توجّهتُ إلى رجلٍ يهوديّ متديّن بالسؤال: "هل يمكنك أن تدلني على بوابة العَمود؟". رمقني بنظرةٍ غريبة ولم يُجِب. أجابني آخر: "إلى اليسار". أولُ مشهدٍ رأيته بعد انقطاعي الطويل عن سوق القدس هو منظر الجنود على مدرجات باب العَمود. لم يسألوني شيئاً، لكنّ فوهات بندقياتهم أخافتني.
أمام المدخل الرئيسيّ للبوابة، وقف جنديان ببندقيتيهما الموجهتين نحو الداخلين، ينظران يمينًا وشمالاً، ثم يختفيان. نظرتُ إلى الزوايا كافة، اختفت معالم كثيرة. لم أرَ الملابس المعلّقة في الأعلى على الأحبال، لم أشهد للمكان الاكتظاظً الذي عشتُه في السابق، لم أرَ المارة يتدافعون. أما أصحابُ المحال التجارية فيقفون مع سجائرهم التي ينفثونها في هواء حرارته حارقة. على عتبات محالهم، يقفون ولا يطلبون منك الدخول.
هذه المرّة، رأيتُ السوق مختلفًا. لم أرَ بائع الكاسيتات، ولم أسمع صوت فيروز وهي تغني "مَرّيت بالشوارع". صوتها الحنون، أذكره يملأ السوق تغريدًا وشجناً. لا غناء ولا نداءات ولا رجاء للزبائن بالاقتناء من المحال التجارية. كانت أصوات الباعة منخفضة نسبيًا، والتجار يقفون أفرادًا وجماعات، يتبادلون الأحاديث ويحتسون القهوة.
مِن باب العَمود، دخلتُ لأجد عشرات الباعة ينتشرون على أرض المكان، يدلّلون على بضاعتهم وهم باعة خضارٍ وفواكه. آخرون نثروا الماء في المكان، ليمتصّ بعض حرّ تموز. يمرّ سيّاحٌ من محبّي الاستطلاع، يحلو لهم التقاط صورٍ للباعة والبضائع. ينهون مهمّتهم الاستطلاعية، فيشيحون أنظارهم وينسحبون إلى الوراء، بصمت.
على قارعة الطريق، جلست نعمت (أم إياد) وسط السوق، في منطقة الواد التي تنتهي بشارعٍ تجاوره محالٌ تجارية لباعة يهود. قالت: "اشترِ ضمة النعنع بـ 2 شيكل، أو أربع ضممّ وبراعيكِ بالسعر".
"هل أنتِ مقدسيّة؟"، سألتها. فأجابت: "لا.. أنا من بتير قرب بيت لحم". تعمل هنا "منذ عشرين عامًا تغيرت خلالها ملامح القدس تمامًا، تبدّلت المعالم.. في الماضي، كانت أفضل بكثير اقتصادياً وسياسياً". كيف تصف هذا التغيير؟ تقول: "بالأول، كان أفضل بكثير. فش ناس بالسوق زيّ الأول، فش مشترى، كلّ حدا داخل ع القدس بضيّقوا عليه كثير، والأصعب الجمعة، بسكّروا علينا، بس غير الروحان والجايان، وكل شيء غالي عليهن، غير التضييقات، بس إن شاء الله بيتحسن الوضع".
هي تعيش بين هنا وبتير، إذ "جئتُ إلى هُنا لأصرف على عائلتي بعدما أصيب زوجي المهندس بجلطة دماغية أقعدته، فعملت هنا لأعلّم أبنائي الثمانية".
في مخيطة قفطان أبو محمد، توقفتُ عند عتبة المكان، وسألته عن سنوات عمله في مهنة تصليح الملابس، فقال لي: "استأجرتُ المكان منذ ثمانية أعوام، كان الوضع مستقرًا أكثر. لكن الحياة تزداد سوءًا وضيقًا، وكلما قرّر وزير الأمن الداخلي أو قادة الشرطة إغلاق باب العمود، نغلق نحنُ أبواب مصالحنا التجارية ونعود إلى بيوتنا فارغي الجيوب والأيدي. كنا في الماضي نعيش على رزقة يوم الجمعة. اليوم، بسبب الملاحقات وإغلاق حركة المدينة ومنع مَن هم فوق سن الـ 50 من الدخول، ازدادت صعوبة الحياة هنا".
وهو، في أيامه، لا يحبّذ "مواجهة الجنود". يختصر الحديث معهم، "لأنني أريد أن أعيش، وأنا ممنوعٌ من تنفيذ أية مخالفة، وإلا سيتم طردي من هنا. لذا، قررتُ الصمت التام".
أمام حانوت جمال أبو سنينة (63 عامًا) - الأب لستة أبناء - وقفت لأتعرّف وأتبادل الحديث: "كان شهر رمضان المبارك أفضل شهرٍ بالنسبة إلينا من حيث الحراك التجاري. أنا هُنا منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لكن الأمور في تراجع. كنتُ في الماضي آتي لأفضفض عن نفسي. اليوم، آتي فأشعرُ بالغضب". يقول أبو سنينة: "لقد ورثت المحل التجاري من والدي، رحمه الله، كنتُ أعمل سابقًا كفران. بعد وفاة الوالد، قسمنا الممتلكات، واستلمت هذا المتجر".
يروي أبو سنينة عن ارتباطه بالسوق العتيق: "يوجعني قلبي وأنا أرى المستوطنين يتحرّكون في كلّ مكان، ولا يشترون. صحيح أننا أحياء، لكننا مش عايشين. أذهب صدفةً إلى منطقة يهودية فأرى الأطفال والكبار يتنزهون، ويتبضّعون، ونحنُ نكتوي بممارسات الشرطة والجنود. ورغم حبي للمكان، لكنّني بت، كلما وطئت قدماي الأرض، أشعر بالكآبة". يقول: "انظري كيف يضعون البسطات حتى يقتلوا المنطقة القديمة! ويلاحقوننا أسبوعيًا بالمخالفات. واضح أنهم يريدون تنظيفنا تمامًا كوننا عربًا".
لكن أكثر ما يضايق أبو سنينة هو "أنّ التجارة في القدس تكاد تموت، وصارت زيارة المقدسيين تزداد إلى رام الله والضفة، لأنّ الأسعار معقولة أكثر. كما أنّ الوضع في القدس يُرثى له. أينَ هي القدس التي أحبّها العالم؟! كيف يكون ذلك و80% من المقدسيين يعيشون تحت الصفر؟".
يتمسّك أبو سنينة بمحله التجاري المزروع في قلب السوق العتيقة في القدس، ويقول إنه لا يستطيع ترك هذا المكان والانتقال إلى أيّ منطقة أخرى. فكل زاوية في المكان تعني له الكثير، تحمل تاريخ أجداده وأبيه. وهو في معضلة، لأنه، كالعصفور الصغير، حسبما قال، لا يمكنه البقاء في عشّه، وحوله أطفاله يحتاجون إلى طعام.