| 

أتت الدعوة الأخيرة التي تلقيتها للمشاركة في قراءة شعرية في دولة الباسك لتبدّل المعادلة في العلاقة مع أوروبا قليلاً. فمنا نحن الفلسطينيين من يشعر بتماثلٍ عاطفيّ فوريّ مع أيّ شعبٍ يعايش أو سبق له أن عايش تجربة احتلالٍ أو اضطهاد. وعلى الرغم من أن الباسك هي امتدادٌ جغرافيّ وحضاري لجاراتها الأوروبيات، إلا أن تفاصيل صغيرة فيها كفيلة بأن يتبدّى فيها اختلاف جوهري عن دول أخرى، على الأقل بالنسبة إلى زائرة فلسطينية. كأن يشير أحدهم إلى فلسطين بـ "فلسطين التاريخية"، أو كأن تدمع عين كهل وهو يتحدث عن فلسطين، وعن التظاهرة الضخمة التي ستخرج بعد أيامٍ هنا للمطالبة بإجراء استفتاء حول استقلال الباسك، أو كأن لا أضطر لأن أشرح لجمهور ندوة عن بديهياتي السياسية، كما في معظم الندوات التي تقام في أوروبا، أو كأن أقف أمام مشهد شباب عكا التقليديّ وهم يقفزون من السور إلى البحر مكرّراً في ميناء زهارا القريبة من بلبو العاصمة الباسكية. أو، أيضاً، كأن ألتقي بتيريسا أرانجورن؛ الصحافية المخضرمة التي عايشت التجربة الفلسطينية قبل أن أولد، وما زالت تتحدث عنها باللهفة ذاتها، بعيدًا عن أيّ نيات استشراقية، شعورية أو لاشعورية.


بيروت؛ المفصل المكتظ بالموت

"شكّل العدوان الإسرائيلي على بيروت في العام 1982 نقطة تحوّلٍ شخصية ومهنية في حياتي"، تقول تيريسا التي لم تفكر للحظة بالعواقب التي قد تلحق بها جرّاء الإقامة تحت الغارات الإسرائيلية والاجتياح المرعب. كما لم يفكر بذلك زوجها، الذي رافقها إلى هناك لأنه لا يريد لها أن تموت وحدها، إن كان لا بدَّ من موتٍ.
أمضت تيريسا 20 يومًا وهي تتنقل في "بيروت الغربية" من موقعٍ إلى آخر، من قصفٍ إلى قتل. ووسط هذا السباق مع الزمن والنار، كانت تكتب الأخبار والمقالات للصحف الإسبانية، بعينها وشهادتها المباشرة قبل قلمها. كانت أياماً مكتظة بالموت، وطافحة بالخسارات، كي تقول عنها الصحافية الباسكية إنها "التروما الأشد التي عاشتها المقاومة الفلسطينية. كانت الكدمة التي لن يعود بعدها أيّ شيءٍ على ما كان عليه. إلا أنها، للأسف، لم تشكل مفصلاً عند الرأي العام الفلسطينيّ بقدر ما شكلت أحداثاً تاريخية أخرى".
تتذكّر: "في إحدى ليالي بيروت الساكنة إلا من القصف، والشوارع خالية من الحياة، مقفرة من الناس، أخذني أشخاص لا أعرفهم بسيارة، ونزلنا قبوًا معتمًا تضيئه بعض الشموع. هناك التقيت بـأبو عمار". تصفه بالشخصية الفذّة، كونه يجمع ما بين شخصيةٍ قريبة إلى القلب ولطيفة ودافئة وبين شخصيةٍ خارقة الذكاء ومحنكة سياسيًا. "لا يمكن أن يتفوّه بشيءٍ لم يدرسه ذهنه. وقد ملك أوراقًا قليلة بيديه، ولكنه كان لاعبًا جيدًا"، تردف تيريسا، التي عاودت إجراء لقاءٍ آخر معه في العام 1987، في أثناء إقامة "منظمة التحرير الفلسطينية" في تونس. بعد يومٍ واحد من خروج المنظمة من بيروت، وقبل 10 أيام من مجزرة صبرا وشاتيلا، غادرت تيريسا بيروت، حاملةً مادةً حسيّة وذهنية ثقيلة، ستؤثر عليها في ما بعد، وتشكّل قواعد متينة في وعيها السياسي.


إرجاع الأشياء إلى حقيقتها

لم تغب تيريسا كثيرًا عن المنطقة حتى عادت لتغطية حرب الخليج في العام 1991، من القدس. هناك، وتزامنًا مع انتقالها من الصحافة المكتوبة إلى المرئية، بدأت تزرع ثوابتها السياسية والفكرية في الأجندة العملية التي تبنتها الصحافة الإسبانية المتلفزة آنئذٍ. "لم تكن لدى العاملين هناك أية تفاصيل، أو معرفة سياسية فاحصة لما يجري في المنطقة. ما جعلني أحدث تغييرات على مستوى قاموس المصطلحات المستخدمة خلال الانتخابات الإسرائيلية إبان اتفاقية أوسلو والتي فاز بها إسحق رابين، أو خلال حرب الخليج"، تقول. ثبتّت تيريسا حينها مصطلح "القدس الشرقية" في تقاريرها، ولم تغيّر أيًا من توجهاتها هذه رغم أسئلة الرقابة العسكرية الإسرائيلية عنها، ورغم محو مقاطع مصورة من تقاريرها تشير، بحسب تعبيرهم، إلى أماكن سقوط الصواريخ.
ثم تنتهي تلك الحقبة بالنسبة إلى الصحافية الباسكية باتفاقية أوسلو، التي تحاول أن تنظر إليها على أنها وليدة حضيض سياسيّ فلسطيني، وليس على أنها منزلق تاريخي أُدرك بعد سنوات: "في تلك اللحظة المفصلية، لم تكن كلمة "لا" لأوسلو واردة بوضوح. كان ثمة نقاش حادّ حول هذه الخطوة. هناك من رأى فيها خطوةً إيجابية، على الرغم من الثغرات وعلامات الاستفهام. ولكني، الآن، أراها خطأً فادحاً".
إنها وجهة النظر التي تنبت من إيمان تيريسا بأن على السياسة أن تتعامل مع قضايا الشعوب بمعادلة إرجاع الأشياء إلى طبيعتها وحقيقتها، وليس إلى الشكل الذي يُصار إليها أن تكون فيه في نهاية المطاف، ليس إلى الشكل الذي توضع وفقه اتفاقيات كهذه. "العدل غير موجود. ولكن الحق موجود. ولا يكفي أن ندافع عن وجوده، بل علينا أن نبحث عن سبل شديدة العملية من أجل تحقيقه وجعله ممكنًا".


"ليس مجرد كرم وحسن ضيافة"

الانتفاضة الثانية في العام 2000. محطة لاحقة مرّت بها تيريسا. أول ما تذكره منها هو جدالٌ حاد مع جنديّ إسرائيليّ تحدّث إلى مجموعة من الصحافيين الإسبانيين، وقال لهم إن "عليهم أن يعلموا جيدًا ما يمرّ به الإسرائيليون، كونهم مرّوا بتجربة مشابهة مع "الإرهابيين" من الباسك". هي ترى بالانتفاضة الثانية تعبيرًا طبيعيًا عن حالة غضب جماعية وقنوط عام من الواقع السياسي الذي تعيشه القضية الفلسطينية. "أبغض العناوين العريضة والعامة في الكتابة الصحافية"، تقول، بعدما وصفت لي بدقة بالغة مشهدًا لن تنساه من الانتفاضة الثانية: فيه، وقفت امرأةٌ عجوز وسط مواجهات مع الاحتلال، تحمل العلم الفلسطيني إلى الأعلى، وصدرها مكشوف لرصاص الجنود، بينما لا تحرّك ساكنًا ولا يرفّ لها جفن. "من المجحف أن تتحول هذه المواجهات إلى مجرّد عنوان، وأن تُنسى تفاصيل هذا المشهد العينيّ".
العام 2002: اجتياح مخيّم جنين. تعتبره تيريسا مفصلاً إنسانيًا وسياسيًا حادًا، تمامًا كاجتياح بيروت. "دخلتُ المخيم بعدما سمح لنا الإسرائيليون بالدخول. وقتئذٍ، بدأ الفلسطينيون بالخروج من حصارهم لمشاهدة الخراب الذي يحيط بهم. إن أكثر ما أثار استهجاني هو نظرات الرجال. لم ينفعلوا. لم يبدوا أيّة مشاعر. وكأن شيئًا ما تجمّد فيهم. كأنهم لا يصدّقون ما حلَّ بهم وهم يرون مخيمهم ممسوحًا بالأرض"، تقول تيريسا. وتشير إلى القوة التي أبدتها النساء: "كانت النساء تحاولن لملمة الدمار، يتحرّكن ويعبّرن عن مشاعرهن. أما الرجال فكانوا كالتماثيل من شدّة الصدمة، انكسرت دواخلهم".
لا تنسى تيريسا صورًا كثيرة من مخيم جنين، وقد تكون أبرزها مشهد امرأة تجلس فوق ركام بيتها، ثم تلحق بالصحافيين الأجانب لتسقيهم الماء. "تعلمت الكثير عن الشعب الفلسطيني. هذا ليس مجرد كرم وحسن ضيافة، هذه ثقة عالية بالنفس. ثقة بأنه صاحب الأرض، وأن الدمار لا يسلبه أرضه أو أيَّ شيء آخر"، تقول.


"ليس هنالك تشابه بين القضيتين"

لا بدّ أن تجربةٍ كالتي عايشتها تيريسا، ذهبت بها إلى أبعد من نقل الخبر. لم تتوقف زياراتها إلى فلسطين، حتى بعد انطفاء الانتفاضة الثانية. "إن الامتحان الأصعب في منظومة اللاعدل هذه، هو الحفاظ على الذاكرة، لأن هذه المنظومة تتغذّى على محوها ومحو التاريخ والهوية"، تقول تيريسا الذي جعلها هذا الإيمان تقوم بمشاريع عدة، منها إصدار كتاب تحت عنوان "خياطة الذاكرة" (2004)، الذي يجمع وثائق وشهادات عن النكبة من لاجئين في مدينة إربد الأردنية، وشهادات من فلسطينيين خلال إقامة جدار الفصل العنصري، وشهادات شخصية تحملها ذاكرتها من بيروت. كذلك، لها كتاب أدبي آخر بعنوان "الزيتون المكسور"، اتكأت فيه على خمس قصص من العراق وفلسطين. أما الآن فتعمل تيريسا برفقة مصورة على جمع صور لفلسطين قبل النكبة: "حتى النخبة المثقفة في الغرب لا تملك أدنى فكرة عن أن فلسطين كانت زاخرة بالحياة قبل إنشاء دولة إسرائيل. دلت أن إنشاءها كذبة كبيرة وعلينا دحضها".
لا تربط تيريسا اهتمامها بالقضية الفلسطينية بكونها باسكية: "ليس هنالك تشابه بين القضيتين. الفلسطينيون لم يعانوا من الاضطهاد فحسب، بل أخذ منهم كلّ شيءٍ بالقوة، الأرض والتاريخ واللغة. أما المسألة الباسكية فهي نتاج الحرب الأهلية الإسبانية في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي مسألة ذات بعد ثقافي ولغوي". ولذلك، فهي تعتبر أن الهويتين الإسبانية والباسكية لا تتضادّان، فتاريخ الباسكيين مرتبط بالتاريخ الإسباني ارتباطًا وثيقًا. ولكن قتل اللغة الباسكية في الحيز العام ومنع الناس من التحدث بها حتى آخر أيام الدكتاتورية العام 1965 كان السبب في تنمية شعور الباسكيين بالاختلاف ومطالبتهم بالاستقلال: "بعيدًا عن تشابه القضيتين أو اختلافهما، والذي لا أبحث عنه كدافع أساس لاهتمامي بالقضية الفلسطينية، فأنا أبغض الظلم، أكره سيطرة القويّ على الضعيف، وهذا ما يخنقني ويحبس أنفاسي. هو نفسه، أيضًا، ما يمنحني الطاقة للعمل والاستمرار فيه من دون كلل".