| 

لا يدور الحديث عن شخصٍ آخر، سواء كان طفلاً بُتر خنصره، أو شاباً توفيّ بهبوطٍ قلبيّ حادّ جرّاء غياب الطبيب المناوب، أو طفلين فارقا الحياة بعدما أجريت لهما عملية الشفة الأرنبية، أو أمّاً انتظرت جنينها ليخرج بلا رأسه، أو مرضى أو مصابين بحوادث لم تصلهم سيارات الإسعاف إلا بعدما فارقوا الحياة، أو شابّة متزوّجة حلمت كغيرها بأن تكون أمّاً وحرمت من ذلك نتيجة التشخيص الخطأ.
لم أفكّر من قبل بالكتابة عن الإهمال الطبيّ في فلسطين، ولم أكن أتخيل يومًا أن أكون أحد ضحاياه. أتحدث هنا عن نفسي وعن تجربتي الخاصة. والحديث لا يدور عن مرضٍ عضال أو جرحٍ خطير، فالموضوع لم يتعدَ انزلاقًا عن سلّمٍ في قبو البناية التي أسكنها، أدّى إلى عدّة كسور في عظمة الفخذ اليسرى. كان ذلك في الشهر الأول من العام 2010، وها نحن الآن في الشهر الثامن من العام 2015، أيّ مضى على الحادثة ما يقارب ثمانية وستين شهرًا (أي خمسة أعوام وثمانية شهور). إن العلاج الذي خضعت له بين شتاء 2010 وصيف 2015، مرة أُخرى، استهدف مجرّد إصابةٍ بعدّة كسورٍ في عظمة الفخذ، أُدخلت على إثرها إلى أحد المشافي الخاصة في مدينة رام الله، ليتبين أنني بحاجةٍ إلى جراحة طارئة. أُجريت الجراحة في يوم الحادث نفسه، وُضعت خلالها صفائح بلاتين وبراغٍ لتثبيت العظم المكسور، ومكثت عدّة أيامٍ في المستشفى لأعود بعد ذلك إلى المنزل مستعينًا بعكازاتٍ تعينني على المشي لبضع خطواتٍ داخل المنزل، ومجموعة أدواتٍ أخرى تساعدني في تدبير أموري الضرورية، كالاستحمام وما إلى ذلك.
توقع الطبيب الذي أجرى الجراحة أنني أحتاج مدةً تتراوح ما بين شهرين وثلاثة أشهر أتماثل خلالها للشفاء، وأعود بعدها إلى حياتي الطبيعية. فكرت حينها بأنه لا بأس في إجازة قسرية طويلة، أطالع خلالها عدّة كتبٍ تكدّست على رفوف مكتبتي، وأشاهد الأفلام المؤجلة.
بدأت الأيام تمضي دونما تحسّنٍ جوهريّ، ودونما تراجعٍ في حدّة الآلام اليومية. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل راحت الآلام تشتدّ شيئًا فشيئًا، وأنا أعالجها بالمسكنات. مرّ الشهر الأول، وتبعه الثاني، فالثالث، من دون أيّ تقدّمٍ ملموس. عند مراجعة الطبيب الجرّاح، قال إنها ما زالت مسألة وقتٍ. ويعود ما يقلقني من عوارض إلى تأخر إلتحام الكسر الأكبر. مرّ الشهر الرابع، والخامس، والسادس، على النحو ذاته. تفاقمت الآلام من دون أية إشارات إلى قُرب الفرج. مرّ الشهر السابع مع أوجاعٍ وآلامٍ منقطعة النظير، بحيث إنها ضاهت بقوتها وجع لحظة الإنزلاق. ذهبت إلى الطبيب الذي استغرب استمرار الألم فبدأ بِحقني بمسكّن "المورفين". وفي أحيانٍ أُخرى، كنت ألجأ، وبتوصيةٍ من الطبيب نفسه، إلى مسكّنات "الترمال".. هذا المسكن الممنوع في العديد من الدول لما يحويه من موادٍ قويّة مخدّرة.
صديقنا الطبيب لم يقدّم سوى تفسيرٍ واحدٍ وعلاجين لهذه الآلام والأوجاع التي حرمتني من النوم أيامًا وليالي طويلة. أما التفسير فهو تأخر في الإلتحام أو الشفاء، وهو أمر قابل للحدوث. أما العلاج فمزيد من المورفين والمسكنات، والتضرّع إلى السماء.
بعد هذه الجراحة اللعينة وعدم توقف الآلام، لا بل تفاقمها، طلبت مني زميلتي في "مؤسسة الدراسات الفلسطينية" حيث أعمل، الصديقة منى نصولي، أن آتي بصور أشعةٍ حديثة وتقارير طبية إلى والدها، جرّاح العظام القدير والمتقاعد الدكتور عفيف نصولي (رحمه الله)، وهو الذي أنهى دراسته في الولايات المتحدة الأميركية وعاد إلى بلده ليؤسس قسم جراحة العظام في "مستشفى الجامعة الأميركية" في بيروت، في خمسينيات القرن الماضي. وهو أيضاً عضو الـ "بورد" الأميركي في جراحة العظام، وستطلب منه منى أن يراجع حالتي. عندما التقينا، وكان ذلك في صيف العام 2010، أيّ بعد مضيّ نحو سبعة شهور على الحادث والجراحة، تفاجأ الحكيم نصولي، وبعد كثيرٍ من الأسئلة والاستفسارات، من استمرار الألم وعدم التحام الكسر، علمًا بأن المدة تُعتبر كافية ليلتحم العظم وتختفي الآلام، بحسب خبرته وتجاربه السابقة. أحالني إلى أحد زملائه العاملين في جراحة العظام في "مستشفى الجامعة" في بيروت، حيث تقرّر أن أخضع لجراحة زراعة عظم كي يساعد في الإلتحام. خلال الجراحة، اكتُشف التهاب بكتيريّ، واتضح أن الالتهاب قد فتك بالعظم. وعوضًاعن تدفق الدماء فيه، تدفقت البكتيريا والقيح والصديد. ومع الجهود الكبيرة التي بُذلت مع الطاقم الطبيّ لتنظيف الإلتهاب، وما تلاها من كميات كبيرة من المضادات الحيوية التي تناولتها على بحر شهورٍ، لم يلتحم العظم. وتبين أن الالتهاب قد أدّى إلى تآكل جزءٍ من العظم السليم، ما تطلب إجراء جراحةٍ ثالثة بهدف اسئصال تلك المنطقة الملتهبة من العظم، خشية استمرار الإلتهاب وتأثيره على الأجزاء السليمة. كان ذلك في العام 2011. بنتيجة الجراحة، حدث تباين في طول الأطراف في جسمي، بنحو ثلاثة سنتيمترات، ما اضطرني إلى استخدام حذاءٍ خاص كي تتساوى خطوتي بين القدمين.
لا أريد أن أطيل في تفاصيل هذه القصة، فقد اضطررت إلى إجراء خمس عملياتٍ جراحية لتصحيح هذا الخطأ الشنيع. وها أنا الآن أرقد في المستشفى، بعد جراحة سادسة، الهدف منها هو تثبيت العظام المكسورة لأن تدفّق الدم في مكان الكسر ضعيف جدًا بسبب الالتهاب البكتيري، جراء سوء التعقيم، الناتج عن الإهمال والاستهتار، الناتجين عن غياب الرقابة ومنظومة واضحة للمراجعة وللتحقق والتدقيق، وغيابٍ كبير لنقابة أطباء يفترض أن تمارس دورًا رقابيًا وتأهيليًا على أعضائها ومنتسبيها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الصديق الدكتور غسان أبو ستة، رئيس قسم الجراحة التجميلية في "مستشفى الجامعة الأميركية" في بيروت، قدّم مبرراً آخر للالتهابات التالية للجراحة، يتمثل في حاجة غرف العمليات الخاصة بجراحة العظام إلى بيئة خاصة وتعقيم خاصين، وهي من أكثر غرف الجراحة حاجةً للتعقيم الخاص والمعقّد. ولا ينبغي إجراء جراحة عظام في غرفة عمليات تجرى فيها عمليات ولادة، كما حصل معي في الشهر الأول من العام 2010.
لا أتّهم الطبيب كشخص بعينه، فهو جزءٌ صغير من منظومة عملٍ كاملة من المفترض أن يكون جوهر عملها ليس رقابيًا فحسب، إنما تحفيزيًا وتأهيليًا. وأقصد هنا الحكومة ممثلة بوزارة الصحة، كما أقصد القطاع الخاص الذي يتوجب عليه ألا ينسى أن الأرباح الطائلة التي يجنيها، يجب أن تترافق مع خدمات متميزة. وأقصد هنا نقابة الأطباء التي من واجبها تأهيل الأطباء، وتدريبهم، ومحاسبتهم، وإخضاعهم للرقابة، وليس حمايتهم فقط. كما أقصد شركات التأمين التي تجني الأرباح. وأقصد أيضاً الطبيب، مرة أخرى، فعليه ألا يُحرج من قول: لا أعرف، وأنني مستعد لأن أتعلم. وأقصد هنا الجامعات التي من المفترض أن تؤهل طلبتها في كليات الطب. وأقصد الممرضين والممرضات الذين عليهم الوفاء لمهنتهم. وأقصد من يقوم بتنظيف المشافي ومن يحرسها، كما أقصد أخيرًا كلّ من له علاقة بهذا القطاع من قريب أو بعيد.
لم يكن الخطأ الطبي الذي كنت أحد ضحاياه نتيجة خطأ معرفيّ لم يتوصل الأطباء والباحثون في علوم الطب إلى إيجاد إجابات وحلول له. لم أقدم على مجازفة، ووافقت عليها. إن ما حصل هو خطأ غير مبرر كان بالإمكان تجاوزه بمزيدٍ من التعقيم والنظافة والرقابة على من يعقّم وعلى من ينظف وعلى الطبيب نفسه، بالإضافة إلى تخصيص غرف الجراحة بحسب الحاجة والتخصّص.
إن ما حصل عطّل أكثر من خمسة أعوام من حياتي. حرمت إلى حدٍّ كبير من ممارسة حياتي بصورة طبيعية، أصبحت من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكان من الممكن تجاوز ذلك كله بمزيدٍ من الاهتمام الذي ينطوي عليه الكثير من احترام حقوق الإنسان في مجتمع لا يزال يحارب من أجل حريته.
أجزم بأن القطاع الصحيّ الفلسطينيّ من أكثر القطاعات التي تلقت دعمًا حكوميًا ودوليًا من منظمات وصناديق دولية. وأجزم أيضًا بأن الكفاءات الطبية الفلسطينية كبيرة ومحترمة في بلاد الغير وعلى المستوى الفرديّ. وكنتُ قد سألت صديقي الدكتور أبو ستة عن هذه المفارقة بين الإمكانات التي تلقاها هذا القطاع الذي يعدّ أول قطاعٍ تسلّمته السلطة الفلسطينية في العام 1994، أيّ مضى على استقلاليته أكثر من عشرين عامًا، وبين كثرة تكرار الأخطاء الطبية وفقر الخدمات المقدمة، فأجاب بأن أكثر الإستثمار كان دائمًا يصبّ في الأبنية الكبيرة والضخمة، والأجهزة المتطورة، وأقلّه كان يخصص لتأهيل الكادر الطبي وتدريبه. وهذه مفارقة إذ إن هذه الأدوات والأجهزة المتطورة تحتاج إلى كادرٍ مؤهل يجيد استخدامها والاستفادة من امكانياتها الضخمة. أضف إلى ذلك عدم الإستثمار في بناء مشافٍ جامعية ترفد الكليات الطبية بإطارٍ عمليّ وتنظيميّ. فهناك أربع كليات طبّ ومستشفى تعليمي واحد فقط، أما الباقي فيعتمد على المشافي الحكومية في تدريب الأطباء.
منذ العام 1948، يجثم على صدر مجتمعنا وشعبنا احتلال دولةٍ صادف أن لها مكانة مرموقة في العالم، لجهة الرعاية الصحية والتأمينات العامة، وخصوصًا أن هناك عددًا لا بأس به من مواطنينا يتعالج في مشافيها ومرافقها الصحية. فقد بلغت فاتورة العام 2014 التي دفعتها السلطة الفلسطينية لتحويلات المرضى خارج مرافق وزارة الصحة الفلسطينية مئة مليون دولار، ثلثها للمشافي الإسرائيلية، بحسب مصادر وزارة الصحة الفلسطينية. مع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن هذه الدولة كان لها باع كبير في الحدّ من تطوّر قطاعنا الصحيّ، وجعله تابعاً لها، خصوصاً في السنوات الممتدة ما بين 1967 و1993.
ربما، بمزيدٍ من الـتأهيل والتدريب، يمكن التقليل من هذا الاستنزاف تباعًا، وتحويله إلى فرصةٍ في تأهيل الكوادر الطبية في الداخل الفلسطينيّ وتدريبهم، بالإضافة إلى بناء مشافٍ تعليمية. ومن الممكن أن تطوير المنظومة القانونية والتشريعية والرقابية يحدّ بصورةٍ كبيرة من تكرار الأخطاء الطبية، الناتجة عن الغياب الواضح لهذه المنظومات.
سأختم هنا بخشيةٍ عبّر عنها الدكتور غسان أبو ستة مرارًا وتكرارًا، ولهذا الطبيب مصداقية على المستوى الفلسطينيّ تضاف إلى سجله الأكاديمي والمهني، نتيجة عمله التطوّعي كجرّاح في غزّة خلال عدوان 2008-2009 ثم خلال عدوان العام 2014. إذ يخشى الدكتور أبو ستة أن يتكرّر العدوان على غزّة (وهذا متوقع)، أو تندلع انتفاضةٌ في الضفّة الغربية، فيما القطاع الصحّي الفلسطينيّ لا يزال على حاله.. لا يراكم تجاربه، ولا يكرّس العمل الجامعيّ كمنظومة عملٍ يومي ملزمة، وغير اختيارية.