| 

منذ احتلال فلسطين، ظلّ "المكان" مسرحاً للصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لأنه يشكل مضمون الذاكرة الجماعية بكل تفاصيلها. إدراكاً لتلك الأهمية، عمدت إسرائيل إلى إخضاع ذاكرة المكان لطمس منهجي عبر تغيير هويته. ولا يتمّ ذلك فقط بمفهوم التملك والحيازة، بل بفرض السيطرة الثقافية والدينية والتاريخية والجغرافية عليه، أي بفرض "اليهودية"، بحيث يأخذ حيّزه ومركزيته في الإيديولوجيا الصهيونية. بالتالي، فإن كلّ طبقة ذاكرة تستحدث لدعم المشروع الاستيطاني تأتي لتغطية طبقة من طبقات الذاكرة الفلسطينية الموجودة على الأرض، إما عبر تدميرها أو بالاستيلاء عليها وتهويدها.

"وكلاء تصميم الذاكرة الجديدة"
تسلك السياسة الإسرائيلية الهادفة للسيطرة على المكان ثلاثة محاور، وينفذها من أطلق عليهم الكاتب والمؤرخ نبيه بشير تسمية "وكلاء تصميم الذاكرة الجديدة"، وهم مسؤولون حكوميون وقادة مستوطنين ورجال دين. يضيف بشير: "داخل الأراضي المحتلة عام 1948، تركّز المحور الأول على طمس المعالم الفلسطينية وتدميرها، وإقامة أخرى مكانها، كما حصل مع 531 قرية فلسطينية طهرت عرقياً، ودمرت بالكامل خلال نكبة فلسطين، وهجر سكانها الذين بلغ عددهم عام 1948 حوالي 805.067 نسمة". على أنقاض معظم تلك القرى، تم بناء مستوطنات يهودية، بينما أقيمت فوق البقية حدائق عامة وغابات ومحميات طبيعية، واستخدمت حجارة بيوتها لبناء جدران استنادية لها. جميعها الآن تحمل أسماء عبرية مثل "بارك كندا"، الذي أقيم على أنقاض قرية عمواس الواقعة غربي مدينة القدس، بينما استبدلت قرية إجزم بمستوطنة كيرم مهرال التي أقيمت فوق بيوتها المهجرة.
ينسحب الأمر ذاته على قرية قيرة في قضاء حيفا، التي كان يقطنها 2700 نسمة قبل النكبة، بحسب إحصائيات أرشيف دائرة شؤون اللاجئين الفلسطينية. تقع القرية على جانبي وادي الطواحين الأثري، الذي تمّ تغييره إلى "ناحل هشوفيط"، ويعني بالعربية: "وادي القاضي". وحُوّل الوادي إلى موقعٍ سياحيّ أثري، بسبب وجود العديد من الكهوف الأثرية وينابيع المياه فيه. جميع اللافتات في المكان تسرد تاريخ المنطقة الذي يعود إلى آلاف السنين، خلال الفترتين الفارسية والعبرانية، من دون الاشارة إلى "الفترة" العربية، والتي كانت القرية فيها عامرة بأهلها قبل ستين عاماً فقط.. رغم أن مدخل أحد البيوت القليلة الباقية ما زال يحمل نقشاً باللغة العربية، يدل على اسم ساكن البيت وتاريخ تشييده.

اختلاق روايات توراتية لتهويد الآثار
اعتبر الباحث الفلسطيني مصطفى كبها، صاحب كتاب "الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني والحرب على الذاكرة"، أن المحور الثاني يستهدف أراضي الضفّة الغربية، ويقوم على الاستيلاء على المقامات والآثار الدينية المنتشرة في مدن الريف الفلسطيني، من خلال الروايات التوراتية المختلقة. هذا نهج للسيطرة على المعالم الدينية والأثرية وتغيير معالمها والادعاء أنها إرث ديني يهودي وإقامة مستوطنات عليها. يشرح: "إن الاحتلال يسعى من استهداف تلك المواقع الى خلق ارتباط إيديولوجي وعقائدي لدى المستوطنين، لدفعهم إلى الإقامة داخل تلك المستوطنات، وزرعهم في الأرض، ودفعهم إلى التمسك بها كإرثٍ ديني وعقائدي لهم".
تشير إحصائيات صادرة في العام 2014 إلى أن عدد المستوطنات الإسرائيلية في الضفّة الغربية بلغ حوالي 194 مستوطنة، يقيم فيها ثلاثة ملايين وثمانمئة واثنان وتسعون ألفاً وثمانمئة وثلاثة وخمسون (3892853) مستوطناً. أقيم القسم الأكبر منها إلى جانب أو على أراضٍ تحوي معالم تاريخية ودينية، كمقامات لأولياء ومزارات إسلامية وآثار رومانية وبيزنطية. هذه الأماكن، تم الاستلاء عليها وتغيير معالمها، وأعطيت صبغة دينيّة تستند إلى روايات توراتيّة مختلقة تخدم في إعلانها مواقع أثرية يهودية. يقول كبها: "يوجد نحو 223 موقعاً أثريّاً داخل المستوطنات. حولت بعضها الى مواقع سياحيّة، مثل كهوف قمران في شمال البحر الميّت، وخربة سوسيا جنوب مدينة الخليل، ومواقع أخرى صارت مقامات ومزارات دينية ودور عبادة".

أسماء مستوطنات، وفلسطينيون صاروا أنبياء!
تحمل المستوطنات عادةً أسماء توارتية تدلّ على المواقع الأثرية المقامة عليها أو المحيطة بها، بعدما تمّ الاستيلاء عليها وتهويدها. فمثلاً، اسم مستوطنة "بيت ايل" الواقعة في شمال مدينة رام الله، يعني "بيت الرب"، وقد أقيمت فوق تلة هي مذبح كنعاني لـ "الإله إيل". مستوطنة شيلو، في شمال رام الله أيضاً، أقيمت على موقع سيلون الأثريّ الذي يعود لمدينة كنعانيّة عمرها أكثر من 7 آلاف سنة. أما جبل "عيبال" المشرف على مدينة نابلس في شمال الضفة الغربية فيزعم المستوطنون أنّ فيه مذبح "يوشع بن نون". وبحسب التوراة، هو النبي الذي أخرج اليهود من سيناء المصرية.
أما مسجد بلال بن رباح، الذي يطلق عليه اسم "قبّة راحيل"، فيقع في شمال مدينة بيت لحم. وهو عبارة عن بناء إسلامي مملوكي على شكل قبة، يحوي ضريح راحيل زوجة النبيّ يعقوب، التي تذكر الرواية التوراتية أنها توفيت ودفنت في المكان أثناء ولادتها لابنها الأصغر بنيامين. في المقام، يحضر الضريح إلى جانب المسجد الذي كان يستخدمه سكان المنطقة للصلاة، حتى احتلال الضفة الغربية في العام 1967. بعد الاحتلال، منع الفلسطينيون من الوصول الى المكان نهائياً. في العام 2001، ضمّت إسرائيل المقام الى داخل الجدار الفاصل بين مدينتي بيت لحم والقدس، وهو الآن مفتوح للمصلين اليهود فقط، ويخضع لحراسة أمنية مشدّدة من خلال أبراج عسكرية وكاميرات مراقبة.
الموقع الآخر هو مقام قبر يوسف. يقع إلى الشرق من مدينة نابلس. يدّعي المستوطنون أن المقام يحوي قبر النبي يوسف، رغم الحقائق التاريخية التي تثبت بأنه ضريح أحد أبناء قرية بلاطة المجاورة، يدعى الشيخ يوسف دويكات، وهو مواطن مسلم فلسطيني، توفي ودفن في المكان أيام العهد العثماني، بحسب الشواهد التاريخية النظرية والحجرية. يؤم الضريح أسبوعياً المئات من المستوطنين اليهود للصلاة، ويخضع الضريح لحراسة الجيش الإسرائيلي، عبر شبكة من كاميرات المراقبة المنتشرة في محيط المكان. أيّ مواطن فلسطيني يقترب من الضريح يعرّض نفسه إما للقتل أو الاعتقال في أحسن الأحوال.
وهنالك مقامٌ إسلامي آخر، يعرف باسم "الولي"، دفن فيه فلسطيني يدعى سعد الدين حجازي منذ أربعمئة سنة. يقع المقام في حيّ الشيخ جراح في مدينة القدس. استولت عليه السلطات الإسرائيلية بحجة أنه ضريح أحد أولياء اليهود الملقب بـ "شمعون الصديق". صار اليهود الأصوليون يقومون بزيارة الموقع، ويمارسون شعائرهم الدينية يوميّا منذ العام 1978. أما سكان الحي فيؤكدون أن السلطات الإسرائيلية تسعى لمصادرة الأراضي المجاورة له، بغية بناء مستوطنة في الحيّ العربيّ لجعله يهودي الطابع.
وفي هذا الإطار، قال المدير العام لحماية الآثار في وزارة السياحة صالح طوافشة: "إنّ المستوطنين، بحماية الجيش الاسرائيلي، يقومون بالاستيلاء على تلك الأماكن، وتطويقها ومنع الفلسطينيين من الاقتراب منها، أو حتى الأراضي المحيطة بها".
وفي السياق ذاته، أشار طوافشة إلى أنّ سلطات الاحتلال أعلنت عن إقامة 12 حديقة عامّة على مواقع أثريّة تقع في الضفّة الغربيّة، منها قرية الولجة وجبلا جرزيم وعيبال في نابلس، مضيفاً: "إنّ المستوطنين يقومون بالسيطرة على المواقع الأثريّة الّتي يظنون أنّ لها ارتباطاً بالدعاية التوراتيّة، وهذا الأمر يتّخذونه ذريعة لهم لبناء مستوطنات جديدة عليها".

اللغة العربية تعربنت: بيسان هي بيت شان
المحور الثالث الذي يتم عبره تغيير الوجه العربي لفلسطين كلياً، هو: تهميش اللغة العربية. ويتمثل بتغيير تسميات مدن وقرى عربية ما زالت قائمة ومأهولة بالسكان، وذلك باعتماد نص عبريّ في كتابتها للغة العربيّة. مثلاً، الناصرة تصبح في اللغة العربيّة "نتسرات"، ويافا تصبح "يافو"، وشفاعمرو تكتب بالحروف العربية "شفارعام"، والقدس تكتب "أورشليم". وتمّ نشر هذه التسميات على موقع وزارة المواصلات الإسرائيلية، وعلى كل اللافتات الإرشادية في الشوراع، وكذلك عند مداخل تلك المدن.
أما المدن القائمة والتي أفرغت إما كلياً أو جزئياً من سكّانها العرب فقد تم تحريف اسمها إلى اسمٍ عبريّ مشابه لفظاً للاسم العربيّ الأصليّ. فيكتب اسم المدينة باللغة العبرية في رأس اللافتة، يليه الاسم المعبرن بحروف عربية، ثم إنكليزية. مثلاً، عسقلان تصبح "أشكلون"، وبيسان "بيت شان"، والخضيرة "حديرا"، وصفد "تْسفات"، وصفورية "تسيبوري"، وعين جالوت "عين حارود"، وقرية الشيخ سلامة "كفار شاليم".
تعترض الفلسطينيّين إشكاليّات عدّة في مواجهتهم للنهب الذي يتعرّض له موروثهم الحضاري. من أبرز هذه الإشكاليات، القيود الإسرائيلية التي تحدّ من قدرتهم على مواجهة الحملات، كمنع الجهات الفلسطينيّة من الوصول إلى الأماكن الأثريّة، خصوصاً في الضفة الغربية، ما يحول دون توفير الحماية اللاّزمة لها، ورصد الانتهاكات الاسرائيلية ضدها.
ويشرح الخبير في الشؤون الإسرائيلية عبد الحفيظ محارب أنّ إسرائيل تخصص ميزانيّات هائلة، وكذلك توفر الخبراء والدراسات، من أجل السيطرة على الإرث الفلسطيني، وإعطائه طابعا يهوديّا، لسلخه عن محيطه العربيّ.
وبحسب محارب، فإن المسؤولية تقع ليس فقط على الجهات الرسمية، بل أيضاً على أبناء الشعب الفلسطيني، ومؤسساته الثقافية والأكاديمية، من أجل وضع الخطط اللازمة لمواجهة التهويد. ويقول: "إن الأمر يحتاج إلى حملات توعوية داخلية على مستوى الأفراد، وكذلك حملات إعلامية في كل المحافل الدولية".
إن اسرائيل، يضيف محارب، تراهن على موت الذاكرة الفلسطينية، خصوصاً بين الأجيال التالية من أبناء الشعب الفلسطيني. وإذا لم تنوجد خطط واضحة لمواجهة هذه الانتهاكات الإسرائيلية، فإن التاريخ الفلسطينيّ بأكمله، وآلاف الآثار التاريخية لحضاراتٍ قديمة مرّت قبل آلاف السنين على أرض فلسطين، مهددة بالاندثار، أو التدمير، أو التهويد.