| 

الكثير من شباب غزّة اليوم لا يعرفون معنى الانتظار والمرور بحاجزٍ إسرائيليّ في قلب المدينة يتحكّم بوقت دخولك إليها، أو يمنعك من الخروج تماماً. فمنذ انسحاب الاحتلال من القطاع في العام 2005، اختفت هذه الحواجز، وغاب حاجز "أبو هولي" الشهير الذي كان يقسم قطاع غزّة شطرين، شمالاً وجنوباً.
أذكر في العام 2003، كنّا مجموعةً من الأصدقاء اليافعين، لم تتعدّ أعمارنا 16 عاماً، أحببنا أن نرى بحر غزّة للمرة الأولى في حياتنا. ومع أننا من مدينة خان يونس في الجنوب، إلا أنه لا يُمكن لنا زيارة شاطئ مدينتنا إذ يعجُ بالمستوطنات الإسرائيليّة، فيما مدينة غزّة لا يُحاذيها مستوطنات على الشاطئ. فكان شاطئ مدينة غزّة هو قبلتنا، كما باقي سكّان الجنوب.
ليلة الرحلة، أمضينا ساعات ندعو الله فيها أن يسمح جنود حاجز "أبو هولي" بين خان يونس وغزّة بمرورنا. غالباً ما كان هذا الحاجز يُفتح السادسة صباحاً ويُغلق عند السادسة مساءً. لذا، خرجنا مع سائقٍ نعرفه ويعرفنا، يُتقن الحديث بالعبريّة، عند الخامسة فجراً تقريباً، بحيث نلحق "الدور" على الحاجز، ونكون من أوائل السيارات التي تعبر في حال فتح الحاجز. لمّا وصلنا، كان ما يزيد عن عشرين مركبة قد سبقنا إلى انتظار فتح الحاجز. أغلب الركّاب كانوا من طلبة الجامعات، الموظّفين، الصحافيين، والتجّار. لمّا أنار الجندي الإسرائيلي الإشارة الخضراء عند السادسة والربع تقريباً، كدنا نصرخ ونُغنّي من الفرحة. لكنّ وقت وصول سيارتنا إلى الجهة المُقابلة لـ "القلبة" التي فيها العسكر، نادى أحد الجنود على السائق عبر مايكروفون بالعبريّة، طالباً منه أن يدخل قسم التفتيش، وهو مكان كنّا نُسميه "الحلّابات".
السائق الذي استقللنا مركبته تجاوز الخمسين من العمر. كان يتحدّث العبريّة بطلاقة، وقد عمل في الداخل الفلسطيني المحتلّ لسنواتٍ طويلة، حتّى أن رخصة قيادته أخذها من مدرسة إسرائيليّة هناك. أخبرنا أن سبب التفتيش هو أعمارنا اليافعة: فمن المشبوه بالنسبة إلى الاحتلال أن يتنقّل حوالي سبعة فتيان من مدينة إلى أخرى، وحدهم. بعدما دخلت السيارة قسم التفتيش، جاءنا جنديّ وتحدّث مع السائق بالعبريّة. لم نفهم حديثه، ولكنّ، حين أشار إليّ وإلى أحد أصدقائي بسبابته، أيقنّا أن هناك مشكلة، وربّما لن نعبر الحاجز اليوم!
طلب الجندي من السائق هويّاتنا الشخصيّة، كي يُحقق فيها. لكنّ السائق أخبره بأن أعمارنا يافعة، ولم يكن أيّ منّا قد استخرج بطاقة هويّة بعد. إذ، في فلسطين، نستخرج الهويّة عند بلوغ 17 عاماً. إلّا أن الجندي لم يُصدّق أن عمري وعمر أحد أصدقائي يقلان عن 20 عاماً. علا صوت السائق والجنديّ، واحتدم الجدال، حتى اضطررنا للانتظار ساعة كاملة، إلى أن سمح لنا بالمرور، بعدما انتبه أحد الجنود إلى أن هذا السائق يعبر الحاجز يوميّاً، وهو لا يُشكّل أي خطر، وبعدما وعدهم بأنه سيعود بنا في المساء إلى خان يونس، بعد رحلة البحر!
الاستفزازات والمُضايقات كانت تحلّ بوتيرةٍ يوميّة. وكان لطلبة الجامعات من سكّان الجنوب النصيب الأكبر منها، فهم الأكثر تنقّلاً عبر الحاجز يوميّاً. وكان جنود الحاجز يتصيّدون طلاب "الجامعة الإسلاميّة" ويفتشونهم بشكلٍ شبه يوميّ، عدا اعتقال عددٍ كبير منهم بتهمة الانتماء إلى "حركة حماس". وفي كثيرٍ من الأحيان، كان يضطر طلبة الجنوب الى المبيت في مدينة غزة لأسابيع أو أشهر، خاصة لما كان الحاجز يُغلق كثيراً، حتّى لا يفوتوا امتحاناتهم الجامعيّة.

غزّة – جهاد أبو مصطفى
بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزّة، تهافت آلاف الفلسطينيين صوب المستوطنات التي سُمّيت في ما بعد "المحررات". بعضهم ذهب لرؤية أراضٍ فلسطينيّة لم يرها منذ 38 عاماً، وسط نشوة الانتصار، وكثيرون ذاهبون لجمع ما يُمكن أخذه ممّا تركه المستوطنون في المستوطنات. وعلى الرغم من وجود عناصر الأمن الفلسطيني بكثافة في المناطق حينها، إلا أنّهم لم يتمكّنوا من منع المواطنين من نقل الكثير من أشياء المستوطنات إلى منازلهم. الغريب في الأمر آنذاك كان رحيل المستوطنين عن غزّة من دون أن يأخذوا معهم شيئاً من ممتلكاتهم فيها. الفلسطينيّون وجدوا ملابس المستوطنين، مقتنياتهم، أثاثهم، سيّاراتهم، وأدوات زراعتهم.. كلّ شيء تقريباً بقي وراءهم، فاغتنمه السكّان!

مرحلتا الاستيطان

تقوم سياسة الاستيطان الإسرائيلي على أنّه: لا صهيونيّة من دون استيطان، ولا دولة يهوديّة من دون إخلاء العرب. وتتجسّد في نفي الآخر واقتلاعه، لا التعايش معه، أو حتّى القبول بوجوده. وعليه، أقامت إسرائيل بعد حرب العام 1967 وما تلاها لجهة احتلال قطاع غزّة، عدّة بؤر استيطانيّة تخدم أهدافها الإستراتيجيّة الرامية إلى تمزيق أواصل القطاع، والتحكّم في طرقه الحيويّة، وبسط سيطرتها على طول شاطئ غزّة، لا سيّما مع تزايد العمليّات الفدائيّة، وتسلل الفدائيين عبر شواطئ القطاع لتنفيذ عمليّات عسكرية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
الاستيطان في قطاع غزّة بدأ بوتيرةٍ أخف من تلك التي شهدتها الضفّة الغربيّة، لعدم وجود محرّك تاريخي وديني لدى الكيان يدفعه به إلى تكثيف المستوطنات في غزّة. ومع ذلك، فإن عمليّة الاستيطان الاستعماريّة في قطاع غزّة تركّزت خلال حقبتين رئيسيّتين: الأولى هي الفترة الواقعة بين العامين 1967 و1977، وهي المرحلة التي حكم فيها "حزب العمل" إسرائيل. أمّا الثانية فتمتد ما بين العامين 1977 و1991، وكان وقتذاك "حزب الليكود" يحكم إسرائيل.
في فترة الاستيطان الأولى، بنت إسرائيل خمس مستوطنات رئيسيّة في قطاع غزّة، توزّعت على مناطق الشمال، الوسط، الجنوب، الشرق، والغرب. وبمجرّد النظر إلى خريطة التوزيع، يمكن أن ندرك أنّ إقامة المستوطنات في تلك المواقع لم تأتِ عبثاً، بل أتت تطبيقاً لخطط مدروسة هدفها إحكام السيطرة على قطاع غزّة، ومُراقبة تحرّكات السكان على مدار الساعة، وتضييق الخناق عليهم، ومنع تسلل المقاومين نحو مناطق الشمال لتنفيذ عمليّات فدائيّة. لتأمين ذلك، كان لزاماً على الاحتلال مُراقبة غزّة عن طريق المستوطنات الخمس الأولى: إيرز، كفار داروم، موراج، نيتسر حزانى، ونتساريم.
بعد توقيع معاهدة "كامب ديفيد" مع مصر، سارعت إسرائيل إلى إقامة أربع عشرة مستوطنة في القطاع، أضيفت إلى الخمس الأوائل، لسد الفراغ الجيوسياسي الأمني الذي تبدّل لغير مصلحة إسرائيل عندما اضطرّت الى تفكيك مستوطناتها من شبه جزيرة سيناء، بعد توقيع اتفاقية السلام. فبرزت الحاجة لإعادة إقامة هذه المستعمرات، بحيث تكون جاهزة لتجميع قوات عسكريّة إسرائيليّة قريبة من الحدود المصريّة من جهة، وتكون مراكز استيطانيّة من جهة أخرى، تحكم سيطرتها بالكامل على معظم المناطق الساحلية لقطاع غزّة، كما لتبرير الوجود العسكري في هذه المنطقة. وكانت تلك هي المرحلة الثانية من الاستيطان، والأشدّ نموّاً.

الأحزمة الاستيطانيّة

التوزيع الجغرافي للمستوطنات الإسرائيليّة في قطاع غزّة يتبع ثلاثة محاور رئيسيّة، يُشكّل كلّ منها حزاماً يطوّق القطاع. اثنان من هذه الأحزمة يقعان داخل القطاع، بينما يقع الحزام الثالث خارجه، قُرب الحدود الشرقية. وقد أُنشئ هذا الأخير ليفرض طوقاً على غزة من الناحية الشرقية، ولتدعيم الحزامين الأول والثاني من خلال تجميع قوات عسكرية تكون على أهبة الاستعداد للتحرك إلى القطاع لحماية المستوطنات وسكّانها عند الحاجة.
يمتد الحزام الأوّل، وهو الغربي، على طول شاطئ القطاع، باستثناء شواطئ مدينة غزّة، مُخيّم جباليا، ومُخيّم دير البلح. وسبب ذلك أنّ العمران الفلسطيني قد سبق بكثيرٍ من الوقت نيّة إسرائيل إقامة المستوطنات في تلك المناطق، بالإضافة إلى الكثافة السكانيّة الشديدة في تلك المناطق الثلاث. وضمّ هذا الحزام ستّ عشرة مستوطنة إسرائيليّة، موزّعة توزيعاً جغرافيّاً مُنظّماً، لكي تحتل أكثر المناطق حيويّة. وقد جاء هذا الحزام ليفرض طوقاً على التجمّعات السكنيّة من غرب القطاع، ويعزلها عن شاطئ البحر. أمّا الثغرات التي لم يسلكها فقد بقيت خاضعة لرقابة شديدة من السفن الحربية الإسرائيلية.
أما الحزام الثاني، الأوسط، فتقع مستوطناته الثلاث إيرز، كفار داروم، وموراج على طريق صلاح الدين الرئيسي في وسط قطاع غزّة. وجاء توزيع هذه المستوطنات بشكلٍ يسمح لإسرائيل بإحكام السيطرة على الطريق الرئيسي الحيوي في القطاع، فمثلاً: أنشئت مستوطنة إيرز للتحكم بالمدخل الشمالي للقطاع، والتحكّم بالداخلين إليه والخارجين منه. أما مستوطنة كفار داروم فقد حلّت على الطريق الرئيسية بين مدينتي دير البلح وخان يونس، للتحكّم بالشريان وقطعه كلما دعت الحاجة إلى ذلك. فيما تحكّمت مستوطنة موراج بالطريق الرئيسية بين مدينتي رفح وخان يونس الجنوبيتين، بحيث تعزل مدينة رفح عند الحاجة عن محيطها الخارجي أو عن باقي القطاع.
مستوطنة إيرز التي تقع في هذا الحزام تُعد أوّل مستوطنة إسرائيليّة أقيمت في قطاع غزّة، أُنشئت في العام 1968، في موقعٍ استراتيجيّ عند الحدود الشماليّة للقطاع، وعلى رأس الطريق المُؤدّي إلى إسرائيل. بلغت مساحتها الإجماليّة حوالي 1200 دونم، وفيها عشرات المصانع والوِرش الصناعيّة، حتّى عُرفت بأنها مستوطنة صناعيّة. كما وُجد فيها مكتب الإدارة الإسرائيليّة لشؤون قطاع غزّة، الذي يتولّى مهمّة تنسيق سفر الفلسطينيين من القطاع إلى الداخل المحتل، من خلال معبر "إيرز/ بيت حانون" الذي يقع عند المستوطنة.. تلك المستوطنة تبعد عن شاطئ غزّة حوالي 6 كلم فقط.
قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة الثانية في العام 2000، كانت إسرائيل تسمح لآلاف العمّال الغزّيين بالعمل في المصانع والوِرش المُقامة في مستوطنة إيرز، بعد إصدار التصاريح المُمغنطة الخاصة بهم من الجانب الإسرائيلي. وحتّى وقتنا هذا، ما زال إيرز كـ "معبر" يُمثّل ممراً لا بد للغزيين اجتيازه عند السفر إلى الداخل المحتل، بعد الخضوع لتفتيشات إسرائيليّة صارمة. كثير من الفلسطينيين المطلوبين أمنيّاً للاحتلال تم اعتقالهم في تلك المنطقة في أثناء السفر للعلاج أو الدراسة.

الأحزمة شكّلت كتلاً استيطانيّة

لمّا كانت المستوطنات الإسرائيليّة قائمة في قطاع غزّة، شكّل الحزامان الأوّل والثاني كتلاً استيطانية ارتبطت بينهما بطرقٍ خاصة تتصل بإسرائيل بطرق عرضيّة تضمن سهولة الاتصال بالكيان الصهيوني. كانت ثلاث كتلٍ، في الشمال، الوسط، وجنوب القطاع. الكتلة الشماليّة وقعت شمال مدينة غزّة، وتضم مستوطنات نيسانت، أيلي سيناي، دوجيت، وإيرز. الكتلة الوسطى وقعت وسط القطاع وضمت مستوطنتَي نتساريم وكفار داروم. برز دورها في تقطيع أوصال القطاع إلى ثلاثة أجزاء، إذ فصلت مدينة غزة عن باقي الجنوب، والمعسكرات الوسطى عن محيطها الخارجي وعن مدينة خان يونس.
في جنوب القطاع، أنشئت أكبر كتلة استيطانية: تجمّع "غوش قطيف" الاستيطاني الذي يشمل ثلاث عشرة مستوطنة: نيتسر حزانى، قطيف، جاني طال، نفيه دكاليم، غديد، جان أور، بدولح، عتسمونا، بيت سيدح، موراج، رفيح يام، كفار يام، وتل قطيف. امتدت هذه الكتلة من شمالي مدينة دير البلح إلى الحدود المصرية الدولية، وسيطرت على مساحة شاسعة من الأراضي القريبة من شاطئ البحر من جهة، والقريبة من رفح وخان يونس من الأخرى. وأنشئت معظم مستوطنات هذه الكتلة بعد "كامب ديفيد"، وجلاء القوات الإسرائيلية عن أرض سيناء.
وفق إحصائيّات تعود للعام 2003، بلغت مساحة المناطق الصفراء في قطاع غزّة تحت السيطرة الإسرائيلية (تشمل المستوطنات، المحيط الأمني، والمناطق الصفراء) 60.072 دونماً، بما نسبته 16.6 في المئة من المساحة الإجماليّة لقطاع غزّة، على افتراض أن المساحة الإجماليّة لقطاع غزّة هي 365.000 دونم. وقد بلغ عدد المستوطنين قبل انسحابهم من قطاع غزّة صيف 2005 حوالي ستة آلاف مستوطن، كانوا يستهلكون حوالي 15 مليون م3 سنوياً من المياه، عبر استيلائهم على 43 بئر مياهٍ عذبة في القطاع. وتُشير الدراسات أيضاً إلى أنّ الأراضي التي أقيمت عليها المستوطنات الإسرائيليّة بعضها حكوميّة، وبعضها الآخر يتبع ملكيّات خاصة لمواطنين فلسطينيين.

شارون سحبهم

في 15 أغسطس/آب 2005، بدأت إسرائيل بتنفيذ خطّة انسحاب أحاديّة من قطاع غزّة، بعد احتلالٍ دام نحو 38 عاماً. وشملت الخطّة التي بادر إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرئيل شارون من دون تفاوض مع الفلسطينيين، إخلاء 21 مستوطنة من القطاع، وأربع مستوطنات في شمال الضفّة الغربيّة، على أن يتم الإجلاء قسراً للمستوطنين الرافضين للرحيل. إذ جوبه قرار "فك الارتباط" برفضٍ واسع بين جموع المستوطنين الذين كانوا يعيشون في المستوطنات الإسرائيليّة في قطاع غزّة.
خاض المستوطنون صراعاً عنيفاً ضد الخطة في محاولة لثني شارون عن المضي قدماً. وحاول آلاف المستوطنين التسلل إلى قطاع غزة لمنع تنفيذ الخطة. إلا أن جيش الاحتلال منعهم. وبموجب أوامر إغلاقٍ عسكرية، اعتبرت المستوطنات والمنطقة المحيطة بالقطاع منطقة مغلقة، يمنع دخولها. وبعدما كان شارون يرفض إجراء أيّ تنسيق مع الفلسطينيين حول تطبيق الخطة، عاد ووافق على إجراء تنسيق مع السلطة الفلسطينية، تحت تأثير الضغط الدولي، خاصة بعد وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وانتخاب أبو مازن خلفاً له. قامت السلطة عشية بدء تنفيذ الخطة بنشر قواتها على خطوط التماس بين مستوطنات قطاع غزة والأراضي الفلسطينية، استعداداً لتسلّم المستوطنات.
استبشر الفلسطينيّون آنذاك بأن يكون هذا الانسحاب خطوة أولى نحو تنفيذ خريطة الطريق، ما يؤدي إلى دولة فلسطينيّة تكون القدس عاصمتها. ووصفت السلطة الفلسطينيّة القرار بأنه أكبر هزيمة للمشروع الاستيطاني، بينما اعتبرته الفصائل نصراً للمقاومة. لكنّ شارون أعلن، بتأييد أميركي، أنّ إسرائيل ستحتفظ بسيطرتها على التجمّعات الاستيطانيّة الكبرى في الضفّة الغربيّة، ورفض التفاوض بشأن القدس، أو اللاجئين. وظلّت عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل وفق مبدأ حل الدولتين متعثّرة حتّى اليوم، فيما تضاعف الاستيطان الإسرائيلي في الضفّة الغربيّة والجزء الشرقي من قطاع غزّة، عدا تكريس الانقسام الفلسطيني الداخلي.


"فك الارتباط" بعد أكثر من "ثقب في القلب"

لم تأت التسمية الإسرائيلية للانسحاب بـ "فكّ الارتباط من طرف واحد" جُزافاً، إذ تعني أنّ إسرائيل غير مسؤولة في ما بعد عمّا سيحدث في القطاع، وغير مُلزمة بعدم إعادة احتلال القطاع أو اجتياحه عسكريّاً، في أيّ وقت، وبلا سبب. يعني ذلك أنّ الانسحاب لم يأت بناء على معاهدة بين طرفين، بل هو أمرٌ ارتآه الإسرائيلي، ونفّذه. ما يُفسّر حال قطاع غزّة راهناً.
وهو خيارٌ من لم يأت حرّاً تماماً. فالعمليّات التي نفّذتها المقاومة في غزّة ضد الثكنات العسكريّة الإسرائيليّة المُحيطة بالمستوطنات دفعت بحكومة الاحتلال إلى التفكير جديّاً بالانسحاب من القطاع، خاصة بعد تزايد وتيرة هذه العمليّات من جهة وجرأتها من جهة أخرى. نذكر من أبطالها على سبيل المثال الشهيد عمر طبش ("كتائب القسّام") الذي فجّر نفسه وسط جنود الاحتلال في منطقة "المطاحن"، بين مدينة دير البلح وخان يونس، في يناير/كانون الثاني 2005، مُنتقماً من جنود الحاجز الذين كانوا يُذيقون عابريه الذّل والمهانة والاستفزاز يوميّاً. وما نشرته "كتائب القسّام" عن الشهيد يفيد بأنّه كان يجتاز الحاجز ثلاث مرات يومياً، في أثناء تنقله بين مدينته خان يونس وغزّة حيث جامعته. بعد طول صبرٍ وغضب، فجّر جسده فيهم، موقعاً العشرات بين قتيلٍ وجريح، بينهم اثنان من كبار رجال "الشاباك" الإسرائيلي. سُمّيت العمليّة آنذاك: "ثقب في القلب".
عملّيات المقاومة كما عمليات إطلاق قذائف الهاون محليّة الصنع صوب المستوطنات والثكنات العسكريّة، كبّدت إسرائيل خسائر بليغة، وجعلت المستوطنين يعيشون في حالة عدم استقرار. ما تسبب بعدم الاستفادة الماديّة من قطاع غزّة، ما شكّل سبباً هاماً دفع بحكومة الاحتلال إلى الانسحاب من القطاع. فقد كانت الحكومة تُنفق ملايين الدولارات على المستوطنات والمستوطنين لحمايتهم من دون فائدة عائدة عليها، لعدم توفر موارد طبيعية أو صناعية في القطاع.
أورد كتاب "كلفة الاحتلال للمجتمع الإسرائيلي" لمؤلفه شلومو سبيرسكي حقائق عن الكلفة الباهظة والخسائر الجسيمة التي تسببت بها الانتفاضة والمقاومة المسلحة والعمليات الاستشهادية في صفوف إسرائيل، حيث بلغ عدد قتلى إسرائيل ما بين سبتمبر/أيلول 1987 (تاريخ اندلاع الانتفاضة) وديسمبر/كانون الأول 2004، ما يناهز 1355 قتيلاً، و6709 جرحى من المدنيين والجنود. ووصلت قيمة تعويضات المدنيين الذين قتلوا أو جرحوا على يد المقاومة سنة 2003 إلى 350 مليون شيكل، ما يقارب ثمانين مليون دولار، ناهيك عن التعويضات الخيالية التي تدفعها وزارة الدفاع للمصابين من الجنود.

مصير "المحرّرات"

كانت المستوطنات الإسرائيليّة تجثم على أراضي قطاع غزّة، وكان جنود الاحتلال الذين يحرسون هذه المستوطنات ويحمون المستوطنين يتحكّمون بحياة الفلسطينيين وفق مزاجهم، خاصة جنود المستوطنات التي كانت قائمة على طول شارع صلاح الدين في وسط القطاع. كان بإمكانهم فصل محافظات القطاع عن بعضها البعض في لحظة. وكان أكثر من ذاق هذه المعاناة وتجرّعها طلبة الجامعات من سكّان الجنوب، أي محافظتي خان يونس ورفح. إذ كانت جامعاتهم تقع وسط مدينة غزّة شمالاً، وتوجب عليهم يوميّاً الانتظار بالساعات أمام الحاجز الإسرائيلي لحين السماح لهم بالعبور، ذهابا ثم إياباً.
بعد "تحريرها"، أُرجعت الكثير من أراضي المستوطنات الحكوميّة إلى عهدة الحكومة، كما أن الأراضي التي تعود لملكيّة خاصة عادت لأصحابها وورثتها بعد تقديم الأوراق الثبوتيّة. وأُقيم في إحدى مستوطنات خان يونس، بالقرب من البحر، "جامعة الأقصى". في بعض المستوطنات، وجدت مبان حديثة مبنيّة على أحدث طراز، منعت قوى الأمن المواطنين الاقتراب منها، وتمّ تحويلها إلى مشاريع ومبانٍ حكوميّة، والاستفادة منها.
بعد سيطرة "حماس" على القطاع بالقوّة صيف العام 2007، بدأت حكومتها في القطاع ببيع بعض قطع أراضي "المحررات" الحكوميّة للمواطنين، مقابل أسعار رمزيّة للغاية. الهدف من ذلك كان رفد ميزانيّة الحكومة التي عانت عجزاً مالياً كبيراً، أعاقها عن الإنفاق على موظّفيها. في بعض المناطق، بيع الدونم الواحد مُقابل 10 آلاف دينار أردني، وأحياناً أقل بقليل، علماً أن دونم الأرض في أرخص منطقة في قطاع غزّة لا يقل عن 30 ألف دينار أردنيّ. حكومة "حماس" باعت الأراضي بنظام العقود، ولم تسمح لمالكيها بتسجيلها في "الطابو الفلسطيني"، أو إعطائهم رخص بناء منازل في تلك الأراضي. فقط، سمحت لهم بالزراعة في هذه الأراضي، وإقامة غرفةٍ صغيرة، وليس منزلاً متكاملاً.
رغم ضبابيّة الموضوع، وعدم معرفة مآل هذه الأراضي لاحقاً، وما إذا كانت ستعود إلى الحكومة، أم سيتملّكها المواطنون رسميّاً، بقيت مسألة البيع شبه متوقفة الآن، خاصة بعد تشكيل حكومة "الوفاق" الفلسطينية. لكن أصحاب الأراضي الذين دفعوا أموالاً للحكومة لا يعرفون مصير أراضيهم مستقبلاً.
إلى ذلك، اختارت حكومة "حماس" أراضي "المحررات" في غزّة لإقامة مشاريع الإسكان التي تتبرّع بها بعض الدول. ففي "محررات" مدينة خان يونس، تُقام حاليّاً "مدينة الشيخ حمد"، أمير قطر السابق. كذلك، بُنيت عدّة أحياء سكنيّة دوليّة، وسُلّمت للمواطنين الذين فقدوا منازلهم خلال الحروب المتكررة على قطاع غزّة.
اليوم، وبعد عشر سنوات من الانسحاب الإسرائيلي من مستوطنات القطاع، كثيراً ما يُصرّح ضبّاط ونوّاب إسرائيليّون أنّ انسحاب آرييل شارون من غزة كان خطأً فادحاً، مدّعين أن "إيران مُصغّرة نشأت في القطاع". يقولون أن إسرائيل لم تحصل على شيء مُقابل إخلائها المستوطنات، سوى ازدياد قوّة فصائل المقاومة في القطاع ودخول السلاح إلى قطاع غزّة المحاصر!