| 

تقوم سياسة الاحتلال الإسرائيليّ على فرضية أن كلّ مواطن فلسطينيّ يعتبر خطراً أمنياً، يجب إخضاعه للرقابة الأمنية. وعليه، نصبت إسرائيل مئات الحواجز العسكرية، وعلّقت مئات كاميرات المراقبة التي تسجّل حركة المواطنين بين المدن والقرى.. لدرجة أنه بات باستطاعتها إحصاء عدد السيارات التي تحرّكت في هذا اليوم. ما تسوّقه دولة الاحتلال كتبرير للمسّ بحرية الحركة والتنقل الخاصة بالناس.
"مؤسسة الحق" التي تعمل على توثيق انتهاكات جيش الاحتلال في الضفة الغربية، أكدت في منشوراتها أن "فرضية الاحتلال العنصرية تقود إلى مسٍّ جارف بحقوق الإنسان للسكان جميعاً، على أساس منشئهم القومي. ولهذا، فإن هذه السياسة تعتبر انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، يجب أن تحاكم عليه إسرائيل بحسب القانون الدولي".

"تبييض" الحواجز: جندي يساعد مسنّة!
اخترعت دولة الاحتلال العديد من الطرق للسيطرة على حركة الفلسطينيين وحرية تنقلهم في الضفة الغربيّة. ثبتت في فضائهم الحواجز العسكرية والكتل الترابية والبوابات الالكترونية والبلوكات الأسمنتية وطبعا الأسلاك الشائكة. وقد بلغ عدد الحواجز العسكرية، بجميع أشكالها، ذروته في العام 2002 مسجّلاً حوالي 610 حواجز، ليتقلّص الرقم في السنوات الأخيرة إلى نحو 460 حاجزاً بين ثابت وطيار، منها 17 حاجزا ثابتا داخل مدينة الخليل القديمة وحدها، يقف عليها مئات الجنود المدججين بالأسلحة الفتاكة.
الجدير ذكره هنا أن دولة الاحتلال تحاول في هذه الأيام تحسين صورة الحواجز، من خلال ضخ بعض الصور في الإعلام، وتحديداً تلك التي تظهر أحد جنودها وهو يقوم بمساعدة سيدة فلسطينية مسنّة، وهي تعبر حاجزاً عسكرياً. وقد تناقلت الصورة فعلياً بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية، فيما تلقفها نشطاء شبكات التواصل الاجتماعي في إسرائيل كهدية أضافوا عليها تعليقات تمجّد الجندي الإسرائيلي وتحيي "إنسانيته".
من التعليقات التي ترجمتها "السفير"، نذكر مثلاً ما كتبه الإسرائيلي يوسي آرون باللغة العبرية على صفحته الإلكترونية كتعليق على الصورة: "قتال (الإرهابيين) لا يمنع جنودنا من مساعدة الفلسطينيين الذين يحتاجون للمساعدة على الحواجز في الضفة الغربية".
ورأت زهافا ليفي، التي تنشر صورة لها بلباس المتدينين تحت شعار "الموت للعرب"، إن "الجندي الإسرائيلي إنسان مع العرب رغم ما يقوم به العرب من إرهابٍ ضدنا".

تعذيبٌ بتقييد الحركة
لطالما أبدت إسرائيل استمتاعاً بيروقراطياً بإذلال المواطنين الفلسطينيين، من خلال بناء الجدار الفاصل ونظام التصاريح المعقّد الذي تعمل به. وهي حرّة في اعتقال من تسمّيهم بالمطلوبين لديها من المناضلين الفلسطينيين، وتقيد حركة حوالي 2.7 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية، وتعيق وصولهم إلى الخدمات الأساسية وأماكن العمل والعبادة والدراسة.
تدّعي السلطات الإسرائيلية أن هذه الإجراءات ضرورية لضمان أمن المواطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في دولة الاحتلال، وفي مستوطنات الضفة الغربية. فيشمل حصار الفلسطينيين منعهم من التنقل على االشوارع التي يستخدمها المستوطنون. هناك مسافة تقارب الستين كيلومتراً من الشوارع في الضفة الغربية يمنع على الفلسطينيين استخدامها، حسبما نشرت منظمة "بيتسليم" الاسرائيلية التي تنشط في توثيق الانتهاكات الإسرائيلية في الضفّة الغربية وقطاع غزّة.
يشرح هنا الخبير بالشؤون الإسرائيلية محمد أبو علان لـ "السفير" أن "حواجز الاحتلال الإسرائيلي في الضفّة الغربية والقدس المحتلّة كانت وما زالت تشكّل ساحة إعدامات للفلسطينيين على يد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي بحججٍ واهية، منها عدم الانصياع لأوامر الجنود على الحاجز، أو محاولة طعن جندي، أو محاولة سرقة أسلحة من جنود، ...".
ويضيف: "حواجز الاحتلال الإسرائيلي هي نقاط إذلال للفلسطينيين يخضعون فيها لتعذيب. فعلى هذه الحواجز، ينتظر الشيوخ والنساء والأطفال والرجال، الأصحاء منهم والمرضى، لساعاتٍ طوال في حرّ الشمس وبرد الشتاء. وقد توفي الكثير من المرضى لمنعهم من اجتياز الحواجز، أو نتيجة تأخير مرورهم في بعض الحالات. وسجلت حالات ولادة ووفيات بين أمهات ومواليد.. هذه الانتهاكات تكررت على حواجز الاحتلال خلال فترة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وما زالت مستمرة حتى يومنا هذا".
ويتابع أبو علان: "هذه الصورة الواقعية والقبيحة لحواجز الاحتلال الإسرائيليّ يسعى الجيش لتجميلها عبر صناعة صور توحي بإنسانيته الزائفة، وآخر صناعة لمثل هذه الصور تمت قبل أيام عند حاجز زعترة في جنوب مدينة نابلس، وحاجز "الكونتينر" بالقرب من بيت لحم في جنوب الضفة الغربية".
ويظهر في الصورة جنديٌّ من وحدات ما يسمّى بحرس الحدود، العاملة في إطار شرطة الاحتلال، يساعد سيدة فلسطينية مسنّة على نقل أغراض كانت تحملها في أثناء عبورها الشارع. خصصت "الفضائية الثانية الإسرائيلية" مساحةً واسعة لهذه الصورة على شاشتها وعلى موقعها الإلكتروني، ما يدلّ بوضوح على النيّة المسبقة في استغلال الصورة لتجميل حواجز جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي.

إضافة الجناية على الخطيئة
يلفت غسان دغلس، مسؤول ملف الاستيطان في شمال الضفة الغربية، "السفير" إلى أن "هذه الصورة ليست الوحيدة التي لجأ إليها جنود الاحتلال في محاولة لتجميل وجوههم. فكلنا نذكر العيادة الميدانية التي أقامها جيش الاحتلال عند حاجز حوارة قرب نابلس، لخدمة الحالات الانسانية. وقد استدعى وسائل الإعلام لتصويرها، ولكنه لم يستخدمها قطّ في عملٍ إنسانيّ".
وأضاف دغلس: "سلطات الاحتلال ادّعت إقامة مستشفى ميدانيّ شكليّ على حاجز "إيرز" أيضاً، في شمال غزّة، خلال العدوان الأخير على القطاع. وأجبر طواقم "الهلال الأحمر الفلسطيني" على إدخال سيدة من غزّة كانت في الطريق لتلقي العلاج في الضفة الغربية إلى هذا المستشفى الميداني، من أجل التقاط صورة لها بحجة علاجها. تلك الصورة صارت الدليل لاحقاً في الدعاية على أن جيش الاحتلال يقدّم المساعدات الطبية لسكان قطاع غزّة خلال حربه عليهم!".
ووفقاً لدغلس، فإن "جيش الاحتلال يسعى لتحويل هذه الصور إلى ظاهرة عبر نشرها على المواقع الإخبارية الإسرائيلية. وفعلاً، استدلّ بها نشطاء شبكات التواصل الاجتماعيّ الإسرائيليون على إنسانية جنود الاحتلال، ما استفز المراقبين الفلسطينيين ومؤسسات حقوق الانسان بطبيعة الحال".
من جانبه، كان عضو اللجنة المركزية في "حركة فتح" سلطان أبو العنين قد دعا الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية إلى حمل السلاح والدفاع عن نفسه نتيجة الممارسات الاسرائيلية على الحواجز وفلتان المستوطنين. وقال لـ "السفير" في صدد الصور الأخيرة المروجة للحواجز إن "الإعلام الاسرائيلي يحاول تجميل صورة حواجزه العسكرية البشعة. إن هذه الحواجز وجدت لحماية المستوطنين الذين يتزايدون على طرقنا وأرضنا".
كذلك، رفضت منظمة "بيتسلم" سياسة الحواجز التي ترتكز عليها حكومة الاحتلال. واعتبرت المنظمة في منشور على صفحتها الالكترونية أن "أحد الأهداف المصرّح بها بخصوص سياسة فرض القيود على حريّة تنقّل الفلسطينيين هي الحفاظ على أمن المستوطنين، على ضوء عدم قانونية المستوطنات ذاتها، فإن هذا يأتي كإضافة الجناية على الخطيئة".
وتابعت المنظمة في بيانها قائلةً أن "سلطات الاحتلال تقوم بالمسّ غير التناسبيّ بحرية الحركة بالنسبة للسكان جميعاً، من أجل تنفيذ وتخليد سياسة غير قانونية في الأصل. لكن، حتى لو كانت القيود تهدف إلى منع العمليات الفلسطينية داخل إسرائيل ذاتها، وليس المستوطنات، فإن هذه السياسة تبقى غير قانونية، إن واقعها يجعلها عقاباً جماعياً محظوراً".