| 

باكراً، أدركت "الحركة الصهيونية" أهمية امتلاكها أجهزة مخابرات قويّة. إذ سبق إنشاء دولة إسرائيل بتسعة وعشرين عاماً، تأسيس جهاز المخابرات الأول للتجسّس على الفلسطينيين والعرب. ثم تبعه تأسيس أجهزة عدّة أتت كلّ حلقةٍ منها كمقدمة تمهّد الطريق بالخبرات للخطوة التالية.
كرّست أجهزة المخابرات الصهيونية جهودها لجمع معلومات تفصيلية حول القرى والعائلات الفلسطينية. وأرفقت ذلك بحرب نفسية مدروسة لتفتيت النسيج الاجتماعي، وإثارة النعرات بين المسلمين والمسيحيين، تمهيداً لتنفيذ التطهير العرقي.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج تلك الأجهزة الاستخبارية، بدءاً من "شاي" جهاز مخابرات "الهاغاناة"، ثم وحدة "المستعربون"، ومخابرات "الأرغون".
في هذا العدد، سنتطرق لجهاز "الموساد" وستختم هذه السلسلة في العدد المقبل بالحديث عن "أمان"، وهو جهاز الاستخبارات العسكرية، ويعتبر من أجهزة المخابرات التي نشأت بعد الإعلان عن تأسيس إسرائيل، بالاعتماد على ذلك التراث الاستخباريّ.

أنس أبو عرقوب

الجذور التاريخية لـ "الموساد" تعود إلى "شاي"، جهاز مخابرات "الهاغاناة". في شهر حزيران/يونيو من العام 1948، وبعد فترة وجيزة من إنشاء الجيش الإسرائيلي، جرى تفكيك "شاي". فوُزّعت مهامه على ثلاثة أجهزة: "ممان" - قسم الاستخبارات في الجيش (تحوّل اسمه لـ "أمان" لاحقاً)، و "القسم السياسي"، وكان جهازاً استخبارياً تابعاً لوزارة الخارجية، وجهاز "الشاباك". وقد ترأس القسم السياسي رؤبين شيلوح، الذي تخصّص بجمع المعلومات الاستخبارية خارج إسرائيل.
بعد إنشاء الجيش، لم يكن تقاسم المهام والصلاحيات بين تلك الأجهزة الاستخبارية واضحاً، فنشبت صراعات قوى بين قادتها. خلال حرب 1948، سادت حالة عدم رضى على الأجهزة الاستخبارية لكونها لم تساهم بشكل فعّال بالحرب. ما دفع رئيس الوزراء ووزير "الدفاع" الأول، ديفيد بن غوريون، إلى إعادة هيكلة أجهزة استخبارات الدولة الوليدة.
في شهر كانون الأول/ديسمبر من العام 1949، كلّف بن غوريون، رؤبين شيلوخ، بتأسيس "الموساد". وتعني الكلمة بالعربية: "مؤسسة الاستخبارات والمهام الخاصة". وسئل الجهاز الجديد عن القسم السياسيّ في وزارة الخارجية، إلى جانب تنسيقه لنشاط جهازي "الشاباك" والاستخبارات العسكرية "ممان".
في شهر آذار/مارس من العام 1951، نُقلت مسؤولية الإشراف على "الموساد" من وزارة الخارجية إلى رئيس الوزراء بشكل مباشر. في العام 1952، اعتزل شيلوخ منصبه كرئيس لـ "الموساد"، وعُيّن ايسار هرئيل رئيساً للجهاز. استمر في منصبه حتى العام 1963، إلى جانب رئاسته جهاز "الشاباك" آنذاك. وقد ظلّ اسم رئيس الجهاز سرّياً حتى العام 1996، بعد إعلان الحكومة أن داني ياتوم سيخلف شبتاي شفيت في منصب رئيس "الموساد".
وبخلاف الجيش الاسرائيلي وجهاز المخابرات "الشاباك"، تعتبر أهداف "الموساد"، هيكيلته، وصلاحياته غير محدّدة ولم ترد في أيّ قانون. كلّ معلومة حول "الموساد" يتطلب نشرها في إسرائيل الحصول على تصريحٍ مسبق من الرقابة العسكرية على وسائل الإعلام. كما أن رئيس الجهاز يشغل منصب رئيس لجنة مكوّنة من رئيسي جهازي الاستخبارات العسكرية "أمان" و "الشاباك"، ورئيس قسم المهام الخاصة في الشرطة، ورئيس مركز الأبحاث في وزارة الخارجية، وهو جهاز يمارس مهام استخبارية.

الشعار، الوظيفة، والأقسام

يتخد "الموساد" من شمعدان الهيكل رمزاً له. حوله، صُكّ شعار: "في غياب الحيل يسقُط الشعب، والخلاص يأتي بكثرة المستشارين". وهي جملة مسنوبة للنبي سليمان، طبقاً للمعتقدات اليهودية.
وبعد مراجعة الأدبيات المنشورة في إسرائيل حول "الموساد"، بالإمكان استخلاص المهام الأساسية الموكلة إليه. فهو مكلّف بالإنذار حول اندلاع حرب وشيكلة، وجمع معلومات استخبارية عسكرية وسياسية في الخارج عبر التجسس على الدول والاشخاص والمنظمات والشخصيات، وإجراء أبحاث وتحاليل للمعلومات الاستخبارية. وقد نظّم "الموساد" عمليات جلب يهود الدول العربية والإسلامية وأثيوبيا إلى إسرائيل، بالتعاون مع أجهزة استخبارات عربية ومسؤولين عرب. كما أن "الموساد" مسؤول عمّا يعرف في إسرائيل بـ "الديبلوماسية السرّية" التي تعني تأسيس العلاقات مع الدول العربية والإسلامية التي لا تقيم علاقات علنية مع إسرائيل وإدارتها.
ويتكوّن "الموساد" من إدارتين: إدارة الأركان، وتضمّ الوحدات المتخصصة بالتخطيط والموارد البشرية واللوجستية، وإدارة العمليات التي تضمّ الأقسام والوحدات العملياتية التالية:
1- "تيفيل"، وتعني بالعربية "العالم": هذا القسم مسؤولٌ عن العلاقات الاستخبارية والديبلوماسية مع الدول الأجنبية. ويقع في نطاق مهامه إقامة العلاقات مع الدول التي لا تقيم علاقات علنية مع إسرائيل، والتنسيق معها.
2- "تسومت"، وتعني "مفترق طرق": هو القسم الذي يضمّ ضباط جمع المعلومات، الذين يديرون شبكات الجواسيس في أرجاء العالم.
3- قيساريا: قسم العمليات، ويضم أيضاً في صفوفه وحدة "كيدون" المتخصصة بتنفيذ الاغتيالات. ومن بين الاسماء التي ترأست هذا القسم، يرد اسم اسحاق شامير، رئيس الوزراء الأسبق، الذي شارك بعملية اغتيال الوسيط الدولي للأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت، في أثناء عمله كقياديّ في منظمة "ليحي".
4- نيفعوت ("ينابيع"): يتولى هذا القسم مهمة جمع معلومات استخبارية بالاعتماد على وسائل إلكترونية، مثل زرع أجهزة التنصّت.
5- تسفيريم ("ريح الصباح"): القسم المكلف بتأمين الحماية لليهود في الخارج. وقد عمل في السابق على تهجير اليهود من الدول العربية والإسلامية إلى إسرائيل.
6- قسم التكنولوجيا: مهمته تطوير الوسائل التكنولوجية لتحسين قدرات وحدات العمليات.
7- قسم الاستخبارات: ويضم وحدة الأبحاث التي تعدّ التقديرات العسكرية والسياسية، وتجري أبحاثاً لرسم أهداف "الموساد" البعيدة المدى.

دائرة، وليست هرماً

يرى رئيس جهاز الموساد من العام 1989 وحتى العام 1996، شفتاي شفيت، أن سرّ نجاح عمليات "الموساد" يكمن في اعتماد هيكلية دائرية وليس هرمية، خلال تنفيذ العمليات. يقول: "هيكلية النشاط العملياتي، في "الموساد" دائرية مسطحة، وليس ثمة جهاز مخابرات على هذا النحو. قناة اتصال القيادة تربطها مباشرة بالعناصر في الميدان، قيادة العمليات تتكوّن من رئيس "الموساد"، وقائد الوحدة، ثم المقاتل بالميدان. في مثل هذه الهيكلة المسطحة، يتمكن المستوى الأدنى من استدعاء رئيس "الموساد" والحصول على استشارة منه".
غاد شمرون، مؤلف كتاب "الموساد والأسطورة" الذي شغل منصباً رفيعاً في الجهاز، يرى أن سلسلة الاغتيالات التي نفّذتها إسرائيل بحجة الانتقام من العملية التي استهدفت رياضييها في ميونيخ في العام 1972، ساهمت بتكريس مقولة "الموساد قادر على كلّ شيء". تلك الاغتيالات تمت بعدما أقرّت رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير قائمةً بأسماء اثني عشر شخصاً. جزءٌ من الضحايا كانوا مفكّرين فلسطينيين وعرباً، قتل بعضهم في أوروبا وآخرون في لبنان.
إيتان هابر، الذي عمل مديراً لمكتب رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين، كشف أنه بالغ بالحديث عن قدرات "الموساد": "كانت قصصاً وأساطير لم يحرص "الموساد" على إنكارها بل حرص على تطويرها. لقد مارسنا الخداع، كنا مجموعة كبيرة من العاملين بالإعلام، وفي مجال الكتابة، وحرصنا على المبالغة برواية قصص "الموساد"، وأنا ألفت كتباً عن "الموساد" ساهمت بإثرائي".
كذلك، أقرّ مدير عام وزارة الخارجية السابق ايتان بن تسور، خلال تحقيق تلفزيوني أعدّه الصحافي بن كسبيت، بوجود مبالغة في نسج الأساطير حول قدرات "الموساد"، بهدف تعزيز الردع وإثارة الخوف. وكشف أنه شارك في مشاورات، عندما كان مساعداً لوزير الخارجية ايبان، سبقت "عمليات اغتيالٍ هادئة" نفذها "الموساد". فيلم "شفاه مغلة" الوثائقي، الذي بثه التلفزيون الإسرائيلي، ضرب مثلاً عن "الاغتيال الهادئ"، أو "الموت الغريب"، بالإشارة إلى اغتيال القياديّ في "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" وديع حداد، الذي استشهد إثر تناوله شوكولاته مسمومة، في العام 1978. ويقول الباحث المتخصص بالشؤون الاستخبارية رونين برغيمان: "كانت محاولات اغتيال غير ناجحة. حتى المستهدفين لا يعرفون أن "الموساد" حاول قتلهم. وثمة عمليات ناجحة ولم تنسب لـ "الموساد"، وثمة أشخاص قتلوا ولم يُقل إنه قد تمّ قتلهم.. قيل إنهم توفوا بشكل طبيعي".